الواقعية بلا ضفاف من روجيه جارودي إلى الرأسمالية الخوارزمية: تحولات المفهوم الفني في زمن الشبكات
محمد السميري:
تمهيد: لماذا نعود إلى جارودي اليوم؟
حين صاغ روجيه جارودي مفهوم «الواقعية بلا ضفاف» لم يكن بصدد الدفاع عن تيار فني بعينه، بل كان يحاول إنقاذ فكرة الواقعية نفسها من التحجر الأيديولوجي ومن اختزالها في شكل تقني مغلق. لقد جاء مشروعه في سياق سجالات حادة حول الواقعية الاشتراكية، وحول سلطة الحزب على الإبداع، وحول وظيفة الفن في المجتمع. غير أن القيمة الحقيقية لمفهومه لا تكمن في سياقه التاريخي فحسب، بل في قابليته لإعادة التفعيل في كل مرحلة تتغير فيها بنية الواقع ذاته.
اليوم، ونحن نعيش تحولات عميقة بفعل الرقمنة الشاملة وصعود الذكاء الاصطناعي وتغلغل المنصات الرقمية في تفاصيل الحياة اليومية، يبدو سؤال الواقعية أكثر إلحاحًا مما كان عليه في القرن العشرين. فهل لا يزال بإمكان الفن أن يمثل «الواقع» في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالمحاكاة، والتجربة بالبيانات، والذات بالخوارزمية؟ أم أن علينا إعادة تعريف الواقعية بحيث تتجاوز حدودها الكلاسيكية، تمامًا كما دعا جارودي إلى تجاوز «الضفاف»؟
أولًا: في نقد الواقعية المغلقة — من لوكاش إلى جارودي
كان جورج لوكاش يرى أن الرواية الواقعية الكبرى قادرة على تمثيل الكلية الاجتماعية، أي على ربط المصير الفردي بالبنية الطبقية والتاريخية الشاملة. وقد مثّلت أعمال بلزاك وتولستوي عنده نموذجًا لهذا التمثيل الكلي، حيث تتشابك الشخصيات ضمن نسيج اجتماعي واضح المعالم. غير أن هذا التصور، على أهميته، افترض أن الواقع نفسه يمتلك بنية متماسكة يمكن التقاطها عبر سرد خطي متدرج.
جاء جارودي ليعترض ضمنيًا على تحويل هذا النموذج إلى معيار ثابت. فالواقعية، في نظره، ليست تقنية سردية محددة، ولا التزامًا بشكل معين، بل هي قدرة العمل الفني على كشف التناقضات الحية في الواقع. ومن هنا فإن كل شكل فني — سواء كان تقليديًا أو تجريبيًا — يمكن أن يكون واقعيًا إذا نجح في تعرية البنية العميقة للوجود الاجتماعي.
بهذا المعنى، لم يكن جارودي يدعو إلى فوضى جمالية، بل إلى تحرير الواقعية من ضيقها المدرسي، وإلى الاعتراف بأن الواقع نفسه متحول، وأن أدوات تمثيله يجب أن تتغير تبعًا لتحولاته.
ثانيًا: من البيروقراطية الكافكاوية إلى السلطة الخوارزمية
حين نقرأ عالم فرانتس كافكا نجد أن السلطة فيه لا تتجسد في حاكم مرئي، بل في جهاز غامض، بلا وجه، يصدر أحكامًا لا تُفهم. لقد كان كافكا يكشف عن اغتراب الإنسان داخل البيروقراطية الحديثة، حيث يصبح الفرد عاجزًا عن إدراك مصدر القرار الذي يحدد مصيره.
غير أن التحول المعاصر يتمثل في انتقال هذه السلطة من البيروقراطية الورقية إلى الخوارزمية الرقمية. فالقرار اليوم — سواء تعلق بالقرض البنكي، أو بترتيب المحتوى الإعلامي، أو بفرص العمل — قد يصدر عن نظام حسابي معقد لا يملك الفرد أي قدرة على مساءلته. وهنا تكتسب أطروحات شوشانا زوبوف حول «رأسمالية المراقبة» أهمية خاصة، إذ توضح كيف تحولت البيانات الشخصية إلى مادة خام لإنتاج التنبؤات السلوكية، وكيف أصبح السلوك البشري ذاته موضوعًا للاستثمار.
إننا أمام واقع لا يكتفي بإدارة الأفراد، بل يعيد تشكيل رغباتهم وتوقعاتهم، ويقترح عليهم أنماطًا من الاستهلاك والعلاقات وحتى التفكير. وإذا كان كافكا قد كشف عن عبثية الجهاز الإداري، فإن الفن المعاصر مدعو اليوم إلى كشف عبثية النظام الخوارزمي الذي يعمل بصمت وفعالية في آن واحد.
ثالثًا: تفكك الكلية في الحداثة السائلة
يصف زيغمونت باومان عالمنا بأنه «حداثة سائلة»، حيث لم تعد الروابط الاجتماعية مستقرة، ولا الهويات ثابتة، ولا المسارات المهنية مضمونة. إن السيولة هنا لا تعني الحرية المطلقة، بل هشاشة البنى التي كانت تمنح الأفراد شعورًا بالاستقرار. وفي السياق نفسه، يتحدث ديفيد هارفي عن «التراكم المرن» بوصفه طورًا من الرأسمالية يعتمد على السرعة، والتكيف، والتفكيك المستمر للضوابط السابقة.
هذا التفكك يجعل تمثيل «الكلية» أمرًا أكثر تعقيدًا مما كان عليه في القرن التاسع عشر أو حتى منتصف القرن العشرين. فلم تعد الطبقات الاجتماعية واضحة الحدود، ولا الصراعات محددة المعالم. بل أصبح الفرد يعيش داخل شبكة متغيرة من الانتماءات المؤقتة، والوظائف العابرة، والعلاقات الرقمية.
في هذا السياق، قد تبدو الأشكال السردية المتشظية — التي تتعدد فيها الأصوات، ويتكسر فيها الزمن، وتختلط فيها الواقعية بالتخييل — أكثر قدرة على تمثيل هذا العالم من الرواية الخطية التقليدية. وهنا يتجلى مجددًا معنى «الواقعية بلا ضفاف»: الواقعية التي لا تخشى كسر الشكل إذا كان الشكل القديم عاجزًا عن احتواء واقع جديد.
______________
رابعًا: السينما والرواية بوصفهما مختبرين للواقعية الرقمية
في السينما، قدّم فيلم The Matrix تمثيلًا رمزيًا لعالم تحكمه منظومة رقمية تُنتج واقعًا وهميًا شاملًا. ورغم طابعه الخيالي، فإن الفكرة الجوهرية فيه — أن الواقع الظاهر قد يكون بناءً مصطنعًا تديره أنظمة غير مرئية — تبدو اليوم أقل خيالية مما كانت عليه عند صدوره.
أما فيلم Her فيكشف عن شكل آخر من الاغتراب، حيث يدخل الإنسان في علاقة عاطفية مع نظام ذكاء اصطناعي يتطور باستمرار ويتجاوز قدرته على الفهم. هنا لا يكون الصراع مع سلطة قمعية مباشرة، بل مع منظومة ناعمة تعيد تعريف معنى العلاقة والحميمية.
وفي الأدب، تبرز أعمال دون ديليلو التي تُظهر كيف يتحول الإعلام والأسواق المالية إلى قوى تشكل الإدراك الجمعي وتنتج حالة دائمة من القلق والخوف. إن الضجيج المعلوماتي في رواياته ليس خلفية محايدة، بل بنية تؤطر التجربة الإنسانية ذاتها.
كل هذه الأعمال، على اختلاف أشكالها، تمارس نوعًا من الواقعية التي لا تكتفي بوصف السطح الاجتماعي، بل تسعى إلى فضح البنية الرقمية والرمزية التي تنظمه.
______________
خامسًا: نحو إعادة تعريف الواقعية في زمن الذكاء الاصطناعي
إذا أخذنا مفهوم جارودي مأخذ الجد، فإن الواقعية ليست التزامًا بأسلوب معين، بل التزام بكشف الحقيقة التاريخية في لحظتها الراهنة. والحقيقة الراهنة لم تعد تختزل في المصنع أو في الصراع الطبقي التقليدي، بل تمتد إلى خوادم البيانات، وإلى خوارزميات التوصية، وإلى اقتصاد الانتباه الذي يحول الزمن البشري إلى سلعة.
إن «الواقعية الرقمية بلا ضفاف» يمكن فهمها بوصفها قدرة الفن على جعل هذه البنية اللامرئية موضوعًا للتمثيل والتفكير. فهي واقعية تكشف كيف يُختزل الإنسان إلى ملف بيانات، وكيف تتحول قراراته إلى مخرجات حسابية، وكيف يعاد تشكيل وعيه عبر تدفقات مستمرة من الصور والمعلومات.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال: هل هذا العمل واقعي أم لا؟ بل يصبح: هل استطاع هذا العمل أن يكشف شيئًا من البنية العميقة التي تحكم عصره؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإنه ينتمي إلى الواقعية — حتى لو كسر كل القواعد الشكلية الموروثة.
______________
خاتمة: راهنية المفهوم واتساع الأفق
إن استعادة مفهوم «الواقعية بلا ضفاف» اليوم ليست تمرينًا في الوفاء لفيلسوف من القرن العشرين، بل محاولة لفهم التحول العميق في معنى الواقع ذاته. ففي زمن الرأسمالية الخوارزمية، لم يعد الواقع مجرد معطى مادي ظاهر، بل أصبح شبكة من العمليات الرقمية التي تعمل في الخلفية، وتعيد تشكيل الإدراك والسلوك.
ومن هنا فإن الفن الذي يجرؤ على اقتحام هذه المنطقة المعتمة، وعلى مساءلة السلطة الرقمية، وعلى تفكيك أوهام الشفافية التقنية، هو الفن الذي يواصل المشروع الجارودي بصيغة جديدة. إنه فن لا يخضع لضفاف جاهزة، بل يعيد رسم ضفافه كلما تغير مجرى التاريخ.
المراجع:
جارودي، روجيه. (1975). واقعية بلا ضفاف. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة.
لوكاش، جورج. (1982). دراسات في الواقعية الأوروبية. ترجمة فؤاد أيوب. بيروت: دار الفارابي.
باومان، زيغمونت. (2016). الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
هارفي، ديفيد. (2005). حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغير الثقافي. ترجمة فالح عبد الجبار. دمشق: دار المدى.
زوبوف، شوشانا. (2022). عصر رأسمالية المراقبة: الكفاح من أجل مستقبل إنساني على الحدود الجديدة للسلطة. ترجمة مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
كافكا، فرانتس. (ترجمة منير البعلبكي. بيروت: دار العلم للملايين.
ديليلو، دون.). ضجيج أبيض. (توجد ترجمات عربية صادرة عن دور نشر مختلفة).
