الصراع الديني والسياسي في الشرق الأوسط: بين المرجعيات الدينية والمصالح الاستراتيجية

شارك

محمد السميري:

مقدمة: إشكالية الصراع الديني والسياسي

يُعتبر الصراع في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل من أكثر القضايا تعقيدًا على الصعيدين الإقليمي والدولي. فهذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية أو نزاع إقليمي تقليدي، بل هي صراع متعدد الأبعاد يشتمل على بعد ديني، بعد اقتصادي، وبعد استراتيجي وسياسي. تتداخل فيه المرجعيات الدينية مع المصالح الواقعية، وتبرز التساؤلات حول الدور الذي يلعبه الدين في تحريك سياسات الدول الكبرى، وما إذا كانت السرديات الدينية مجرد غطاء لمصالح استراتيجية واقتصادية، أو تعكس إيمانًا حقيقيًا لدى القادة.

يتضح من ملاحظة الخطابات الرسمية والإعلامية الأمريكية والإسرائيلية أن الدين يُستخدم أحيانًا لتبرير سياسات التوسع، كما في تصريحات بعض القادة الذين يرون أن الكتاب المقدس أو التوراة تمنحهم الحق في السيطرة على الأراضي، بينما يستخدم الخطاب نفسه لتوصيف النظام الإيراني بأنه تهديد إرهابي، مع تجاهل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الحقيقية وراء هذه المواجهة.

المرجعيات الدينية في الخطاب السياسي

تستند العديد من السرديات الدينية المعاصرة إلى تفسير نصوص دينية لتعزيز شرعية السياسات العسكرية والاستيطانية. في الحالة الأمريكية، يظهر ذلك من خلال استدعاء القساوسة ورجال الدين في الحملات السياسية والعسكرية، كما حدث في خطاب الرئيس السابق دونالد ترامب الذي وصف بعض العمليات العسكرية بأنها « حرب من أجل عودة المسيح »، وهو خطاب يوجه الجنود والمواطنين نحو فهم الأحداث من منظور ديني محض.

في إسرائيل، يروج بعض القادة السياسيين، بمن فيهم نتنياهو، لفكرة أن الله منح اليهود الحق في السيطرة على الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، ويستندون إلى الروايات التوراتية لتبرير الاستيطان وممارسة العنف ضد الفلسطينيين. هذه السرديات الدينية، التي تتداخل فيها الرموز التاريخية والدينية، تؤكد أن الدين يمكن أن يكون أداة قوية لتوجيه الرأي العام وتعبئة الجماهير، كما تشير إليه الدراسات التي تناولت استخدام الدين كأداة للسيطرة السياسية (المراجع: 1، 2).

على الجانب الآخر، يرفض بعض المفكرين هذا التفسير الديني الصرف، معتبرين أن الدين يُستخدم كغطاء لتبرير أهداف استراتيجية، وهو ما أشار إليه مفكرون مثل برنارد لويس الذي رأى أن الخطاب الديني الأمريكي الإسرائيلي يستغل رموزًا دينية لتسهيل قبول السياسات التوسعية.

المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الواقعية

على الرغم من الطابع الديني للخطاب، فإن التحليل التاريخي والسياسي يوضح أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية هي المحرك الأساسي للصراع. فالتواجد الأمريكي في الشرق الأوسط يهدف إلى حماية مصادر الطاقة، التحكم في طرق النفط والغاز، وضمان أمن حلفائها، بينما يسعى الجانب الإسرائيلي إلى تأمين تفوقه العسكري والاستراتيجي في المنطقة، بما في ذلك السيطرة على الموارد الطبيعية والأراضي.

تظهر الأمثلة التاريخية أن الدول الكبرى غالبًا ما تبرر تدخلاتها بصياغات دينية أو أخلاقية، لكنها في الواقع تتأثر بالحسابات الاقتصادية والسياسية. فقد أظهرت دراسة حول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أن حملات « الترويج للديمقراطية » و »حماية حقوق الإنسان » كانت في كثير من الأحيان غطاءً لمصالح النفط وتحالفات استراتيجية (المراجع: 3، 4).

يمكن القول إن الخطاب الديني يخدم مصالح سياسية واقتصادية مباشرة، حيث يوفر تغطية شرعية وأخلاقية للأعمال العسكرية والتوسع الجغرافي، ويعمل على تسهيل التعبئة الجماهيرية دون إثارة تساؤلات حول المصالح الحقيقية.

آليات قبول الجمهور للسرديات الدينية والسياسية

تستند آليات قبول الجمهور لهذه السرديات إلى عدة عوامل اجتماعية وثقافية ونفسية. أول هذه العوامل هو غياب الثقافة النقدية والمنهجية التحليلية لدى الكثير من الجمهور، خاصة في العالم العربي، حيث يعتمد الأفراد بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات، دون الرجوع إلى المراجع العلمية أو التاريخية. هذه البيئة تتيح انتشار السرديات الدينية والسياسية بسرعة كبيرة، حيث تصبح المعلومة البصرية أو الصوتية أكثر تأثيرًا من التحليل الموضوعي المدعوم بالحقائق.

عامل آخر يتمثل في التراث الثقافي والديني المشترك الذي يربط الجمهور بالنصوص الدينية، مما يجعلهم أكثر تقبلاً للسرديات التي تستند إلى تلك النصوص. فالجمهور يجد في الخطاب الديني تفسيرات جاهزة للأحداث المعقدة، وتخفف عنهم عبء البحث والتحليل، ما يجعلهم يقبلون بسهولة بأحكام مسبقة أو تفسير الأحداث على أساس ديني.

بالإضافة إلى ذلك، يلعب الانتماء السياسي والاجتماعي دورًا مهمًا في تعزيز قبول هذه السرديات. فالجماعات أو الأفراد الذين يشعرون بالضعف السياسي أو الاقتصادي غالبًا ما يتبنون السرديات التي تمنحهم شعورًا بالعدالة التاريخية أو بالدفاع عن قيمهم الدينية والثقافية، حتى لو كان هذا التبني غير مدعوم بتحليل منطقي أو واقعي.

غياب الثقافة النقدية وأثر وسائل التواصل الاجتماعي

غياب الثقافة النقدية لدى الجمهور العربي، وغياب الوعي بالمناهج التحليلية العلمية، يجعل الأفراد أكثر عرضة لتصديق السرديات البسيطة والمباشرة، خصوصًا عندما تتكرر هذه السرديات عبر منصات مثل تيك توك، فيسبوك، ويوتيوب. هذه المنصات، التي تعتمد على الخوارزميات لإبراز المحتوى الأكثر مشاهدة، تعمل على تضخيم القصص المثيرة والمتطرفة، وتدفع الجمهور إلى تكرارها ومشاركتها دون تحليل أو تحقق.

في هذا السياق، تصبح السرديات الدينية والسياسية أداة مزدوجة: فهي تخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للدول الكبرى، وتستفيد من ضعف الثقافة النقدية والجمع بين الانتماء الديني والانجذاب للعاطفة في نشر وتأصيل هذه السرديات. وهكذا، يُعاد إنتاج هذه الأفكار بشكل مستمر، مع تعزيزها بأمثلة من التاريخ والدين، لتبدو وكأنها واقع طبيعي ومقبول لدى الجمهور.

الخاتمة: تحليل تكاملي للظاهرة

يمكن القول إن الصراع في الشرق الأوسط اليوم لا يمكن فهمه بالاعتماد على بعد واحد فقط، سواء كان دينيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا. بل يجب النظر إليه من منظور تكاملي يجمع بين:

  1. المرجعيات الدينية في الخطاب السياسي، والتي تُستخدم أحيانًا لتبرير العمليات العسكرية والتوسع الجغرافي، أو لإضفاء شرعية أخلاقية على القرارات الاستراتيجية.
  2. المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الواقعية، حيث تلعب المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية دور المحرك الرئيس في الصراع، وغالبًا ما تُغطي بالمفاهيم الدينية أو الأخلاقية.
  3. آليات قبول الجمهور وغياب الثقافة النقدية، حيث يستفيد الخطاب السياسي والديني من ضعف التحليل العلمي والنقدي لدى الجمهور، ومن انتشار السرديات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إن هذا التحليل يوضح أن الخطاب الديني والسياسي لا يعمل بمعزل عن الواقع المادي، وأن الدين يمكن أن يكون أداة فعالة للتعبئة والسيطرة إذا لم تتوفر لدى الجمهور أدوات نقدية وتحليلية. كما يظهر البحث أن فهم الصراع المعاصر يتطلب إدراك التداخل بين الدين، المصالح الاستراتيجية، والتأثير الاجتماعي، مما يجعل قراءة الأحداث وتحليلها أمرًا معقدًا لكنه ضروري لتفسير ما يحدث في الشرق الأوسط والعالم اليوم.

المراجع:

  • برنارد لويس، الشرق الأوسط والغرب: تاريخ وصراع الحضارات، دار المشرق، بيروت، 2001.
  • جرجس حنا، الدين والسياسة في الشرق الأوسط المعاصر، مركز دراسات الشرق الأوسط، القاهرة، 2010.
  • أحمد عبد الكريم، السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: مصالح واستراتيجيات، دار الفكر العربي، دمشق، 2015.
  • سعيد منصور، الدين والغزو: دراسة نقدية للخطاب السياسي، جامعة القاهرة، 2012.
  • ناصر عويس، الإعلام الاجتماعي والثقافة السياسية في العالم العربي، دار النهضة العربية، عمان، 2018.
  • محمد الزهراني، السرديات الدينية والسياسية في الشرق الأوسط: تحليل اجتماعي ونفسي، دار الفكر المعاصر، الرياض، 2020

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *