مات هابرماس… ولن ينقطع معه التواصل المعرفي

مات هابرماس… ولن ينقطع معه التواصل المعرفي
شارك

مصطفى المنوزي.

برحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن عمر ناهز ستةً وتسعين عامًا، يطوي الفكر المعاصر صفحة أحد أبرز المدافعين عن فكرة أن العقل لا يعيش إلا في الحوار، وأن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات انتخابية، بل هي قبل كل شيء فضاء عمومي للتداول العقلاني.

لم يكن هابرماس فيلسوفًا يكتب من برجٍ عاجي، بل كان شاهدًا نقديًا على تحولات أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى صعود الدولة الحديثة وأزماتها، وعلى التوتر الدائم بين العقل الأداتي الذي يحكم التقنية والبيروقراطية، والعقل التواصلي الذي يمنح المجتمع قدرته على إنتاج المعنى والتفاهم.

في مشروعه الفلسفي الممتد، من « التحول البنيوي للفضاء العمومي » إلى « نظرية الفعل التواصلي »، ثم إلى كتاباته في فلسفة الحق والديمقراطية التداولية، حاول هابرماس أن يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة ولكنها عميقة:

أن الشرعية السياسية لا تُستمد فقط من القوة أو من التاريخ، بل من قابلية القرارات العمومية للتبرير داخل فضاء نقاش حر وعقلاني.

لقد كان مشروعه، في جوهره، محاولة لإنقاذ الحداثة من نفسها؛ أي إنقاذها من انزلاقها نحو التقنية بلا أخلاق، والسياسة بلا نقاش، والسلطة بلا مساءلة؛ ومع أن هابرماس رحل جسديًا، فإن الفكرة التي دافع عنها لم ترحل:

ففي عالم تتكاثر فيه السرديات المتصارعة، وتتآكل فيه الثقة في المؤسسات، وتتحول فيه وسائل التواصل أحيانًا إلى فضاءات للضجيج بدل النقاش، تظل دعوته إلى التواصل العقلاني أكثر راهنية من أي وقت مضى.

إن موت هابرماس لا يعني نهاية مشروعه، لأن الأفكار الكبرى لا تموت بموت أصحابها.

بل ربما تبدأ حياتها الحقيقية بعدهم، حين تتحول إلى أدوات لفهم العالم وإعادة التفكير في شروط العدالة والديمقراطية.

لذلك يمكن القول إن هابرماس لم يترك لنا مجرد كتب، بل ترك لنا سؤالًا مفتوحًا:

كيف يمكن للمجتمعات أن تبني شرعيتها عبر الحوار، لا عبر الإكراه؛ وعبر الحجة، لا عبر السلطة؟

ذلك السؤال، في زمن الارتباك العالمي، هو ما يجعل التواصل المعرفي مع هابرماس مستمرًا… حتى بعد رحيله.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *