ازدواجية المعايير: عندما يُقدِّس الغرب دينَه ويُشيطِن دينَ الآخر.

ازدواجية المعايير: عندما يُقدِّس الغرب دينَه ويُشيطِن دينَ الآخر.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

في خضم الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط، تبرز حقيقة مزعجة غالباً ما تُطمس تحت ثقل الحسابات الجيوسياسية: الصراع لم يعد أرضياً فحسب، بل أصبح لاهوتياً أيضاً. وفي هذه الحرب على السرديات، يفضح الغرب وإسرائيل وجهاً أخلاقياً مشوهاً. فالقوى نفسها التي تستمد شرعيتها من الكتاب المقدس لتبرير التوسع والاستيطان والحرب، ترفع راية « العلمانية » المزعومة لتجرد الآخر من حقه في إدراج إيمانه ضمن نضاله السياسي.

إدارة ترامب، وحكومة نتنياهو، ووزراء اليمين المتطرف مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، يقدمون مشهداً بليغاً لـازدواجية معيارية تُمارس كنظام حكم. من جهة، تُقدَّس الإشارات إلى التوراة، و »جبل الهيكل »، و »أرض الميعاد »، وتُعرض باعتبارها « مصيراً محتوماً » أو إنجازاً للنبوءة. ومن جهة أخرى، أي إشارة قرآنية لدى الخصم تُوصم فوراً بـ »التطرف » و »الإرهاب » و »الظلامية ».

لغة الغزو: عندما تتحول التوراة إلى وثيقة سياسية.

كيف لنا أن نتجاهل تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي في فبراير 2026، الذي أكد بكل وضوح أن الوعد الإبراهيمي في سفر التكوين – « من النيل إلى الفرات » – يشرع لسيطرة إسرائيل على أراض تمتد من العراق إلى السعودية؟ « سيكون من الجيد لو أخذوها كلها »، هكذا قال، تحت أنظار إدارة لم تجد في ذلك غضاضة. تخيلوا لبرهة رد فعل وزارة الخارجية الأمريكية لو صدر تصريح مماثل من مسؤول مسلم يستند إلى القرآن.

هذه الرؤية ليست زلة لسان. إنها الأساس الأيديولوجي لشخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش، الذي يرى أن الاستيطان ليس عملاً سياسياً، بل « عملية خلاص إلهي »، ومهمة مقدسة تمهد الطريق لقدوم المسيح. بالنسبة له، الشعب الفلسطيني ليس سوى « عقبة » في طريق مشيئة الله. هذا المزج بين العمل الحكومي وعلم الأخرويات الحربية ليست سياسة؛ إنها ثيوقراطية تسير بقدمين.

تدنيس المقدسات كعمل إيماني.

أما إيتمار بن غفير، فقد توقف عن عناء التمويه. في أكتوبر 2025، وبمناسبة الذكرى الثانية للسابع من أكتوبر، داس على الوضع القائم في المسجد الأقصى، واقتحمه لأداء صلوات يهودية. « نحن أصحاب جبل الهيكل »، صرخ بها، مازجاً في جملة واحدة الحرب على غزة والعون الإلهي. بن غفير وأنصاره يتوشحون بشارة على شكل مشنقة ذهبية، هي كما وصفها صحافي إسرائيلي، « لاهوت موت » يعبد الانتقام ويحول اليهودية إلى آلة حرب.

أين العقوبات؟ أين الإدانات الموحدة لما يمكن وصفه، لو صدر من الطرف الآخر، بـ »الإرهاب الديني للدولة »؟

استراتيجية نتنياهو: حرب مقدسة بثياب صراع الحضارات.

بنيامين نتنياهو، الاستراتيجي المخضرم، أدرك تماماً فائدة هذا الخطاب المزدوج. بتقديمه الصراع مع إيران وحلفائها كمعركة وجودية لإنقاذ « الحضارة اليهودية-المسيحية »، لا يسعى فقط لكسب ود الإنجيليين الأميركيين (عشرات الملايين من ناخبي اللوبي المسيحي الصهيوني). إنه يسعى إلى نزع إنسانية الخصم. إيران، حماس، حزب الله لم يعودوا فاعلين سياسيين لهم مطالب؛ يتحولون إلى قوى الشر المطلق، « يأجوج ومأجوج » العصريين، الذين يُباح ضدهم أي عنف.

إنه الرجل نفسه الذي يبرر الحرب على غزة باسم الأمن، بينما يواصل بلا كلل حلم « إسرائيل الكبرى »، الأرض التوراتية التي تمتد أبعد بكثير من الحدود الحالية.

أخلاق انتقائية.

تقوم هذه الازدواجية على مسلمة بسيطة ولكنها ساخرة: القوة تحتكر تعريف المفاهيم.

  • بالنسبة لنا، التحالف مع الله إرث. جنودنا رواد، ووزراؤنا أصحاب رؤية، ومستوطناتنا « أحياء ».
  • بالنسبة لهم، التحالف مع الله جريمة. مقاتلوهم إرهابيون، وقادتهم متطرفون، ومقدساتهم أهداف.

هذه اللامساواة الأخلاقية غير قابلة للاستمرار. وهي تغذي التطرف الذي تدعي محاربته. كيف يطلب من المسلمين « إصلاح » خطابهم و »علمنة » سياستهم، بينما في الوقت نفسه، توظف حكومات الغرب وإسرائيل الكتاب المقدس والتوراة لتبرير التوسع والحصار والحرب؟

الدرب الضيق للعقل.

السلام في الشرق الأوسط لن يولد من توحيد قسري للمعتقدات. سيولد من مساواة في المعاملة. إذا كان الدين يجب فصله عن السياسة، فليكن ذلك للجميع. إذا كانت النبوءات يمكن أن تكون مصدر إلهام، فلا يجوز لها أبداً أن تبرر التهجير أو السلب.

ما دام الغرب وإسرائيل يقدسان خطابهما الديني ويجرمان خطاب الآخر، فلن يبنيا سلاماً. سيبقيان فقط على حرب مقدسة اسمها الأول، تحت أقنعة الجيوسياسة، هو النفاق.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *