عبد الفتاح مومن…بورتريه صحفي بقيمة طاقم، قلب القناة الثانية النابض يحول الميدان إلى مدرسة
بقلم: بوشعيب حمراوي
ليس من السهل أن تختصر مسار صحفي في كلمات، حين يكون اسمه قد ارتبط بالميدان أكثر مما ارتبط بالأستوديو، وبالحدث أكثر مما ارتبط بالتحليل البارد. هكذا يبدو عبد الفتاح مومن؛ ليس مجرد صحفي يمرّ على الشاشة، بل حالة إعلامية قائمة بذاتها، تختزل تجربة، وتؤسس لمدرسة، وتكتب سيرة مهنية عنوانها: الحضور حيث يكون المعنى.
دينامو القناة الثانية… وصوت الميدان الذي لا يخفت حين يُذكر اسم عبد الفتاح مومن، يُستحضر ذلك الصحفي الذي لا ينتظر الحدث بل يسبقه، ولا يكتفي بنقله بل يغوص في عمقه. هو « دينامو » القناة الثانية (2M)، ليس فقط لأنه حاضر باستمرار، بل لأنه يضخّ في جسد العمل الإعلامي طاقة من المهنية والالتزام، تجعل من كل تغطية قصة، ومن كل قصة رسالة.
مسار أكاديمي يوازيه نَفَس ميداني طويل حاصل على ماستر في الصحافة الاستقصائية والفيلم الوثائقي، وإجازتين في الصحافة والسمعي البصري، لم تكن هذه الشهادات سوى أدوات صقلٍ لموهبة اختارت الميدان طريقًا لها. أكثر من عشرين سنة من التجربة، لم تكن مجرد رقم، بل تراكم خبرات، وتحوّل مستمر، واحتكاك دائم مع واقع لا يهدأ.
حين يجتمع الصحفي والمصور والمونتير في شخص واحد، من أبرز ما يميز عبد الفتاح مومن قدرته الاستثنائية على الجمع بين مهام متعددة: صحفي، مصور، ومونتير. ثلاثية نادرة في زمن التخصص، لكنها لديه تتحول إلى قوة ميدانية تجعله قادرًا على إدارة التغطيات الأكثر تعقيدًا بأقل الإمكانيات، وأعلى درجات الاحتراف. إنه فريق عمل متكامل في جسد واحد.
من قلب الأحداث الكبرى… إلى نبض التفاصيل اليومية، لم يكن حضوره في الأحداث الكبرى مجرد مشاركة، بل بصمة. من كأس العالم بقطر، إلى الألعاب الأولمبية وكأس إفريقيا، ومن أروقة الأمم المتحدة في ملفات الصحراء المغربية، إلى مؤتمرات المناخ (COP)، ظل مومن شاهدًا على لحظات تاريخية، وناقلًا أمينًا لها.
وعندما اشتدت الأزمات، كان في الصفوف الأمامية: جائحة كورونا، زلزال الحوز، فيضانات القصر… هناك حيث تختبر المهنية، ويُقاس صدق الرسالة.
ابن « ابن امسيك »… حين يصعد الحلم من الأزقة إلى الشاشات، من حي « ابن امسيك » العريق بالدار البيضاء، خرج عبد الفتاح مومن بحلم أكبر من الجغرافيا، وأوسع من الإمكانيات. لم يكن يبحث عن الظهور، بل عن التأثير. فكان أن صنع لنفسه مكانة خاصة، قائمة على الثقة، والبساطة، والاقتراب من هموم الناس.
الجوكر الإعلامي… بين الرياضة والقانون والمجتمع، لم يحصر نفسه في زاوية واحدة؛ فالمشاهد يعرفه محللًا رياضيًا شغوفًا، يقرأ المباريات بعين الصحفي وقلب المشجع، كما يعرفه مقدمًا رزينًا في فقرة « كلمة القانون »، يبسّط التعقيد ويقرب النصوص من المواطن.
هذا التعدد لم يكن تشتتًا، بل مرونة مهنية جعلت منه « جوكر » القناة، القادر على الانتقال بين الملفات بسلاسة وذكاء.
من الميكروفون إلى غرفة القرار… تتويج لا صدفة
في مارس 2025، جاء تعيينه رئيسًا للتحرير بالقناة الثانية تتويجًا لمسار طويل من العطاء. انتقاله من الميدان إلى غرفة التحرير لم يكن نهاية مرحلة، بل بداية تأثير أوسع، حيث أصبحت خبرته الميدانية رافعة لتجديد الخطاب الإعلامي، وضخ روح جديدة في صناعة المحتوى.
المؤطر… حين تتحول الخبرة إلى رسالة
لم يكتفِ عبد الفتاح مومن بصناعة الخبر، بل اقتطع من زمنه ومساحاته الخاصة فسحاتٍ لتقاسم التجربة مع الأجيال الصاعدة. في لحظات قد يراها البعض « أوقات فراغ »، كان هو يحوّلها إلى ورشات غير معلنة لتكوين الصحفيين الشباب، يلقنهم فيها أبجديات المهنة، وأدبيات العمل الصحفي، وأخلاقياته التي تقي من الانزلاق في زمن السرعة والسبق. لم يكن يدرّسهم فقط كيف يُنجز الخبر، بل كيف يُصان، وكيف تُحترم الحقيقة، وكيف يُبنى الضمير المهني.
وفي مواكبةٍ لتحولات الإعلام العصري، حرص على إدماج البعد التقني، فكان يُقرّبهم من التقنيات الخوارزمية الجديدة، ومنطق المنصات الرقمية، دون أن يسمح بأن تبتلع الآلة روح الصحافة.
وإلى جانب ذلك، ظل مومن وفيًّا لرسالة العمل النقابي النبيل، مؤمنًا بأن الدفاع عن كرامة الصحفي، وعن شروط ممارسته، جزء لا يتجزأ من الدفاع عن جودة الإعلام نفسه. سخاؤه في العطاء، ووفاؤه للمبادئ، جعلاه ليس فقط صحفيًا يُقتدى به، بل أيضًا مرجعًا أخلاقيًا ومهنيًا داخل المهنة.
الإنسان قبل الصحفي… وتواضع الكبار
بعيدًا عن الأضواء، يظل عبد الفتاح مومن نموذجًا للصحفي الإنسان؛ قريب من زملائه، حاضر في تأطير الشباب، منفتح على نقل التجربة، ومؤمن بأن المعرفة مسؤولية. في الندوات والدورات التكوينية، خاصة في مجال التحول الرقمي، يظهر وجه آخر لمومن: المربي، والمؤطر، والحريص على استمرارية المهنة.
صحفي لا يمرّ… بل يترك الأثر
عبد الفتاح مومن ليس مجرد اسم في سجل الإعلام، بل هو قصة صحفي آمن بأن الكاميرا مسؤولية، وأن الميكروفون أمانة، وأن الميدان هو الاختبار الحقيقي.
هو صوت القضايا، ومرآة الواقع، وذاكرة الأحداث…
هو ببساطة: حين يصبح الصحفي جزءًا من الحدث، لا مجرد ناقل له.
روح الفريق… حين يتكامل التميز ولا ينفرد
وإن كان عبد الفتاح مومن نموذجًا لصحفي متعدد المهارات، فإن هذا البورتريه لا يكتمل دون استحضار عطاءات زملاء آخرين داخل القناة، لا يقلون حرفية وتمكنًا في مجالات التصوير والتحرير والتحقيق. فقد شكّل هذا النمط من الصحفيين المتكاملين مدرسة مهنية خاصة، برزت في تغطيات وطنية ودولية دقيقة ومعقدة، كان مومن أحد أبرز وجوهها، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في ترسيخ هذا الخيار الإعلامي القائم على الكفاءة الشاملة والعمل الجماعي المتناغم.
مدرسة التحرير الميداني… أسماء تصنع الفارق
وإن كان عبد الفتاح مومن أحد أبرز وجوه هذا الجيل، فإن التجربة لا تُختزل في اسم واحد، بل تتجلى في كوكبة من رؤساء التحرير الميدانيين الذين بصموا المشهد الإعلامي بحرفيتهم وتعدد مهاراتهم، من بينهم: نادية ليوبي، سعاد زعيتراوي، عبد الفتاح مومن، حسن لوحمادي، خالد النجدي، وحسن بنرابح. أسماء راكمت خبرة ميدانية معتبرة، وأثبتت أن الصحفي المتكامل—القادر على التصوير والتحرير والتحقيق—هو رهان المرحلة، وأن العمل الجماعي المتناغم هو سرّ التميز في التغطيات الوطنية والدولية
الصحافيون المصورون… عين الحقيقة وعدسة الميدان
وإلى جانب قيادات التحرير الميداني، يبرز دور الصحافيين المصورين الذين يحولون الحدث إلى صورة نابضة بالحياة، ويمنحون الخبر بُعده البصري المؤثر. من بينهم: سمية الدهيمي، أمين حدو، محمد ماكري، هشام بهلوان، وعثمان مواضيع. هؤلاء ليسوا مجرد ناقلي صور، بل صناع لحظة، يقتنصون التفاصيل الدقيقة في قلب الحدث، ويجسدونها بعدسة احترافية تجعل المشاهد شريكًا في المعايشة، حيث تتحول الصورة إلى شهادة، والمشهد إلى ذاكرة لا تُنسى.
