الصبر واللغو: الحرب الأمريكية–الإيرانية وإعادة كتابة قواعد العالم

شارك

محمد السميري:

نحن في عام 2026، أمام مرحلة فاصلة في تاريخ النظام الدولي، حيث لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرد أزمة إقليمية، بل هو فصل جديد في إعادة رسم خريطة القوة العالمية. الهيمنة الغربية التقليدية تنهار أمام صعود قوى متعددة الأقطاب، تتصرف وفق مصالحها وحدها، دون اكتراث للمعايير الأخلاقية أو الأعراف الدولية التي طالما استخدمت أوروبا لإرهاب العالم بالخطاب والقوانين.

أزمة الطاقة: قلب النظام الغربي يتهدم

إغلاق جزئي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز العالمية، أدى إلى صدمة لم تشهدها أسواق الطاقة منذ عقود، حيث ارتفعت الأسعار إلى 115–120 دولارًا للبرميل، مع توقعات بمزيد من التصاعد. العقوبات الأمريكية على إيران، وتجميد الأصول، وتهديد ناقلات النفط، كل ذلك ليس مجرد إجراءات سياسية، بل حرب اقتصادية متكاملة تسعى واشنطن من خلالها للسيطرة على أسواق الطاقة العالمية، وفرض إرادتها على اقتصادات الدول المستوردة للنفط والغاز. التضخم يتسارع، والنمو يتباطأ، والشعوب تتحمل الثمن.

الصبر والغو: لعبة الصين الكبرى

في المقابل، تلعب الصين لعبة مختلفة تمامًا، ملهمة من استراتيجية « الصبر والغو ». الصبر هنا يعني التخطيط لعقود، بعيدًا عن الارتجال والتوتر الأمريكي. الغو، وهو أكثر من مجرد لعبة صينية قديمة، يمثل إحاطة الخصم تدريجيًا، استنزاف نقاط ضعفه، واستخدام الوقت كسلاح فعال. الصين تستثمر كل أزمة لصالح نفوذها، سواء عبر مشاريع البنية التحتية الضخمة في آسيا وأفريقيا، أو عبر تقوية تحالفات اقتصادية مثل BRICS، التي توسعت لتشمل مصر والإمارات، منبهرة بمفهوم تعددية القطبية الاقتصادية. كما تعمل على إنشاء بدائل مالية للدولار، مثل نظام BRICS PAY ومناقشة عملة مشتركة مدعومة، مما يهدد قلب الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي.

الولايات المتحدة: القوة المباشرة بدلاً من القيادة الأخلاقية

واشنطن، التي كانت تصف نفسها وصيًا عالميًا على القواعد والقيم، تحولت إلى إمبراطورية تحمي مصالحها بالقوة وحدها. التصعيد العسكري ضد إيران، العقوبات الاقتصادية الخانقة، محاولات التدخل في فنزويلا وإيران، كل ذلك ليس تكتيكًا عابرًا، بل مؤشر على تحول أيديولوجي كامل: لم تعد الولايات المتحدة تسعى لإدارة النظام الدولي، بل لحماية « مجالها الحيوي » حتى لو أدى ذلك إلى فوضى اقتصادية عالمية.

التهديدات الأمريكية ليست نظرية، بل واقع ملموس. ترامب عرض شراء غرينلاند بمبلغ 370 مليار دولار، كما تدخلت واشنطن في فنزويلا لدعم المعارضة ضد مادورو، في محاولة لضمان سيطرتها على الموارد النفطية الحيوية، بينما تُقتل الشخصيات المعارضة للنظام الإيراني المختارة مسبقًا لضمان بقاء النفوذ الأمريكي في المنطقة.

التحالفات العربية: بين الانخراط والمواجهة

الدول العربية أمام مشهد عالمي متغير بشكل سريع. الإمارات تتحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، مستفيدة من التهديد الإيراني لتأمين مصالحها، بينما تسعى مصر من خلال عضويتها في BRICS لتعزيز استقلاليتها الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الدولار. ارتفاع أسعار النفط قد يكون مصدر ربح قصير المدى لبعض دول الخليج، لكنه لا يغيّر هشاشة اقتصاداتها أمام الصراع الدائر.

إعادة رسم النظام الدولي: نهاية الهيمنة الغربية

الهيمنة الغربية التقليدية انتهت. دول مثل الهند، البرازيل، وتركيا تتجه نحو سياسات مستقلة، ما يقلل من قدرة العقوبات الأمريكية على عزل خصومها. الاحتياطيات العالمية من الدولار وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ التسعينيات، وأسواق النفط والغاز تتقلب بفعل النزاعات المستمرة. الصين، إيران، وروسيا تنشئ تحالفات اقتصادية وعسكرية بديلة، وتعيد توزيع النفوذ والموارد بعيدًا عن إرادة واشنطن.

خاتمة: القوة وحدها تصنع القواعد

العالم الذي عرفناه بعد 1945، القائم على القواعد الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف، لم يعد موجودًا. القوة، فقط القوة، هي التي تصنع القواعد الآن. من يسيطر على الطاقة يسيطر على الاقتصاد، ومن يملك أنظمة مالية بديلة يفرض العلاقات الدولية، ومن يفهم لعبة « الصبر والغو » يكون سيد اللعبة. المشهد العربي أمام خيارين: الانخراط الفاعل في هذا النظام الجديد أو البقاء متفرجًا بينما يُعاد رسم قواعد اللعبة من دونك، على حساب مصالح شعوبه ومستقبلها الاقتصادي والسياسي.

إنها دعوة واضحة للقادة العرب: استوعبوا حقيقة التحولات العالمية، فالهيمنة الأخلاقية الغربية انتهت، ولعبة القوة وحدها هي من ستحدد مستقبل المنطقة والعالم في السنوات القادمة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *