« حرب بلا منتصرين، مبادئ مُنتهَكة » – الدروس المريرة لنزاع 2026.

« حرب بلا منتصرين، مبادئ مُنتهَكة » – الدروس المريرة لنزاع 2026.
شارك

بقلم: محمد خوخشاني.

وقف إطلاق النار الذي أُعلن ليلة 7-8 أبريل 2026 علّق، دون أن يحل، نزاعاً خاطفاً استمر خمسة أسابيع، سيبقى صفحة قاتمة في تاريخ العلاقات الدولية. فالحرب التي اندلعت في 28 فبراير بهجوم أمريكي إسرائيلي مشترك على إيران، لم تدمّر البنى التحتية وتُخلّف آلاف القتلى فحسب، بل وجهت ضربة قاسية للقانون الدولي، دون أن تمنح أيّاً من الأطراف المتحاربة نصراً واضحاً. عودة إلى نزاع ستكون تداعياته محسوسة لسنوات.

أولاً: نزاع داس على قواعد الحرب.

منذ الضربات الأولى، أدان المجتمع الدولي سلسلة من الانتهاكات لقوانين الحرب وميثاق الأمم المتحدة.

  • غياب تفويض أممي: لم تطلب الولايات المتحدة ولا إسرائيل موافقة مجلس الأمن. استندت واشنطن إلى « حق الدفاع الشرعي الوقائي » بعد تهديدات إيرانية اعتُبرت « وشيكة »، وهي حجة هشة قانونياً لم تقنع سوى أقرب حلفائها (المملكة المتحدة، أستراليا، الإمارات العربية المتحدة).
  • ضربات غير متناسبة: تسببت قصف المواقع النووية في نطنز وفوردو، القريبة من المناطق المأهولة، بمئات الضحايا المدنيين. وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استخدام ذخائر عنقودية في مناطق حضرية ثانوية، وهو ما تحظره اتفاقية 2008.
  • استهداف البنى الحيوية: الهجمات السيبرانية الإسرائيلية على شبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه في إيران حرمت ملايين المدنيين من مياه الشرب، وهي تكتيك حرب وصفته اللجنة الدولية للصليب الأحمر بـ »العقاب الجماعي ».
  • تمديد غير قانوني لساحة المعركة: ضربت إسرائيل قوافل في سوريا ولبنان دون إعلان حرب على هذين البلدين. الهدنة التي تستثني لبنان صراحةً تترك تهديداً دائماً يلوح في الأفق على السيادة اللبنانية.

إيران ليست بمنأى عن اللوم: فصواريخها الباليستية التي أطلقت على قواعد أمريكية في قطر والبحرين فتّشت عن كثب المناطق السكنية، وحلفاؤها الحوثيون استهدفوا ناقلات نفط مدنية في البحر الأحمر، منتهكين قانون البحار.

ثانياً: كلفة باهظة على جميع الأطراف المتحاربة.

إذا كان الإعلام الأمريكي قد رحب أولاً بـ »تعطيل » البرنامج النووي الإيراني، فإن الحصيلة المالية والبشرية والاستراتيجية تتناقض مع أي فكرة عن النصر. فمن جانب الولايات المتحدة وحلفائها، يُحصى 132 جندياً أمريكياً و87 جندياً إسرائيلياً و12 جندياً سعودياً (أسقطتهم طائرات مسيّرة معادية). تُقدّر الكلفة المباشرة لهذا التحالف بـ115 مليار دولار، ابتلعتها الذخائر الدقيقة، والانتشار البحري الهائل، واستبدال العديد من المسيّرات المسقطة. الخسائر المادية ثقيلة: مدمرتان تضررتا في بحر عمان، و23 مقاتلة من طراز F-35 خرجت عن الخدمة.

بالنسبة لإيران وحلفائها، فإن الفدية أكبر بكثير. أكثر من 5,000 من أعضاء القوات الإيرانية والحرس الثوري والميليشيات الموالية لإيران قتلوا. تبلغ الكلفة المباشرة 71 مليار دولار، تقابل تدمير 80% من برنامج تخصيب اليورانيوم، والعديد من قواعد الصواريخ، وثلاثة موانئ عسكرية. على الصعيد البشري، اغتيل 450 تقنياً نووياً خلال عمليات خاصة. الخسارة الأكثر رمزية تبقى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في 15 مارس، مما ألقى بالنظام في أزمة عنف على الخلافة.

باقي العالم لم يسلم. الآثار الجانبية العالمية قُدّرت بـ186 مليار دولار، تعود أساساً إلى شلّ مضيق هرمز لمدة 25 يوماً – مما أدى إلى ارتفاع سعر برميل النفط إلى 210 دولارات. انكمش اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.2%، بينما كانت كوريا الجنوبية على شفا الركود، مجبرة على البحث عن طرق بحرية بديلة. قُتل نحو 1,200 مدني في دول ثالثة (اليمن، لبنان، العراق). ستة صحفيين قضوا بضربات من جانب التحالف، من بينها غارة أمريكية على فندق في بغداد. وأخيراً، 73% من الإسرائيليين الذين شملهم استطلاع لصحيفة « تايمز أوف إسرائيل » يعتقدون أن « الحرب لم تحسن الأمن على المدى الطويل »، كما واجه دونالد ترامب مذكرات لوم رمزية في الكونغرس، حتى داخل معسكره الخاص.

ثالثاً: الدروس المستفادة لكل طرف.

بالنسبة للولايات المتحدة: حدود القوة العسكرية المجردة.

اعتقدت إدارة ترامب أن عرض قوة ساحق، مقترنًا بعمليات اغتيال موجّهة، سيجعل النظام الإيراني ينهار. لم يحدث شيء من ذلك. « قطع الرأس » لم ينجح: مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني عيّن بسرعة خلفاً، أكثر تشدداً. الدرس الأول: قصف دولة ذات هياكل سلطة لامركزية لا يجعلها تستسلم، بل يزيد من تطرف حلفائها الإقليميين. الدرس الثاني: القانون الدولي، حتى لو انتهك، له ثقله – فالدعاوى أمام محكمة العدل الدولية بتهمة « جريمة العدوان » قيد التحضير بالفعل، والعزلة الدبلوماسية الأمريكية ازدادت (استغلت الصين وروسيا الفرصة لتعزيز علاقاتهما مع السعودية).

بالنسبة لإسرائيل: النصر التكتيكي لا يعوض السلام الاستراتيجي.

حققت إسرائيل أهدافها المباشرة: تدمير البرنامج النووي الإيراني، إضعاف حزب الله، حرية العمل في لبنان. لكن هذا « النصر الباهظ » ينطوي على ثلاثة مخاطر: (1) ستسعى إيران الآن إلى امتلاك السلاح النووي سراً، أكثر عزيمة من أي وقت مضى. (2) عززت الحرب محور المقاومة الشيعية، الذي لم يعد لديه ما يخسره. (3) التطبيع مع السعودية، المشروع العزيز على نتنياهو، دفن لعقد كامل. الدرس: يمكن للمرء أن يكسب كل المعارك ويخسر الحرب الإقليمية.

بالنسبة لإيران: خطأ المزايدة دون قدرة ردع.

اعتقد النظام الإيراني أنه يستطيع إغلاق مضيق هرمز دون أن يتلقى ردة فعل مدمرة. لقد بالغ في تقدير قدرته على الردع (بالصواريخ) واستهان بعزم التحالف الأمريكي الإسرائيلي. الدرس: برنامج نووي قرب العتبة لا يحمي من تحالف متفوق تقنياً. من الآن فصاعداً، على إيران أن تتفاوض من موقع ضعف، وهو أمر لم تعرفه منذ 1979.

بالنسبة للمجتمع الدولي: الفشل الذريع للتعددية.

كانت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبلدان عدم الانحياز متفرجين عاجزين. لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى أي موقع. تم تجاهل نداءات ضبط النفس. الدرس: بدون آليات عقوبات سريعة وذات مصداقية ضد المعتدين، يبقى القانون الدولي قشرة فارغة. سابقة 2026 قد تدفع قوى إقليمية أخرى (الهند، تركيا، كوريا الشمالية) إلى تبني عمل أحادي الجانب.

رابعاً: الخاسر الأكبر: النظام العالمي القائم على القواعد.

في لعبة الرابحين والخاسرين، هناك شيء واحد مؤكد: نظام جنيف وميثاق الأمم المتحدة تلقى ضربة لن يتعافى منها. أظهرت حرب 2026 أن القوى الكبرى يمكنها شن حرب استباقية، خارج أي إطار قانوني، دون أية عواقب سوى الإدانات اللفظية. وعلى الجانب الآخر، أدركت بلدان عدم الانحياز أن حمايتها الوحيدة من الآن فصاعداً ستكون عسكرية.

خلاصة مؤقتة: في غياب تسوية دبلوماسية عميقة في إسلام آباد، فإن وقف إطلاق النار الحالي ليس سوى هدنة مسلحة. لن تُستخلص الدروس إلا إذا قبل القادة – الأمريكيون والإسرائيليون والإيرانيون – الاعتراف بنصيبهم من الفشل. لكن لا شيء يسمح بالأمل في ذلك حالياً.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *