حرب ترامب ونتنياهو على إيران.. إعادة تشكيلة الشرق الأوسط وما بعدها.
بقلم، محمد خوخشاني.
بينما كانت إدارة ترامب وحليفه نتنياهو تستعدان لشن حرب شاملة على إيران، ظناً منهما أن القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج ستشكل سنداً عسكرياً حاسماً، كانت دول المنطقة تُعد في الخفاء لتحول استراتيجي غير متوقع. لقد كشفت الحرب التي أوشكت أن تشتعل عن واقع جديد: دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، لم تعد ساحات خلفية للعمليات العسكرية بل لاعباً أساسياً يفرض شروطه.
حرب إيران: عندما ينقلب السحر على الساحر.
قبل اندلاع الحرب، راهن البيت الأبيض على أن التطبيع مع إسرائيل، تحت الضغط الأمريكي، سيكون مدخلاً لبناء « حلف إقليمي » ضد طهران. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً. فمع أولى بوادر التصعيد، أدركت الرياض أن القواعد الأمريكية على أراضيها تحولت من « مظلة حماية » إلى نقاط جذب للصواريخ الإيرانية. الهجوم على مجمع « رأس لفان » في قطر، الذي أعاد الدولة الخليجية عقوداً إلى الوراء، كان درساً قاسياً للجميع: الخسائر الاقتصادية تجاوزت 58 مليار دولار، وانهارت الثقة في نموذج « الأمن مقابل التطبيع » الذي روجت له واشنطن.
عند هذه النقطة، اتخذت السعودية قراراً مصيرياً: الابتعاد عن صراع لا طائل منه. التأكيدات الإيرانية بعدم السماح باستخدام الأراضي أو الأجواء السعودية لضرب إيران لم تكن مجرد تصريح دبلوماسي، بل كانت إعلاناً بفشل الاستراتيجية الأمريكية. لقد انهار وهم « المحور السني » الذي خدم أمريكا لعقود، وحل محله وعي جديد: دول الخليج هي الخاسر الأكبر من أي حرب، حتى لو لم تشترك فيها مباشرة.
التداعيات على العلاقات العربية: صعود « الاستقلالية الاستراتيجية ».
مع انتهاء هذه الحرب (أو تجنبها)، يبرز سؤال جوهري: كيف ستؤثر التحولات الإيرانية-الخليجية على العلاقات المغربية-العربية عامة؟
لقد أثبتت الحرب أن المصلحة الوطنية أولاً لم تعد شعاراً، بل قاعدة للسلوك. الدول العربية، من الخليج إلى المغرب، بدأت تدرك أن صراعاتها الثانوية لا يمكن أن تبقى رهينة لمشاريع القوى الكبرى. تراجع الحديث عن « محور مقاومة إيران » الذي كانت تقوده السعودية والإمارات، وحل محله لغة « الحياد الإيجابي » والتعاون الاقتصادي لتجنب التداعيات.
وهذا يعني أن العواصم العربية ستستعيد قرار الحرب والسلام، بعيداً عن الضغوط الأمريكية أو الإسرائيلية. التطبيع مع إسرائيل، الذي كان يُقدم كضرورة استراتيجية، بات مرشحاً لمراجعة شاملة، خصوصاً بعد حملات تل أبيب العسكرية في فلسطين ولبنان التي رسخت صورتها كـ « كيان لا يمكن التنبؤ به ».
العلاقات المغربية-السعودية: توترات مضبوطة لا قطيعة.
هنا يبرأ السؤال الأكثر حساسية: كيف ستنعكس هذه المتغيرات على العلاقات الثنائية بين الرباط والرياض، في ظل استئناف المغرب علاقاته مع إسرائيل من جهة، والتقارب السعودي-الإيراني من جهة أخرى؟
من الأكيد أن العلاقة بين البلدين متينة تاريخياً، وتمتد لعقود من التنسيق والتعاون، أبرزها موقف السعودية الداعم للمغرب عام 2018 عندما قطع علاقاته مع إيران بسبب دعمها للبوليساريو. لكن اليوم، كل دولة سلكت مساراً مختلفاً:
● المغرب متمسك بموقفه الثابت من إيران، معتبراً أنها لا تزال تدعم خصمه الإقليمي (جبهة البوليساريو) عبر الجزائر. كما أنه منخرط في تطبيع علني مع إسرائيل، وهو ما يراه البعض في الرياض « خروجاً عن الإجماع العربي ».
السعودية، من جهتها، قطعت شوطاً كبيراً في تقاربها مع إيران بوساطة صينية، وباتت تنتقد علناً التطبيع مع إسرائيل دون حل الدولتين.
هذه الديناميكية تخلق مفارقة حقيقية: الرباط متهمة من منظور سعودي بـ »الخروج عن الإجماع »، بينما الرياض متهمة من منظور مغربي بـ »التخلي عن الجبهة الإيرانية ». ولكن، كما يشير التحليل، لن تصل العلاقة إلى قطيعة. فالتحالف التاريخي والمصالح المشتركة (أمن الخليج، دعم القضايا العربية، الاستقرار الاقتصادي) أكبر من أن تهدرها الخلافات.
الخلاصة: شرق أوسط جديد والتحالفات متعددة الأقطاب.
ما بعد حرب ترامب ونتنياهو (أو ما بعد تجنبها) سيكون مختلفاً تماماً. المبادئ الثلاثة التي سيحكم المنطقة هي:
1. المصلحة الوطنية أولاً: قرارات الحرب والسلام تصنع في العواصم العربية، لا في واشنطن.
2. تقليص النفوذ الأجنبي: إعادة تعريف العلاقات مع القوى الخارجية على أساس المصالح، وليس على قاعدة « معنا أو ضدنا ».
3. تكييف الأيديولوجيا: العودة إلى لغة العقل والمصالح المشتركة (كالتحالف مع إيران لتجنب الحرب)، بدلاً من الصراعات المذهبية التي خدمت أجندات خارجية.
أما بالنسبة للعلاقات المغربية-السعودية، فالمتوقع أن تشهد بروداً دبلوماسياً وتعاملات حذرة، مع استمرار التعاون في الملفات الحيوية. السعودية، التي أدركت ثمن الحرب على جارتها إيران، لن تطلب من المغرب التخلي عن إسرائيل، لكنها قد تطلب منه عدم تحويل الرباط إلى منصة ضد طهران. وفي المقابل، المغرب الذي يشكو من الدعم الإيراني للبوليساريو، قد يجد نفسه مضطراً لتليين لهجته تجاه التقارب السعودي-الإيراني، حفاظاً على تحالف تاريخي لا غنى عنه.
الخلاصة النهائية: الشرق الأوسط هو شرق ينأى بنفسه عن أن يكون ساحة للصراعات البينية أو وكيلاً للقوى الكبرى. والعلاقات المغربية-السعودية، رغم توترها، ستبقى قوية، لكنها بحاجة إلى إدارة حكيمة للخلافات الجديدة، تراعي تحولات إقليمية لا يمكن تجاهلها.
