عن هيبة الكلمة …  الخطاب في زمن الارتباك التربوي

عن هيبة الكلمة …  الخطاب في زمن الارتباك التربوي
شارك

المختار عنقا الادريسي طنجة 12. 5. 2026

السيد الوزير المحترم

أتحدث اليكم بصفتي فاعلا تربويا، تنقلت بين كل محطات المسار التعليمي ببلادنا، من معلم بالقسم الى أستاذ لمادة الاجتماعيات. فمرشدا تربويا ملحقا بمركز تكوين الاساتذة، ثم مفتشا للتعليم. وانتهى بي المطاف الى المسؤولية الادارية  » نائبا لوزارة التربية الوطنية «. كما كان لي شرف رئاسة جمعية مفتشي التعليم، والانخراط في عدد من أوراش التفكير والفعل التربويين، أبرزها عضويتي ضمن الفريق الوطني الذي أعد وثيقة الاختيارات والتوجهات الكبرى. ناهيك عن المساهمة في التكوين واعداد الوثائق المتعلقة بإدماج التربية على حقوق الانسان ضمن مناهجنا التعليمية. وانطلاقا مما راكمته خلال معايشتي الدقيقة لتفاصيل المدرسة المغربية، ومن الترافع داخل الفضاءات المؤسساتية والمدنية، أجدني اليوم ملزما بتوجيه هذه الرسالة المفتوحة لكم، بعد أن كنت قد وجهت لكم رسائل سابقة:

   * حول مشروعكم التربوي الشامل، وأولويتكم الفعلية في اصلاح منظومة التعليم 

     *  اعتمادكم على مصطلحات غريبة عن اللغة العربية

     *  تصريحكم الذي تدعون فيه الاباء قائلا: [هزوا أولادكم من المدارس العادية نحو مدارس الريادة ولو كانت بعيدة عن سكناكم].

السيد الوزير المحترم

  تحية تقدير واحترام،

 لقد سبق لي في رسالة موجهة اليكم، أن عبرت عن قناعة راسخة مفادها أن المغاربة لم يعدوا ينتظرون من المدرسة لغة الأرقام وحدها، فهي ليست مجرد مؤشرات احصائية أو تقارير تقنية، بل هي قبل كل شيء فضاء انساني حي، تتقاطع داخله أحلام التلاميذ (ات)، وتضحيات الأساتذة، وأعباء الاداريين اللامتناهية، وجهود المفتشين المضنية، وانتظارات الأسر الباحثة عن أفق أفضل لأبنائها وبناتها. ومن  هذا المنطلق ، أجدني اليوم قد تابعت – مثل كثير من المهتمين بالشأن التربوي- احدى  مداخلاتكم الاعلامية الأخيرة التي قلتم فيه باللهجة العامية :  【 عندنا واحد الطريقة ديال النمذجة باش التلميذ يفهم كيفاش كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير …】وهو تصريح ينضاف الى ما سبق أن جادت به قريحتكم، عندما تلفظتم بكلمة 【 النجوح 】 ، في احدى حواراتكم السابقة  وذاك جميعه توليد أو نحت لغوي  أثار الكثير من الاستغراب  والتساؤل ، لدى فئات واسعة من المتتبعين والفاعلين التربويين ، ليس فقط بسبب نسجه اللغوي المرتبك ولكن أيضا بسبب دلالته الرمزية في سياق يرتبط بمكانة الخطاب التربوي عندكم ، وأنتم الوصي على هيبة المؤسسة التعليمية .

السيد الوزير المحترم

  ان تدبير الشأن التربوي في زمن التحولات المتسارعة ليس بالأمر الهين. كما أن التواصل الارتجالي قد يُوقِع أي مسؤول عمومي في تعبيرات لا تعكس دائما بدقة ما يقصده. غير أن حساسية قطاع التعليم تجعل للكلمة وزنا خاصا، لأن المجتمع ينظر الى الخطاب التربوي باعتباره امتدادا طبيعيا لهيبة المدرسة ولمكانة المعرفة داخل الدولة. ولعل ما يحتاجه المغاربة اليوم ، أكثر من أي وقت مضى – السيد الوزير – هو الخطاب الواضح المتزن والقادر على تقريب الرؤية الاصلاحية الى الرأي العام  بلغة بسيطة وعميقة في ذات الوقت ، لغة تعزز الثقة بدل أن تفتح باب الالتباس … سوء الفهم … فالمدرسة المغربية اليوم أعياها أن تعيش أزمة معنى قبل أن تعيش أزمة منهاج ، وأن أي اصلاح لها لا يمر عبر البرامج والمناهج والهندسات البيداغوجية ، بل يمر عبر بوابة اعادة الثقة لقيمة المعنى داخل أي خطاب تربوي ، لأن اللغة ليست مجرد أداة  للتواصل ، وانما هي تعبير عن وضوح الرؤية ودقة التصور ، واحترام ذكاء المتلقي بِغَض النظر عن موقع تواجده .

 وأن أي اصلاح، يبقى في أمس الحاجة الى لغة تبني الثقة وتسهر عليها لا الى لغة تزيد من حدة الغموض والربك، والى رؤية تفتح الأفق، وليس الى تعبيرات تجعل المتلقي يتساءل عمّا اذا كان المقصود بالتعليم هو الفهم أم مجرد تكرار كلمات لا تستقيم دلالتها.

السيد الوزير المحترم

  ان المسؤول عن قطاع التربية والتعليم لا يمثل نفسه فقط، بل هو صورة للمدرسة المغربية في المخيال الوطني الجماعي. لذلك فان الكلمة الصادرة عنه ليست تفصيلا عابرا، لأنها تتحول الى رسالة رمزية حول مستوى التصور وطبيعة الرؤية، ومكانة الفكر داخل المشروع التربوي الوطني. ولعلمكم السيد الوزير نقول: لقد تعب رجال ونساء التعليم من كثرة الشعارات، ومن لغة تقنية معقدة – في الكثير من الأحيان – حتى صار الكثيرون يشعرون بأن المدرسة تُدار بمفاهيم مستوردة ومصطلحات ملتبسة أكثر مما تنهل من أحواض فلسفة تربوية واضحة، نابعة من واقع المجتمع المغربي وحاجاته الحقيقية في إطار الاستعداد لمرحلة 2030.

السيد الوزير المحترم

 ان هذه الرسالة لا تروم النقد من أجل النقد، ولا تتوخى التقليل من حجم المجهودات المبذولة داخل القطاع. وانما تنطلق من غيرة صادقة على المدرسة المغربية، ومن ايمان عميق بأن التعليم كان ولا زال وسيبقى قضية وطنية كبرى تتطلب وضوح الرؤية ورصانة الخطاب وعمق الاصلاح.

 وفي الأخير، أرجو أن تُقْرَأ هذه الرسالة باعتبارها صرخة غيرة على المدرسة المغربية، لا موقفا شخصيا من أي أحد، لأن الشأن التعليمي أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعمق من كل الحسابات الظرفية.

وتقبلوا السيد الوزير فائق عبارات الاحترام والتقدير، مع متمنياتي بأن تستعيد مدرستنا مكانتها كفضاء للمعرفة والأمل.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *