جهاز كشف الهواتف في الباكالوريا المغربية: حين تعالج الدولة الأعراض وتترك المرض
محمد السميري:
إقدام وزارة التربية الوطنية المغربية على استيراد واعتماد نحو 2000 جهاز إلكتروني لرصد الهواتف المحمولة داخل مراكز امتحانات الباكالوريا يبدو للوهلة الأولى خطوة تقنية متقدمة لمحاربة الغش وحماية مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين. وقد بررت الوزارة هذا الإجراء بتنامي استعمال الهواتف الذكية ووسائل الاتصال الحديثة في عمليات الغش، خاصة مع تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الفوري.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بفعالية هذه الأجهزة، بل بما تكشفه من دلالات أعمق حول طبيعة السياسات التعليمية في المغرب. فحين تصبح الدولة مضطرة إلى نشر آلاف الأجهزة الإلكترونية لمراقبة التلاميذ، فإن المشكلة لم تعد مشكلة غش فقط، بل مشكلة ثقة في المدرسة وفي معنى التعلم نفسه.
إن الغش ليس سببا للأزمة التعليمية بقدر ما هو نتيجة لها. فالطالب لا يغش لأنه شرير بطبيعته، بل لأنه يتعلم داخل منظومة رسخت لديه أن القيمة الحقيقية ليست للمعرفة بل للنقطة، وأن النجاح يقاس بالورقة النهائية لا بالكفايات التي اكتسبها خلال سنوات الدراسة. عندما يتحول الامتحان إلى مصير اجتماعي، وعندما تصبح الباكالوريا بوابة وحيدة نحو الاعتراف والارتقاء الاجتماعي، يصبح الغش بالنسبة إلى بعض التلاميذ وسيلة دفاع عن النفس داخل نظام شديد التنافسية.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى جهاز كشف الهواتف باعتباره رمزا لنمط من التدبير العمومي يركز على مراقبة النتائج أكثر مما يهتم بأسبابها. فبدل أن تسأل الدولة لماذا أصبح الغش ظاهرة متكررة، يتم التركيز على كيفية اكتشاف الغشاشين. وبدل أن تبحث عن أسباب فقدان الثقة في المدرسة، يتم الاستثمار في أدوات الضبط والمراقبة.
المفارقة أن المؤشرات الدولية والوطنية تكشف أن أزمة التعليم في المغرب أعمق بكثير من مجرد تسريب امتحان أو استعمال هاتف محمول. فنتائج برنامج تقييم التلاميذ الدولي PISA أظهرت استمرار ضعف الأداء التعليمي المغربي مقارنة بالمعايير الدولية، كما كشفت عن اختلالات بنيوية تتعلق بالتعلمات الأساسية والإنصاف المدرسي.
وتشير معطيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن 46% من التلاميذ المغاربة البالغين 15 سنة أعادوا سنة دراسية واحدة على الأقل، بينما لا يتجاوز متوسط هذه النسبة في دول المنظمة 9%. كما أن نسبة كبيرة من التلاميذ تعاني من صعوبات مدرسية مبكرة تؤثر في مسارها التعليمي بأكمله.
هذه الأرقام تطرح سؤالا بسيطا: هل يحتاج التعليم المغربي فعلا إلى مزيد من أجهزة المراقبة أم إلى مراجعة شاملة لفلسفته التربوية؟
لقد أصبح من المعتاد في المغرب أن يتم التعامل مع المشكلات التعليمية بمنطق أمني أو تقني. فإذا انتشر الغش يتم تشديد المراقبة، وإذا ارتفعت نسب الهدر المدرسي يتم إطلاق برامج استعجالية جديدة، وإذا تراجعت النتائج يتم تغيير المناهج أو الكتب المدرسية. غير أن القاسم المشترك بين هذه المقاربات كلها هو أنها غالبا ما تعالج المظاهر دون الاقتراب من الجذور.
فالجذر الحقيقي للأزمة يكمن في العلاقة المختلة بين المدرسة والمجتمع. فالتلميذ المغربي يعيش تناقضا يوميا: يقال له إن الاجتهاد هو طريق النجاح، لكنه يرى في الواقع أن الشهادة وحدها لا تضمن الشغل، وأن حاملي الشهادات أنفسهم يواجهون البطالة والهشاشة. وفي مثل هذا السياق يصبح الامتحان مجرد عقبة يجب تجاوزها بأي وسيلة، لا تجربة تعلم حقيقية.
كما أن التركيز المفرط على الامتحانات النهائية يعكس استمرارا لنموذج تربوي قديم يقوم على الحفظ والاستظهار أكثر مما يقوم على التفكير النقدي والإبداع. والواقع أن الغش يزدهر عادة في الأنظمة التعليمية التي تجعل من إعادة إنتاج المعلومات أهم من إنتاج المعرفة. فكلما كانت الأسئلة قابلة للحفظ، أصبح الغش أكثر إغراءً وأسهل ممارسة.
ولذلك فإن جهاز كشف الهواتف يحمل دلالة رمزية تتجاوز وظيفته التقنية. إنه يكشف انتقال المدرسة من فضاء للتكوين إلى فضاء للمراقبة. فبدل أن تبني المؤسسة التعليمية مواطنا مقتنعا بقيمة النزاهة، تجد نفسها مضطرة إلى ملاحقته إلكترونيا. وبدل أن يكون الضمير الأخلاقي هو الحارس الأول للامتحان، تصبح التكنولوجيا هي الحارس الفعلي.
هذا لا يعني رفض محاربة الغش، فحماية مصداقية الشهادات ضرورة لا جدال فيها. لكن محاربة الغش لا يمكن أن تختزل في أجهزة الكشف والعقوبات الزجرية. لأن الغش، مثل الفساد في السياسة أو الاقتصاد، لا يختفي بالمراقبة وحدها، بل بتغيير البيئة التي تسمح له بالانتشار.
إن المدرسة التي تجعل التلميذ يحب المعرفة أقل حاجة إلى أجهزة المراقبة. والمدرسة التي تمنح معنى للتعلم أقل عرضة للغش. أما المدرسة التي يتحول فيها النجاح إلى سباق أرقام وشهادات فإنها ستظل تطارد الغشاشين كل سنة بأدوات أكثر تطورا دون أن تتمكن من القضاء على الظاهرة.
لذلك يمكن القول إن جهاز كشف الهواتف في الباكالوريا ليس مجرد أداة تقنية، بل مرآة تعكس مأزقا أعمق. إنه يذكرنا بأن الدولة نجحت في تطوير وسائل اكتشاف الغش، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء منظومة تجعل الغش غير ضروري من الأساس. وبين معالجة العرض ومعالجة المرض تبقى أزمة التعليم المغربي قائمة: أزمة مدرسة تبحث عن الانضباط أكثر مما تبحث عن المعنى، وعن المراقبة أكثر مما تبحث عن الثقة، وعن النجاح الإحصائي أكثر مما تبحث عن بناء الإنسان.
المراجع:
• وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة المغربية
• منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD – نتائج PISA الخاصة بالمغرب
• المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي
• معطيات اعتماد 2000 جهاز لرصد الهواتف في امتحانات الباكالوريا 2026.
• معطيات PISA 2022 الخاصة بالمغرب.
