القراءة السياسية الرصينة تتجاوز التعبيرات الانتخابية وتربط التصويت بأبعاد قيمية أو برمزيات تاريخية معينة..
يوسف غريب:
من المفيد في القراءة السياسية الرصينة أن نتجاوز التعبيرات الانتخابية المألوفة التي تطبع الخطاب الحزبي عادة سواء تلك المتعلقة بربط التصويت بأبعاد قيمية أو بالاستناد إلى رمزيات تاريخية معينة.
فهذه الأدوات تظل جزءاً من أدبيات التواصل التي تهدف إلى تنشيط القواعد الحزبية وإثارة الحماس السياسي.
غير أن الانتقال بالنقاش إلى ثنائية « الدائن والمدين » بين الفاعل السياسي والمواطن يطرح علامات استفهام عميقة حول طبيعة التعاقد الدستوري ومفهوم الخدمة العمومية.
وقد تجلى هذا المنطق بوضوح في الخرجة الإعلامية الأخيرة للأمين العام لحزب العدالة والتنمية الاستاذ عبد الإله بنكيران والتي جاءت في سياق رد ّ فعله على الانتقادات الموجهة إليه بخصوص المعاش الاستثنائي ومطالبة فئات من الرأي العام له بالتنازل عنه بدعوى عدم استحقاقه.
بيد أن السياق الدفاعي للرجل دفعه نحو صياغة تعبيرية أثارت الكثير من السجال حين قال بعبارة صريحة: (سمعوا مزيان المغاربة.. راه أنا اللي كنتسال ليكم.. حيث أنقذت بلادكم من الإفلاس)
وإذا ما قاربنا هذه الجملة من زاوية التحليل اللغوي والسياسي نجد أن تركيبتها السلوكية تحمل دلالات لافتة.. فاستخدام عبارة « أنا اللي كنتسال ليكم » يعيد صياغة العلاقة بين رئيس الحكومة السابق والمواطنين لتصبح علاقة ذات طبيعة مالية أو تجارية يظهر فيها الفاعل السياسي في موقف صاحب الحق المستحق بذمة الآخرين. والأكثر إثارة للانتباه هو الحضور المكثف لضمائر الفصل في قوله (أنقذت بلادكم) حيث نُسب فعل الإنقاذ كاملاً إلى الذات المفردة مع استخدام كاف الخطاب (بلادكم) عوضاً عن ضمير الجمع المشترك (بلادنا)
هذه الصياغة تعطي انطباعاً ولو غير مقصود بأن المتحدث يضع نفسه خارج النسيج الوطني المشترك ويتصرف كطرف تعاقدي خارجي (أشبه بخبير مستقل) قدم خدمة إنقاذية لبلدنا بناءً على عقد محدد وينتظر الآن تسوية مستحقاته المادية والمعنوية.
ولم يقف سياق الدفاع عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى إقحام فج لأسماء وقامات تاريخية وازنة من طينة الراحلين عبد الله إبراهيم وعبد الرحمان اليوسفي حيث تمت الإشارة إليهما في معرض تبرير الاستفادة من المعاش بصيغة (حتى هما) في إشارة إلى استفادتهما السابقة من معاشات الدولة، وهو إقحام يفتقد للموضوعية نظراً لاختلاف السياقات التاريخية والسياسية فضلاً عن طبيعة المسارات الشخصية النضالية لهذين الرمزين.
إن هذا التوجه في الخطاب يمس جوهر التعاقد الذي بنيت عليه الوثيقة الدستورية والذي يربط صناديق الاقتراع بالمسؤولية الوطنية والبرامج بالمحاسبة لا بمنطق الصفقات التبادلية…
فالمواطنون الذين صوتوا لصالح البرنامج الحكومي لم يفعلوا ذلك لتوظيف مؤسسة إنقاذ بل بناءً على التزام أخلاقي مشترك… كما أن القرارات الاقتصادية الصعبة والحرجة التي وسمت تلك الولاية الحكومية ــ من تحرير أسعار المحروقات إلى تعديل أنظمة التقاعد ــ تجرع كُلفتها المباشرة عموم الموظفين والمواطنين الذين قدّموا التضحية الحقيقية حباً في استقرار الوطن وضمان توازناته المالية.
لذلك نعتبر هذه الخرجات لا تسيء فقط للشخص نفسه بل تسيء لمفهوم المؤسسات في المغرب، فالإصرار على اختزال إنقاذ دولة بحجم المغرب وتاريخها في شخص واحد أو قرار حزبي منفرد فيه تبخيس لذكاء مجتمع بأكمله ولأدوار مؤسسات الدولة السيادية التي أدارت الأزمات بحكمة وتبصر عقلانيّ.
وهنا تبرز المفارقة التاريخية الفاصلة باستحضار تجربة الراحل عبد الرحمن اليوسفي قائد حكومة التناوب التوافقي الذي جاء في ظرفية تاريخية بالغة الحرج حين كان المغرب مهددًا بـ (السكتة القلبية) اقتصاديًا واجتماعيًا باعتراف الملك الراحل الحسن الثاني.
لقد قاد الفقيد المجاهد عبد الرحمان اليوسفي سفينة البلاد وسط أمواج عاتية وانتقل بالمغرب من ضفة إلى ضفة في انتقال سلس للمُلك دون أن يتبجح يوماً بأنه أنقذ البلاد أو يطالب المغاربة بفاتورة مقابل وطنيته مفضلاً التواري والصمت الحكيم لمصلحة استمرارية الدولة ومؤصلاً لمبدأ أن خدمة الوطن شرف ذاتي لا يقبل الصرف في حسابات الردود السياسية الضيقة بل واجب وطني لا تُقدم عنه فواتير للمواطنين.
لقد علّمنا تاريخ هذا الوطن أنّ الوجوه السياسية والزعامات مهما علا شأنها ومهما اعتقدت في ذاتها القدرة على الصنع والإنقاذ تظل في نهاية المطاف مجرد عابري سبيل في زمن مملكة ثابت وممتدّ لقرون وقرون..
سنرحل كما رحل غيرنا وسيبقى الوطن شامخاً حراً مستغنياً عن نرجسية الأفراد ومحفوظاً بترفع الكبار الذين يخدمونه ويمضون في صمت.
لذلك قالوا:
» كل ما هو حقيقي وصادق يكون دائماً صامتاً »
