ازمة الخطاب الديني في العصر الحديث.. قراءة نقدية مقاصدية.
الصادق العثماني:
لم يعد الخطاب الديني في عصرنا مجرد وسيلة لنقل الأحكام أو تفسير النصوص، بل أصبح فاعلاً مركزياً في تشكيل وعي المجتمعات وتوجيه سلوك الأفراد وبناء التصورات عن الذات والآخر. ومع اتساع وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تضاعف حضور هذا الخطاب، لكنه في كثير من الأحيان لم يواكب حجم التغيرات الفكرية والاجتماعية والإنسانية التي يعيشها الإنسان المعاصر، مما أفرز فجوة واضحة بين روح الدين كما جاءت في مقاصده الكبرى، وبين الطريقة التي يُقدَّم بها هذا الدين في بعض صور الخطاب المعاصر.
إن الإشكال الجوهري لا يكمن في الدين ذاته، فهو في جوهره ثابت من حيث القيم العليا والمبادئ الكلية، وإنما يكمن في طرائق الفهم والتقديم والتأويل، أي في « الخطاب » الذي يتوسط بين النص والواقع. فحين يغيب الوعي المقاصدي، ويتراجع إدراك السياقات التاريخية والاجتماعية للنصوص، يتحول الخطاب الديني إلى خطاب جزئي، ينتقي من النصوص ما يخدم رؤيته المسبقة، دون أن يحيط بروح الشريعة ومقاصدها الكلية.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مقاصد عظيمة تتجلى في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، وإقامة العدل ورفع الحرج وجلب المصالح ودرء المفاسد. وهذه المقاصد ليست مجرد نظريات في كتب الأصول، بل هي روح حية ينبغي أن تتجلى في كل خطاب ديني.
غير أن كثيراً من الخطابات المعاصرة تعاملت مع النصوص بمعزل عن هذه المقاصد، فنتج خطاب يغلب عليه الطابع الوعظي أو الحرفي أو الجدلي، دون أن يتحول إلى رؤية حضارية شاملة تعالج واقع الإنسان في تعقيده وتنوعه.
ومن أبرز مظاهر الأزمة في الخطاب الديني المعاصر أنه كثيراً ما يركز على الجزئيات على حساب الكليات، وعلى الفروع على حساب الأصول، وعلى الظواهر على حساب المقاصد. فتتحول بعض القضايا الثانوية إلى معارك فكرية كبرى، بينما تغيب القضايا الكبرى المتعلقة بالعدل والحرية والكرامة الإنسانية والإصلاح الاجتماعي. وهذا الاختلال في الأولويات يجعل الخطاب يبدو أحياناً منفصلاً عن هموم الناس اليومية، وعن الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الواقع.
كما أن من مظاهر الإشكال أيضاً الميل إلى التبسيط المخلّ في معالجة القضايا المعقدة، حيث يتم اختزال الواقع في ثنائيات حادة: حلال وحرام، سنة وبدعة، إيمان وكفر، دون مراعاة لتدرج الأحكام، أو اختلاف السياقات، أو تنوع الاجتهادات الفقهية التي راكمها التراث الإسلامي عبر قرون طويلة من النظر والتأمل. وهذا التبسيط، وإن كان قد يبدو مريحاً من حيث الفهم السريع، إلا أنه يضر بعمق الرسالة الدينية التي تقوم على الحكمة والتدرج والبصيرة.
ومن جهة أخرى، يعاني الخطاب الديني المعاصر في بعض صوره من غياب البعد الإنساني الرحب الذي يميز الرسالة الإسلامية. فالإسلام، في جوهره، جاء رحمة للعالمين، لا لفئة دون أخرى، ولا لجيل دون آخر. غير أن بعض أنماط الخطاب قد تُقدِّم الدين في صورة صارمة منغلقة، تركز على التهديد والوعيد أكثر مما تركز على الرحمة والبشارة، وعلى الإقصاء أكثر مما تركز على الاحتواء. وهذا الخلل في التوازن ينعكس سلباً على صورة الدين في أذهان الناس، خصوصاً لدى الأجيال الشابة التي تبحث عن معنى الرحمة والعدالة والحرية في الخطاب الديني.
كما أن ضعف الوعي بالسياق التاريخي للنصوص أدى في بعض الأحيان إلى نقل الأحكام من بيئاتها الأصلية إلى واقع مختلف تماماً دون مراعاة الفوارق الزمنية والاجتماعية والثقافية. وهذا ما جعل بعض الخطابات تبدو وكأنها خارج الزمن، غير قادرة على التفاعل مع أسئلة الحداثة، أو استيعاب تعقيدات العالم المعاصر. بينما المقاصد الشرعية في جوهرها قابلة للتجدد في الفهم والتنزيل، لأنها ترتبط بالغايات الكبرى لا بالأشكال الجزئية.
وفي هذا السياق تبرز مسألة في غاية الأهمية، وهي ضرورة مراعاة الزمان والمكان في الخطاب الديني والفتوى والتوجيه، باعتبارها من أهم القواعد المقاصدية التي قررها العلماء، وإن لم تُفعَّل دائماً بالقدر الكافي في الواقع المعاصر. فالنصوص الشرعية ثابتة في ألفاظها، لكنها في تنزيلها وفهمها تتأثر بالسياقات التي تُطبق فيها، وبطبيعة المجتمعات وأعرافها وأحوالها ومستويات وعيها.
ومن هنا فإن الخطاب الديني الذي يُوجَّه في بيئة اجتماعية وثقافية معينة لا يمكن أن يُنقل بحذافيره إلى بيئة أخرى مختلفة تماماً في بنيتها الفكرية والقانونية والاجتماعية. فالخطاب الديني في أوروبا، حيث يعيش المسلمون كأقليات داخل مجتمعات علمانية متعددة الأديان والثقافات، يختلف من حيث الأولويات واللغة والأسلوب وآليات التقديم، عن الخطاب الديني في الدول الإسلامية أو العربية التي يغلب عليها الطابع الإسلامي في الهوية العامة والتشريع والثقافة.
ففي بيئات الأقليات، يبرز التركيز على فقه التعايش، وفقه المواطنة، وفقه الاندماج الإيجابي، وحفظ الهوية الدينية ضمن إطار قانوني واجتماعي مختلف، بينما في البيئات ذات الأغلبية المسلمة تتقدم قضايا تنظيم الحياة العامة وفق المرجعية الإسلامية، وإصلاح المجتمع من الداخل، وبناء الوعي الديني الجماعي. هذا الاختلاف لا يعني اختلاف الدين أو ثوابته، بل اختلاف في التنزيل والاجتهاد وفق المقاصد العامة للشريعة التي تراعي الواقع وتستجيب لتغيراته دون أن تفقد روحها أو أصولها.
ولا يمكن إغفال أثر بعض الخطابات الوعظية التقليدية التي تركز على التخويف أكثر من البناء، وعلى التحذير أكثر من التكوين، مما ينتج تديناً قائماً على القلق والخوف بدل أن يكون تديناً قائماً على الطمأنينة والوعي والمسؤولية. إن المقصود من الخطاب الديني ليس إثارة الشعور بالذنب فقط، بل بناء الإنسان بناءً متكاملاً يجمع بين الإيمان والعقل والأخلاق والعمل.
وفي المقابل، فإن إعادة بناء الخطاب الديني المعاصر على أسس مقاصدية لا تعني التخلي عن النص أو تجاوزه، بل تعني قراءته قراءة أعمق وأشمل، تستحضر سياقه، وتجمع بين جزئياته وكلياته، وتربطه بغاياته الكبرى. فالنص في الإسلام ليس معزولاً عن المقصد، بل المقصد هو الذي يمنح النص حيويته وقدرته على الاستمرار والتجدد.
كما أن من أبرز ما يحتاجه الخطاب الديني اليوم هو إعادة الاعتبار لفقه المقاصد، بوصفه إطاراً جامعاً يوازن بين النص والواقع، وبين الثابت والمتغير، وبين الحرفية والروح. فالمقاصد ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة منهجية لفهم الدين فهماً صحيحاً، يضمن عدم الانحراف نحو الجمود من جهة، أو نحو التفلت من جهة أخرى.
كما يحتاج الخطاب الديني إلى الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية، ليس من باب الذوبان فيها، بل من باب الفهم العميق للواقع الذي يخاطبه. فالإشكال ليس في الدين، وإنما في الفجوة بين أدوات الفهم التقليدية وتعقيدات الواقع الحديث. وكل خطاب لا يفهم واقعه جيداً، لن يكون قادراً على التأثير فيه بشكل صحيح.
وفي الختام، يمكن القول إن أزمة الخطاب الديني المعاصر ليست أزمة دين، بل أزمة فهم وتقديم وتواصل. والدين في جوهره يظل منبعاً للهداية والنور، لكن هذا النور يحتاج إلى من يحسن حمله وتقديمه للناس بطريقة تراعي عقولهم وواقعهم وأسئلتهم. وبين النص والمقصد، وبين الثابت والمتغير، وبين العلم والحكمة، يتحدد مستقبل الخطاب الديني وقدرته على البقاء فاعلاً ومؤثراً في حياة الإنسان المعاصر.
