من يصنع أولوياتنا؟الرياضة والإعلام والسياسة في تشكيل الوعي العام

من يصنع أولوياتنا؟الرياضة والإعلام والسياسة في تشكيل الوعي العام
شارك

محمد السميري:

في كل مرة يحقق فيها المنتخب الوطني إنجازاً رياضياً، يتكرر المشهد نفسه في المدن المغربية. تمتلئ الشوارع بالمحتفلين، وترتفع الأعلام، وتتعالى الهتافات، ويشعر الناس، ولو لساعات قليلة، بأنهم يشتركون في فرحة جماعية تتجاوز اختلافاتهم الاجتماعية والسياسية. غير أن هذه اللحظة لا تلبث أن تنتهي حتى يعود الجميع إلى واقعهم المعتاد؛ يعود الموظف إلى حساب ما تبقى من راتبه قبل نهاية الشهر، ويعود الأب إلى التفكير في مصاريف الدراسة، ويعود المريض إلى طوابير المستشفيات، ويستأنف العاطل رحلة البحث عن فرصة عمل. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يستطيع المجتمع أن يعيش هذا الانتقال السريع بين نشوة الانتصار الرياضي وثقل المشكلات اليومية، دون أن يشعر بأي تناقض؟

قد تبدو الإجابة الأولى بسيطة، فيقال إن الناس يحتاجون إلى الفرح، أو إنهم ينسون همومهم لبعض الوقت، أو إن كرة القدم أصبحت شغفاً شعبياً لا يقاوم. وكل هذه الإجابات تحمل جانباً من الحقيقة، لكنها لا تفسر الظاهرة تفسيراً كاملاً. فالإنسان الذي يحتفل في الشارع ليس شخصاً جاهلاً بواقعه، بل هو نفسه الذي يعاني من ارتفاع الأسعار، ويشتكي من ضعف الخدمات العمومية، ويقلق على مستقبل أبنائه. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يفرح الناس، وإنما كيف تتشكل أولويات اهتمامهم، ولماذا تحتل بعض القضايا مركز الوعي الجماعي، بينما تتراجع قضايا أخرى، رغم أنها أكثر ارتباطاً بحياتهم اليومية.

هذا السؤال لم يطرحه المغاربة وحدهم، بل شغل علماء الاجتماع وفلاسفة السياسة منذ عقود طويلة. فقد لاحظ هؤلاء أن السلطة في المجتمعات الحديثة لا تمارس نفوذها بواسطة القوانين أو أجهزة الدولة وحدها، وإنما تمارسه أيضاً عبر التأثير في المجال الذي ينشغل به الرأي العام. فالقضية ليست فقط فيما يفكر فيه الناس، وإنما في الموضوعات التي يجدون أنفسهم يفكرون فيها باستمرار، لأن الإنسان لا يستطيع أن يمنح القدر نفسه من الاهتمام لجميع القضايا في الوقت ذاته. فالانتباه مورد محدود، ومن ينجح في الاستحواذ عليه ينجح، بدرجة كبيرة، في توجيه النقاش العام وترتيب أولوياته.

ولذلك لم يعد الباحثون يدرسون الإعلام باعتباره مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل باعتباره أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي الاجتماعي. فما يتكرر أمام الجمهور كل يوم يكتسب تدريجياً صفة الأهمية، بينما تتراجع الموضوعات التي لا تحظى بالحضور الإعلامي نفسه، حتى وإن كانت أكثر تأثيراً في حياة المواطنين. وهكذا يصبح من الطبيعي أن يعرف ملايين الناس تفاصيل انتقال لاعب كرة قدم أو نتائج بطولة رياضية، في حين لا يعرف كثير منهم شيئاً عن مشروع قانون المالية، أو عن كيفية توزيع الميزانية العامة، أو عن السياسات التي تحدد مستقبل التعليم والصحة والتشغيل.

ولا يعني ذلك أن المواطنين غير مهتمين بهذه القضايا، وإنما يعني أن المجال العام نفسه لا يمنحها القدر ذاته من الحضور والانفعال الذي تمنحه للأحداث الرياضية أو للوقائع المثيرة. فالإنسان بطبيعته ينجذب إلى ما يثير العاطفة ويمنحه شعوراً فورياً بالمشاركة والانتماء، أكثر مما ينجذب إلى الملفات المعقدة التي تحتاج إلى قراءة وصبر وتحليل. ومن هنا تبدأ أهمية السؤال السياسي؛ لأن إدارة الانتباه لا تقل تأثيراً عن إدارة الاقتصاد أو الأمن، بل قد تكون أكثر تأثيراً في تشكيل السلوك الجماعي.

وقد كان المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي من أوائل من انتبهوا إلى هذه المسألة عندما تحدث عن مفهوم «الهيمنة الثقافية». فالسلطة، في نظره، لا تفرض نفسها بالقوة وحدها، وإنما تعمل أيضاً على إنتاج منظومة من الأفكار والقيم تجعل ترتيباً معيناً للأولويات يبدو طبيعياً وبديهياً. وعندما يقتنع المجتمع بهذا الترتيب، يصبح كثير من الناس يدافعون عنه من تلقاء أنفسهم، دون حاجة إلى الإكراه المباشر، لأن الهيمنة الحقيقية لا تبدأ حين يُمنع الإنسان من الكلام، بل حين يقتنع بأن بعض الأسئلة أهم من غيرها، وأن بعض القضايا تستحق الاهتمام أكثر من غيرها.

ويكتسب هذا التحليل أهمية أكبر في عصر الإعلام الرقمي، حيث تتنافس القنوات التلفزية ومنصات التواصل الاجتماعي على جذب انتباه الجمهور. فكل دقيقة يقضيها الإنسان أمام شاشة الهاتف أو التلفزيون أصبحت ذات قيمة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، لأن الانتباه تحول إلى مورد نادر تتنافس عليه وسائل الإعلام والشركات والمؤسسات العامة. ولم يعد النجاح يقاس فقط بقدرة الوسيلة الإعلامية على نقل الخبر، وإنما بقدرتها على جعل ذلك الخبر يحتل مركز النقاش العمومي، حتى لو كان تأثيره في حياة الناس أقل بكثير من تأثير قضايا أخرى لا تحظى بالاهتمام نفسه.

ومن هنا يمكن الانتقال إلى سؤال أكثر عمقاً: إذا كانت أولويات المجتمع لا تتشكل بصورة عفوية، وإنما تتأثر بما يعرض عليه باستمرار، فكيف تتحول الرياضة، وهي في الأصل نشاط ترفيهي وثقافي مشروع، إلى حدث قادر على احتلال المجال العام بأكمله؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد حب الناس لكرة القدم، أم أن الظاهرة تكشف عن آليات أعمق ترتبط بطريقة اشتغال الإعلام والسياسة والاقتصاد معاً؟ للإجابة عن هذا السؤال لا يكفي الحديث عن الرياضة وحدها، بل ينبغي العودة إلى أحد أكثر المفكرين تأثيراً في نقد المجتمع الحديث، وهو غي ديبور، الذي حاول أن يفسر كيف أصبحت الصورة والفرجة تحتلان موقعاً مركزياً في تشكيل وعينا بالواقع.

حين تتحول الفرجة إلى طريقة لرؤية العالم

لفهم هذه الظاهرة لا يكفي أن نتحدث عن كرة القدم باعتبارها لعبة شعبية، لأن القضية أوسع من ذلك بكثير. فما يشغل علماء الاجتماع ليس المباراة في حد ذاتها، بل الكيفية التي تتحول بها بعض الأحداث إلى مركز للاهتمام الجماعي، بينما تتراجع قضايا أخرى لا تقل عنها أهمية، بل قد تكون أكثر تأثيراً في حياة المواطنين. ومن هنا تأتي أهمية المفكر الفرنسي غي ديبور، الذي رأى في كتابه مجتمع الفرجة أن المجتمعات الحديثة لم تعد تعيش الواقع كما هو، وإنما تعيش صورته وتمثيلاته. فالإنسان لا يتعامل يومياً مع الوقائع مباشرة، بل مع ما تعرضه الشاشات، وما تكرره وسائل الإعلام، وما تتداوله شبكات التواصل الاجتماعي، حتى تصبح الصورة، شيئاً فشيئاً، بديلاً عن التجربة المباشرة.

لا يقصد ديبور أن الإعلام يكذب دائماً، أو أن الأحداث التي يعرضها غير حقيقية، بل إن خطورة الفرجة تكمن في أنها تعيد ترتيب الواقع داخل وعينا. فقد يكون خبر رياضي حقيقياً، وقد يكون الاحتفال الشعبي صادقاً، لكن التكرار الكثيف لهذا الحدث، وما يصاحبه من تعليقات وتحليلات وصور وانفعالات، يجعله يحتل مساحة واسعة من الاهتمام، في حين تتراجع إلى الخلف ملفات أخرى تمس الحياة اليومية للمواطنين بصورة مباشرة. وهكذا لا يُلغى الواقع، وإنما يُزاح مؤقتاً من مركز الوعي ليحل محله حدث أكثر قدرة على إثارة الانفعال وجذب الانتباه.

ولعل ما يميز مجتمع الفرجة هو أن الإنسان يشعر بأنه يشارك في الأحداث، بينما يظل في كثير من الأحيان مجرد متلقٍ لها. فهو يناقش تفاصيل المباراة، ويختلف حول أداء اللاعبين، ويتابع التحليلات الرياضية لساعات طويلة، ويعيش الانتصار أو الهزيمة كما لو كان طرفاً مباشراً فيهما، في حين لا يمنحه المجال العام الحماس نفسه لمناقشة السياسات التعليمية، أو إصلاح المنظومة الصحية، أو توزيع الثروة، أو أولويات الميزانية. ولا يعود السبب إلى أن هذه القضايا أقل أهمية، بل لأنها أكثر تعقيداً، وأبطأ في نتائجها، وأقل قدرة على إنتاج المشاعر الفورية التي تقوم عليها صناعة الفرجة.

ويتأكد هذا التحليل عندما ننظر إلى الطريقة التي تعمل بها وسائل الإعلام الحديثة. فهذه الوسائل لا تكتفي بنقل الحدث، وإنما تحوله إلى قصة متواصلة تبدأ قبل وقوعه بوقت طويل، من خلال التوقعات والتحليلات واستطلاعات الرأي والبرامج الخاصة، ثم تستمر بعد انتهائه عبر النقاشات وإعادة اللقطات وتصريحات اللاعبين والجماهير. وبهذا الأسلوب يصبح الحدث الرياضي حاضراً في وعي الناس أياماً وربما أسابيع، بينما تمر تقارير التنمية أو نتائج الدراسات المتعلقة بالتعليم أو الصحة مروراً سريعاً، على الرغم من أن آثارها تمتد لسنوات طويلة.

ولا يقتصر الأمر على الإعلام التقليدي، فخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تعزز هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة، لأنها تعطي الأولوية للمحتوى القادر على إثارة التفاعل والانفعال، لا للمحتوى الأكثر أهمية من الناحية الاجتماعية. فالمنصة لا تسأل: ما الذي يحتاج المواطن إلى معرفته؟ وإنما تسأل: ما الذي سيدفعه إلى البقاء أطول وقت ممكن أمام الشاشة؟ وهكذا تتحول المنافسة على انتباه الإنسان إلى صناعة عالمية ضخمة، يصبح فيها الانتباه سلعة اقتصادية بقدر ما هو مورد سياسي.

غير أن اختزال هذه الظاهرة في نظرية المؤامرة سيكون تبسيطاً شديداً للواقع. فلا توجد جهة واحدة تجلس لتقرر ما الذي سيفكر فيه المجتمع غداً، بل نحن أمام شبكة معقدة تتداخل فيها مصالح وسائل الإعلام، والشركات التجارية، ومنصات التواصل، والمؤسسات السياسية، والثقافة السائدة، وسلوك الجمهور نفسه. ولذلك فإن صناعة الاهتمام ليست فعلاً مركزياً يقوم به طرف واحد، وإنما نتيجة تفاعل مستمر بين فاعلين متعددين، لكل منهم مصالحه وأهدافه.

ومع ذلك، تبقى الدولة فاعلاً أساسياً في تشكيل المجال العام، ليس لأنها تتحكم في كل شيء، وإنما لأنها تحدد، من خلال سياساتها العمومية وخطابها الرسمي واستثماراتها الكبرى، كثيراً من الأولويات التي تهيمن على النقاش الوطني. ولهذا ليس من قبيل الصدفة أن تتنافس الدول على استضافة البطولات الرياضية الكبرى، وأن تنفق مليارات الدولارات على البنية التحتية الرياضية، لأن الرياضة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت أداة من أدوات القوة الناعمة، ووسيلة لتعزيز صورة الدولة في الداخل والخارج، وتنشيط الاقتصاد والسياحة، وتقوية الشعور بالانتماء الوطني.

غير أن الاعتراف بهذه الأدوار الإيجابية لا يمنع من طرح سؤال آخر أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما تتحول الإنجازات الرمزية إلى المصدر الأساسي الذي يستمد منه المجتمع شعوره بالنجاح؟ هنا لا يصبح النقاش موجهاً ضد الرياضة، وإنما ضد اختلال ترتيب الأولويات. فالمشكلة لا تبدأ عندما تبني الدولة ملعباً، ولا عندما يحقق المنتخب إنجازاً يستحق الاحتفال، وإنما عندما تصبح هذه الإنجازات قادرة، ولو بصورة مؤقتة، على حجب النقاش حول القضايا التي تحدد نوعية حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.

ومن هذه النقطة تحديداً يمكن الانتقال إلى المفكر الإيراني علي شريعتي، الذي قدم مفهوماً مختلفاً لكنه يلتقي مع ديبور في نقطة جوهرية، وهي أن أخطر أشكال السيطرة لا تتمثل في منع الناس من معرفة الحقيقة، بل في إشغالهم باستمرار بما يؤجل مواجهتها، وهو ما عبّر عنه بمفهوم الاستحمار.

بين الاستحمار والشرعية الرمزية: عندما يتحول الانتصار إلى تعويض عن الواقع

إذا كان غي ديبور قد حاول تفسير الكيفية التي أصبحت بها الفرجة إطاراً ينظم علاقتنا بالواقع، فإن علي شريعتي اقترب من المسألة من زاوية مختلفة حين صاغ مفهوم الاستحمار. وكثيراً ما أسيء فهم هذا المفهوم باعتباره مرادفاً للجهل أو الغباء، بينما كان شريعتي يقصد شيئاً أكثر عمقاً. فالإنسان، في نظره، قد يكون واعياً تماماً بمشكلاته، لكنه يجد نفسه منشغلاً باستمرار بقضايا تؤجل مواجهة تلك المشكلات، فيتحول انشغاله الدائم إلى عائق يمنعه من التفكير في أسباب معاناته، لا لأنه يجهلها، بل لأن اهتمامه يُستنزف في اتجاه آخر.

ومن هنا فإن الاستحمار لا يعني تغييب الحقيقة، وإنما إبعادها عن مركز الاهتمام. فقد يعرف المواطن أن المدرسة العمومية تعاني من أزمة، وأن الخدمات الصحية لا تستجيب لتطلعاته، وأن فرص الشغل محدودة، لكنه يقضي معظم وقته في متابعة موضوعات أخرى أكثر إثارة وأسرع في إنتاج الانفعال. ولا يحدث ذلك لأن هذه القضايا غير موجودة، بل لأنها لا تحظى بالمساحة نفسها داخل المجال العام. ولهذا كان شريعتي يرى أن أخطر أشكال السيطرة لا تقوم على إخفاء الواقع، وإنما على خلق انشغالات متواصلة تجعل مواجهة ذلك الواقع مؤجلة باستمرار.

وهنا يلتقي شريعتي مع ديبور، رغم اختلاف السياق الذي كتب فيه كل واحد منهما. فكلاهما ينطلق من فكرة أن الإنسان قد يعيش داخل عالم مزدحم بالأحداث والصور والانفعالات، ومع ذلك يبتعد تدريجياً عن التفكير في القضايا التي تحدد مصيره على المدى الطويل. غير أن شريعتي يضيف بعداً أخلاقياً وسياسياً؛ إذ يعتبر أن المجتمع لا يفقد حريته فقط عندما يُمنع من التعبير، بل أيضاً عندما يفقد القدرة على ترتيب أولوياته بنفسه، فيصبح رد فعله موجهاً دائماً نحو ما يفرضه إيقاع الأحداث اليومية.

وإذا انتقلنا من المستوى النظري إلى الواقع، فإننا نجد أن كثيراً من الدول أصبحت تدرك القيمة السياسية للإنجازات الرمزية، ولذلك لم تعد تنظر إلى الرياضة باعتبارها مجرد نشاط ترفيهي، بل باعتبارها استثماراً في الصورة والهوية والوحدة الوطنية. فالنجاح الرياضي يمنح المواطنين شعوراً بالفخر والانتماء، ويعزز حضور الدولة في الخارج، وقد يساهم في تنشيط السياحة وجذب الاستثمارات، وهي أهداف مشروعة لا يمكن إنكارها. ولهذا فإن معظم الدول، بما فيها الديمقراطيات العريقة، تتنافس على تنظيم البطولات الكبرى وتطوير منشآتها الرياضية.

غير أن علم السياسة يميز بين نوعين مختلفين من الشرعية. الأول هو الشرعية الرمزية، التي تنشأ من قدرة الدولة على إنتاج لحظات جماعية يشعر فيها المواطن بالفخر والانتماء، سواء تعلق الأمر بإنجاز رياضي أو حدث ثقافي أو مشروع ذي قيمة رمزية. أما الثاني فهو الشرعية التنموية، التي تقوم على تحسين شروط الحياة اليومية للمواطنين، من خلال تعليم جيد، وخدمات صحية لائقة، وعدالة فعالة، وفرص عمل، وإدارة كفؤة، وتنمية اقتصادية يشعر الناس بآثارها في حياتهم.

ولا تعارض بين هذين النوعين من الشرعية عندما يكون كل واحد منهما مكملاً للآخر. فالدولة القوية ليست تلك التي تختار بين بناء ملعب أو بناء مدرسة، وإنما تلك التي تجعل نجاحها الرياضي امتداداً لنجاحها في التعليم والبحث العلمي والصحة والاقتصاد. ففي كثير من الدول المتقدمة لم تأتِ الإنجازات الرياضية منفصلة عن قوة المؤسسات، بل كانت نتيجة لها. ولهذا لا يشعر المواطن هناك بأن الاحتفال بانتصار المنتخب يتناقض مع ثقته في المدرسة أو الجامعة أو المستشفى، لأن هذه المؤسسات نفسها تمثل جزءاً من أسباب ذلك النجاح.

أما الإشكال فيظهر عندما يبدأ الخلل في ترتيب الأولويات. فإذا أخذت الإنجازات الرمزية تتقدم باستمرار على الإنجازات التنموية، فإن المجتمع قد يجد نفسه يعيش مفارقة غريبة؛ إذ يشعر بالفخر كلما حقق المنتخب فوزاً أو استضافت الدولة تظاهرة كبرى، لكنه لا يشعر بالتقدم نفسه عندما يتعلق الأمر بجودة التعليم أو كفاءة المستشفى أو استقلال القضاء أو خلق فرص الشغل. وعند هذه النقطة يصبح من المشروع أن يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الأهمية: هل أصبحت الرموز تعوض، ولو مؤقتاً، غياب الإنجازات التي تمس حياته اليومية؟

وفي الحالة المغربية لا يمكن إنكار أن الإنجازات الرياضية الأخيرة خلقت شعوراً جماعياً بالفخر، وأنها قدمت صورة إيجابية عن البلاد أمام العالم، كما لا يمكن إنكار الجهود التي بُذلت لتطوير البنية التحتية الرياضية استعداداً للاستحقاقات الدولية المقبلة. لكن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند هذه المكاسب، لأن السؤال الذي يهم أي مشروع تنموي هو ما إذا كانت هذه الدينامية ستنعكس بالقدر نفسه على المدرسة العمومية، والجامعة، والمستشفى، والبحث العلمي، والإدارة، وسوق الشغل. فنجاح الدول لا يقاس فقط بما تستطيع تنظيمه من بطولات، وإنما أيضاً بما تستطيع أن توفره لمواطنيها من شروط حياة كريمة.

ومن هنا يصبح النقاش الحقيقي بعيداً عن الثنائية الساذجة التي تضع الرياضة في مواجهة التنمية. فالقضية ليست أن نختار بين الملعب والمدرسة، أو بين الاحتفال والمحاسبة، بل أن ندرك أن الاحتفال لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن مساءلة السياسات العمومية، وأن الفرح المشروع لا يعفي المجتمع من التفكير في الأسئلة التي تحدد مستقبله. فالإنجاز الرياضي يظل حدثاً زمنياً مهما كانت قيمته، أما جودة التعليم، وقوة المؤسسات، وعدالة القضاء، وكفاءة الاقتصاد، فهي عناصر تبني قوة المجتمع لعقود طويلة.

ولهذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي دولة لا يتمثل في قدرتها على إنتاج لحظات استثنائية من الفخر الجماعي، بل في قدرتها على تحويل تلك اللحظات إلى قوة دافعة لمشروع تنموي شامل، يجعل الانتصار في الملعب انعكاساً لانتصار أكبر يتحقق كل يوم داخل المدرسة، والجامعة، والمختبر، والمستشفى، ومكان العمل، لا تعويضاً عنه.

خاتمة: ما بعد صافرة النهاية

لا يدعو هذا المقال إلى التقليل من قيمة الرياضة، ولا إلى مصادرة حق الناس في الفرح، لأن المجتمعات لا تعيش بالعمل وحده، بل تحتاج أيضاً إلى لحظات تمنحها الأمل والإحساس بالانتماء. كما أن الإنجاز الرياضي الحقيقي يمثل مصدر اعتزاز لأي شعب، ويعكس جانباً من حيوية المجتمع وقدرته على التنافس. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه اللحظات الاستثنائية إلى المعيار الوحيد الذي يقاس به نجاح الأوطان، أو عندما تصبح الإنجازات الرمزية بديلاً عن الإنجازات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

لقد بينت لنا أفكار غرامشي أن السلطة لا تستند إلى القوة وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى بناء منظومة من القيم تجعل ترتيباً معيناً للأولويات يبدو طبيعياً. وأوضح بورديو أن وسائل الإعلام لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تشارك في تحديد ما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاهله. أما ديبور فقد كشف كيف أصبحت الفرجة إطاراً ينظم علاقتنا بالواقع، بينما نبه شريعتي إلى أن أخطر أشكال الاستحمار لا تقوم على حرمان الإنسان من الحقيقة، وإنما على إشغاله الدائم بما يؤجل مواجهتها. وعندما نجمع هذه الأفكار معاً ندرك أن القضية ليست كرة القدم في حد ذاتها، ولا الاحتفال بالانتصارات الرياضية، وإنما الكيفية التي يتشكل بها المجال العام، وكيف تُرتب أولويات المجتمع، وكيف تتوزع طاقته الفكرية بين ما يثير الانفعال الآني وما يصنع المستقبل.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً بعد انتهاء المباراة لا يتعلق بعدد الأهداف التي سجلها المنتخب، وإنما بنوعية المجتمع الذي نريد بناءه. فهل نستطيع أن نحول الحماس الذي تخلقه الرياضة إلى قوة تدفع نحو إصلاح المدرسة، وتطوير الجامعة، والارتقاء بالمستشفى، وتشجيع البحث العلمي، وإرساء العدالة، وخلق فرص الشغل؟ أم أن الفرح سيبقى لحظة عابرة تنتهي بانتهاء المباراة، ليعود المجتمع إلى مواجهة المشكلات نفسها دون أن تتغير أسبابها؟

إن الأمم لا تنهض لأنها تمتلك أكبر الملاعب أو لأنها فازت بأكبر عدد من البطولات، وإنما لأنها تجعل نجاحها الرياضي جزءاً من مشروع حضاري أشمل، يكون فيه الاستثمار في الإنسان سابقاً على الاستثمار في الحجر، وتصبح الرياضة إحدى ثمار التنمية لا بديلاً عنها. وعندئذ فقط يكتسب الانتصار الرياضي معناه الكامل، لأنه يعبر عن مجتمع نجح في بناء الإنسان قبل أن ينجح في صناعة الأبطال.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه جميعاً: هل نريد وطناً ينتصر أحياناً فوق أرضية الملعب، أم وطناً ينتصر كل يوم في المدرسة، والجامعة، والمختبر، والمستشفى، والإدارة، ومكان العمل؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد، في النهاية، معنى النجاح الحقيقي، ومعنى التنمية، ومعنى المواطنة.

المراجع:

1.    غي ديبور، مجتمع الفرجة، ترجمة حسن عودة، دار كنعان، دمشق.

2.    علي شريعتي، النباهة والاستحمار، ترجمة عربية، دار الأمير للثقافة والعلوم، بيروت.

3.    أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن، الجزء المتعلق بالهيمنة الثقافية، ترجمة عربية.

4.    بيير بورديو، التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة درويش الحلوجي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

5.    نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام : الإنجازات الهائلة للبروباغندا، ترجمة عربية.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *