« عروة الزمان الباهي »: سيرة فرد أم مرثية جيل؟
محمد السمير:
تحتل رواية « عروة الزمان الباهي » موقعاً خاصاً داخل التجربة الإبداعية للروائي عبد الرحمن منيف، لأنها تمثل انتقالاً من الانشغال بالبنى السياسية والاجتماعية الكبرى إلى التأمل في المصير الإنساني من خلال تجربة شخصية تبدو في ظاهرها محدودة، لكنها سرعان ما تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالذاكرة والزمن والمثقف العربي وأحلامه المنكسرة. فالرواية كُتبت على خلفية وفاة الصحفي والمثقف العربي محمد الباهي، الذي كان صديقاً مقرباً لعبد الرحمن منيف ورفيقاً له في كثير من الاهتمامات الفكرية والسياسية. غير أن منيف لا يكتب سيرة توثيقية للباهي، ولا يسعى إلى تخليد شخصه بوصفه فرداً فحسب، بل يجعل منه مدخلاً للحديث عن جيل كامل عاش مرحلة تاريخية استثنائية، حمل خلالها أحلام النهضة والتحرر والوحدة، ثم اصطدم بواقع عربي امتلأ بالهزائم والانقسامات والاستبداد.
وتكتسب الرواية عمقاً إضافياً منذ عنوانها ذاته. فالعنوان ليس مجرد تسمية خارجية للنص، بل يشكل مفتاحاً تأويلياً أساسياً لفهمه. فكلمة « عروة » في اللغة العربية تحيل إلى معنى الرابط أو الحلقة التي تصل بين شيئين وتحفظ تماسكهما، بينما يشير « الزمان » إلى البعد التاريخي الذي يحتوي التجارب الإنسانية ويبتلعها في الوقت نفسه. أما كلمة « الباهي » فتحمل دلالة مزدوجة شديدة الثراء؛ فهي من جهة تحيل مباشرة إلى محمد الباهي بوصفه الشخصية الملهمة للرواية، لكنها من جهة أخرى صفة لغوية تعني المشرق أو الجميل أو المضيء. وبهذا يصبح العنوان قابلاً لقراءتين متداخلتين في آن واحد: فهو يشير إلى الباهي الإنسان، كما يشير إلى « الزمن الباهي »، أي ذلك الزمن المضيء الذي عاشته أجيال عربية وهي تؤمن بإمكانية بناء مستقبل مختلف.
هذا التداخل الدلالي يجعل العنوان نفسه يحمل حسرة خفية. فالرواية لا تبحث عن شخص ضائع فقط، بل عن زمن ضائع أيضاً. وكأن منيف يريد القول إن رحيل محمد الباهي ليس سوى علامة على أفول مرحلة تاريخية كاملة. إن موت الفرد يصبح رمزاً لموت الحلم الجماعي، واستعادة الشخص تتحول إلى استعادة لزمن كانت فيه الآمال أكبر من الوقائع.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو الرواية منذ بدايتها منشغلة بالذاكرة أكثر من انشغالها بالحدث. فالباهي ليس بطلاً تقليدياً يتحرك داخل حبكة درامية واضحة، وإنما هو حضور يتشكل من خلال التذكر والاستعادة والتأمل. إنه شخصية تُبنى من أثرها في الآخرين أكثر مما تُبنى من أفعالها المباشرة. ولذلك فإن الرواية لا تسأل من كان محمد الباهي فقط، بل تسأل أيضاً ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟ وكيف يمكن للكتابة أن تنقذ شيئاً من الاندثار الذي يفرضه الزمن؟
في هذا السياق تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة. فالنسيان ليس مجرد حالة نفسية، بل قوة تاريخية تمحو الأفراد والتجارب والأحلام. ومنيف يكتب وكأنه يخوض معركة ضد هذا المحو. إنه يحاول أن يحفظ ما تبقى من أثر جيل كامل من المثقفين الذين عاشوا على إيقاع المشاريع القومية والتحررية، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع مختلف عما تصوروه. ولهذا لا يكتفي باستحضار سيرة الباهي، بل يستعيد معه مناخاً ثقافياً وسياسياً كاملاً، حيث كانت الأسئلة الكبرى حول الحرية والعدالة والوحدة العربية تشغل العقول وتمنح الحياة معنى يتجاوز حدود الفرد.
وتظهر أهمية محمد الباهي داخل هذا البناء الرمزي لأنه لم يكن مجرد صحفي أو كاتب، بل كان نموذجاً للمثقف العربي الذي عاش هموم عصره بكل تناقضاته. فهو ينتمي إلى ذلك الجيل الذي لم يفصل بين الثقافة والسياسة، والذي اعتبر الكتابة شكلاً من أشكال المشاركة في صناعة التاريخ. غير أن الرواية لا تقدمه بصورة مثالية أو بطولية، بل بوصفه إنساناً يحمل نقاط القوة والضعف معاً. وهذه إحدى أهم خصائص كتابة منيف؛ إذ إنه يرفض تحويل الشخصيات إلى تماثيل، ويصر على إبقائها ضمن حدودها الإنسانية، بكل ما فيها من هشاشة وأسئلة وشكوك.
ولعل هذا ما يجعل الرواية أيضاً نقداً غير مباشر لفكرة المثقف المنقذ التي سادت طويلاً في الثقافة العربية الحديثة. فالباهي، رغم وعيه وثقافته والتزامه، لا يستطيع أن يغير مجرى التاريخ كما كان يأمل. ومن خلال هذه المفارقة يكشف منيف حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه المثقف داخل واقع تحكمه قوى سياسية واجتماعية واقتصادية أعقد من أن تخضع لإرادة الأفراد. وهكذا تتحول الرواية إلى تأمل في مأساة المثقف العربي الذي امتلك الوعي لكنه لم يمتلك دائماً القدرة على تحويل هذا الوعي إلى فعل تاريخي مؤثر.
وتزداد هذه المأساة وضوحاً من خلال حضور الزمن بوصفه بطلاً خفياً للرواية. فالزمن هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل قوة فاعلة تعيد تشكيل المعاني باستمرار. فالأحلام التي بدت في لحظة معينة ممكنة وقريبة المنال تتحول مع مرور الوقت إلى ذكريات بعيدة. واليقينيات التي حكمت مرحلة كاملة تصبح موضع مراجعة وتساؤل. لذلك يتحرك السرد بين الماضي والحاضر بحرية، وكأن منيف يريد أن يعكس الطريقة التي تعمل بها الذاكرة الإنسانية، حيث لا تخضع التجارب لمنطق التسلسل الزمني بقدر ما تخضع لمنطق الأثر الذي تركته في النفس.
في النهاية تبدو « عروة الزمان الباهي » أكثر من مجرد رواية رثائية. إنها محاولة لإعادة بناء صورة جيل كامل من خلال أحد رموزه، ومحاولة لفهم العلاقة المعقدة بين الإنسان والزمن والذاكرة. ومن خلال محمد الباهي لا يستعيد منيف شخصاً بعينه، بل يستعيد مرحلة تاريخية بكامل أحلامها وانكساراتها. ولهذا فإن الرواية تكتسب قيمتها الأدبية والفكرية من قدرتها على تحويل تجربة شخصية جداً إلى سؤال جماعي يتعلق بمصير المثقف العربي، ومصير الأحلام الكبرى عندما تواجه قسوة الواقع وتحوّلات التاريخ. إنها رواية عن الموت، لكنها في العمق رواية عن ما يبقى حياً بعد الموت: الذاكرة، والأثر، والقدرة المستمرة على استدعاء زمن مضى لكنه لم يغادر الوجدان تماماً.
