من العزوف إلى القوة: حدود المقاطعة حين تغيب الكتلة السياسية

من العزوف إلى القوة: حدود المقاطعة حين تغيب الكتلة السياسية
شارك

محمد السميري

ليست المشكلة في الانتخابات المغربية، في نهاية المطاف، مشكلة صندوق اقتراع فقط. فالصندوق لا يفعل أكثر من تسجيل لحظة محددة من علاقة المواطن بالسياسة؛ أما تلك العلاقة نفسها فتتشكل خارج يوم الاقتراع، في المدرسة والعمل والنقابة والحركة الاجتماعية والحزب والحي، وفي مستوى الثقة التي يشعر بها المواطن تجاه المؤسسات وقدرته على التأثير في القرار العام. لذلك فإن الجدل حول المشاركة والمقاطعة يفقد كثيرا من معناه حين يحصر نفسه في سؤال: هل ينبغي التصويت أم الامتناع؟ والسؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي يستطيع كل من الخيارين أن يضيفه إلى ميزان القوى القائم؟

من هذه الزاوية تبدو المقاطعة السياسية، كما تطرحها قوى مثل النهج الديمقراطي وجماعة العدل والإحسان، أكثر من مجرد دعوة إلى عدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع. فهي تقوم على تشخيص مفاده أن الانتخابات، في صيغتها الحالية، لا توفر الشروط التي تجعل الإرادة الانتخابية قادرة على إحداث تغيير جوهري في طبيعة القرار السياسي. لكن قوة هذا التشخيص، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، لا تجيب وحدها عن سؤال آخر أكثر صعوبة: كيف تتحول المقاطعة من موقف احتجاجي إلى قوة قادرة على تغيير الشروط التي تنتقدها؟

هنا بالضبط يبدأ الفرق بين الموقف السياسي والاستراتيجية السياسية.

فالموقف يستطيع أن يقول: «لا نشارك لأن الانتخابات لا تغير ميزان القوى». أما الاستراتيجية فعليها أن تجيب عن السؤال التالي: «إذا كنا لا نشارك، فأين سنبني القوة التي ستغير ميزان القوى؟».

وهذه ليست مسألة نظرية مجردة. فالانتخابات التشريعية لسنة 2021 تقدم لنا واقعة مهمة. فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.509 مليون شخص، في حين قدرت المندوبية السامية للتخطيط عدد المغاربة في سن التصويت آنذاك بنحو 25.226 مليون نسمة. أي أن ملايين المواطنين في سن التصويت لم يكونوا أصلا داخل العملية الانتخابية من بوابة التسجيل.

أما نسبة المشاركة في انتخابات 2021 فكانت في حدود نصف المسجلين. وهذه المعطيات تكشف ظاهرة سياسية مهمة: الابتعاد عن الانتخابات موجود فعلا على نطاق واسع، لكنه لم يتحول، بمجرد وجوده، إلى قوة سياسية موحدة.

وهنا ينبغي الحذر من استنتاج يبدو بديهيا لكنه غير صحيح بالضرورة: ارتفاع عدد غير المصوتين لا يعني أن هؤلاء يشكلون كتلة سياسية واحدة.

فالشخص الذي لا يصوت لأنه فقد الثقة في الأحزاب ليس بالضرورة هو نفسه الذي لا يصوت لأنه غير مهتم بالسياسة، أو لأنه لم يسجل في اللوائح، أو لأنه لا يرى أن الانتخابات تمس مشكلاته اليومية. وفي النتيجة الإحصائية يظهر هؤلاء جميعا في خانة واحدة: غير مشاركين. لكن في ميزان القوى لا يشكلون بالضرورة جماعة سياسية واحدة.

وهذا التفريق بالغ الأهمية بالنسبة إلى المقاطعة.

فإذا كان جزء كبير من المغاربة لا يصوتون أصلا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: «كيف نرفع عدد المقاطعين؟»، وإنما: كيف نحول العزوف المتفرق إلى وعي سياسي مشترك، ثم إلى تنظيم، ثم إلى قوة اجتماعية؟

هذه هي الحلقة التي لا يمكن تجاوزها بالشعارات.

وتؤكد المعطيات المتعلقة بالشباب أن المشكلة أعمق من مجرد الموقف من الانتخابات. فقد وجدت المندوبية السامية للتخطيط، في دراسة حول مشاركة الشباب، أن 1% فقط من الشباب كانوا منخرطين في حزب سياسي، و1% أعضاء نشطين في نقابة، و4% يشاركون في اجتماعات الأحزاب أو النقابات، بينما بلغت نسبة المشاركة في المظاهرات أو الإضرابات 4%. وفي المقابل، كان 49% يصرحون بالمشاركة في الانتخابات، بصورة منتظمة أو غير منتظمة.

ما تكشفه هذه الأرقام ليس فقط ضعف المشاركة الانتخابية في بعض الفئات، وإنما شيئا أكثر عمقا: ضعف الانتقال من المواطن إلى الفاعل السياسي المنظم.

وهنا تصبح المقاطعة أمام معضلة حقيقية. لكي تكون المقاطعة أداة ضغط، لا يكفي أن يكون الناس غير راضين؛ ينبغي أن يكون هناك تنظيم قادر على إعطاء هذا السخط شكلا سياسيا. فالاستياء الاجتماعي مادة أولية للتغيير، لكنه ليس التغيير نفسه.

ولعل هذا ما يفسر لماذا يمكن أن توجد في المجتمع مستويات مرتفعة من عدم الثقة دون أن تنتج بالضرورة حركة سياسية قادرة على إعادة صياغة قواعد اللعبة. فبحث للبنك الدولي حول الثقة في المؤسسات بالمغرب أظهر، في مسح شمل نحو 6000 شخص، تفاوتا واضحا في الثقة بين المؤسسات؛ فقد بلغت الثقة في المؤسسة التشريعية 39%، مقابل 55% في السلطة التنفيذية، كما كان الشباب أقل ثقة بالمؤسسات من الفئات الأكبر سنا.

إذن هناك بالفعل رصيد اجتماعي من عدم الثقة. لكن عدم الثقة شيء، وتنظيمها سياسيا شيء آخر.

وهنا يمكن فهم المقاطعة بطريقة مختلفة. ليست المشكلة في أن تقول الجماعة أو الحزب للمواطن: «لا تصوت». المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا هو الفعل السياسي الأساسي، من دون أن توجد آلية تجعل عدم التصويت ينتقل إلى مستوى آخر من الصراع.

فالانتخابات تجري في يوم واحد، بينما ميزان القوى يتشكل خلال سنوات.

إذا كانت المقاطعة تريد أن تكون استراتيجية تغيير، فعليها إذن أن تعمل قبل الانتخابات وبعدها: في النقابات، وفي الحركات الاجتماعية، وفي الأحياء، وفي الجامعات، وفي أماكن العمل، وفي التنظيمات المدنية والسياسية. وعليها أن تحول المواطن من شخص يمتنع عن التصويت إلى شخص منخرط في فعل جماعي مستمر.

وإلا فإن المقاطعة قد تجد نفسها أمام مفارقة: كلما ارتفع العزوف، أمكنها أن تقول إن الناس لا تثق بالانتخابات؛ لكن النظام يستطيع في الوقت نفسه أن يقول إن الانتخابات جرت، وإن المؤسسات تشكلت، وإن الذين اختاروا المشاركة مارسوا حقهم، بينما اختار الآخرون عدم المشاركة.

وهنا تصبح المقاطعة، مهما كان حجمها، عاجزة عن إنتاج النتيجة السياسية التي يفترض أن تنتجها.

لكن هذه الملاحظة لا تعني أن المشاركة تقدم حلا بديلا بصورة تلقائية.

فالحزب الذي يدخل البرلمان لا يمتلك بمجرد دخوله المؤسسة قدرة غير محدودة على تغيير المجتمع. وقد يجد نفسه أمام ميزان قوى أكبر من عدد مقاعده، أو أمام حدود مؤسساتية لا يستطيع تجاوزها. ولذلك فإن المشاركة، مثل المقاطعة، تحتاج إلى قوة اجتماعية تسندها.

وهنا تظهر المفارقة التي يغفلها أحيانا طرفا النقاش: المشاركة والمقاطعة تختلفان في التكتيك، لكنهما تواجهان المشكلة الاستراتيجية نفسها.

الحزب المشارك يسأل: كيف أحول المقعد البرلماني إلى قوة اجتماعية؟

والقوة المقاطعة تسأل: كيف أحول الامتناع عن التصويت إلى قوة اجتماعية؟

في الحالتين توجد كلمة واحدة في مركز المسألة: القوة.

ومن هنا فإن الاختلاف الحقيقي ليس بالضرورة بين من «يناضل» ومن «لا يناضل»، ولا بين من «يؤمن بالديمقراطية» ومن «يرفضها»، بل بين استراتيجيات مختلفة لفهم الطريق الذي يمكن أن يؤدي من الوضع القائم إلى وضع آخر.

وهذا يضع القوى التي تصف نفسها باليسار أمام سؤال لا يقل صعوبة عن السؤال المطروح على المقاطعين. فإذا كانت المشاركة الانتخابية هي طريقها، فما الذي ستفعله بهذه المشاركة؟ هل ستستعمل المؤسسة لبناء تنظيم اجتماعي أوسع، أم ستصبح المؤسسة نفسها مجال النشاط الأساسي؟ وهل تستطيع المحافظة على استقلالها السياسي عندما تدخل لعبة المؤسسات؟

وبالمقابل، إذا كانت المقاطعة هي الخيار، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحا: أين هي القوة الاجتماعية التي ستجعل المقاطعة حدثا سياسيا وليس مجرد غياب عن حدث انتخابي؟

هنا يمكن استحضار تجربة المقاطعة الاقتصادية التي عرفها المغرب سنة 2018، لا باعتبارها نموذجا مطابقا للمقاطعة الانتخابية، وإنما لأنها توضح الفرق بين الامتناع الفردي والفعل الجماعي المنظم. فقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك، في انتشار حملة مقاطعة منتجات بعينها، وتحول قرار فردي بسيط، هو عدم شراء منتج، إلى سلوك جماعي يمكن أن يترك أثرا اقتصاديا ملموسا. وقد وثق البنك الدولي دور وسائل التواصل الاجتماعي في تنسيق هذه التعبئة.

لكن المقاطعة الانتخابية تختلف جذريا في طبيعتها. فعندما لا يشتري المواطن سلعة، يتلقى المنتج إشارة مباشرة من السوق؛ أما عندما لا يصوت، فلا توجد آلية مماثلة تجعل المؤسسة السياسية تتوقف عن العمل. ولذلك تحتاج المقاطعة الانتخابية إلى قناة إضافية لتحويل الامتناع إلى ضغط: التنظيم السياسي والاجتماعي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لا يكفي ارتفاع نسبة العزوف للحكم بأن المقاطعة نجحت أو فشلت. فنجاحها لا يقاس فقط بعدد الذين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع، بل بقدرتها على إنتاج أثر سياسي قابل للملاحظة: تنظيم اجتماعي أقوى، مطالب واضحة، تعبئة مستمرة، تحالفات أوسع، أو تغيير فعلي في ميزان القوى.

وبهذا المعنى، فإن عبارة «المقاطعة صيحة في واد» لا ينبغي فهمها باعتبارها حكما على صحة موقف المقاطعة، وإنما باعتبارها سؤالا عن شروط فعاليته.

قد يكون تشخيص المقاطعين لطبيعة النظام السياسي صحيحا في نظرهم، وقد تكون حججهم قابلة للنقاش والنقد، لكن لا يوجد انتقال آلي من صحة التشخيص إلى القدرة على تغييره. فالتاريخ السياسي لا يتغير بالأفكار وحدها؛ الأفكار تصبح قوة عندما تجد حاملا اجتماعيا وتنظيما قادرا على تحويلها إلى فعل.

وهنا تحديدا تكمن المشكلة البنيوية في المشهد المغربي: توجد مظاهر للعزوف، وتوجد مظاهر لعدم الثقة، وتوجد احتجاجات اجتماعية متفرقة، لكن تحويل هذه العناصر المختلفة إلى قوة سياسية موحدة ومستقلة وقادرة على الاستمرار يظل مسألة مختلفة تماما.

ولذلك فإن السؤال الأكثر جدية الذي يمكن توجيهه إلى أنصار المقاطعة ليس: «لماذا لا تصوتون؟»، فهذا السؤال تمت الإجابة عنه في بياناتهم وخطاباتهم. السؤال الأصعب هو: ماذا ستفعلون بهذا الامتناع بعد أن تنتهي الانتخابات؟

إذا كانت الإجابة هي بناء قوة شعبية، فإن النقاش ينتقل إلى المسألة الحقيقية: كيف تُبنى هذه القوة؟ ومن أي طبقات وفئات اجتماعية؟ وبأي تنظيم؟ وبأي برنامج؟ وكيف يمكن تجاوز الانقسامات بين اليسار والإسلاميين والنقابات والحركات الاجتماعية؟ وكيف يمكن تحويل السخط المتناثر إلى مشروع سياسي مشترك؟

أما إذا لم توجد إجابة عن هذه الأسئلة، فإن المقاطعة تظل في حدودها الرمزية: تعبيرا عن رفض، لكنها لا تمتلك بالضرورة الوسائل التي تجعل هذا الرفض قادرا على إعادة توزيع القوة.

وهذا هو السبب في أن النقاش حول المشاركة والمقاطعة ينبغي أن يتجاوز الثنائية التقليدية التي تجعل أحدهما فعلا «إصلاحيا» والآخر فعلا «نضاليا». فالمشاركة قد تفقد معناها إذا انفصلت عن المجتمع، والمقاطعة قد تفقد فعاليتها إذا انفصلت عن التنظيم. وفي الحالتين يعود السؤال نفسه: هل توجد قوة اجتماعية تستطيع أن تجعل الموقف السياسي مؤثرا؟

ربما تكون هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش الحقيقي حول الانتخابات المغربية. فالمشكلة ليست في الصندوق وحده، ولا في الامتناع عنه وحده. الصندوق يسجل ميزان قوى موجودا أصلا؛ أما تغييره فيحتاج إلى عمل اجتماعي وسياسي يتجاوز يوم الانتخابات.

ولهذا فإن السؤال الأكثر دلالة ليس: كم صوتا حصل هذا الحزب، وكم شخصا قاطع؟ بل: من استطاع أن يصبح أقوى داخل المجتمع؟

فإذا لم يتغير ميزان القوى خارج الصندوق، فإن تغيير الأرقام داخله، أو الامتناع عنه، قد لا يكون كافيا لتغيير قواعد اللعبة نفسها.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *