محمد أوجار يفتح ملف السلطة الفعلية في المغرب: لماذا لم يسبق اليسار إلى هذا البوح؟
بقلم، محمد خوخشاني.
أولاً: ماذا قال محمد أوجار؟ ملخص المداخلة ودلالاتها.
بحسب التصريحات المنسوبة إلى محمد أوجار، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار ووزير العدل الأسبق، خلال ندوة بكلية الحقوق بالرباط، فإن جوهر الإشكال الديمقراطي في المغرب يكمن في الفجوة بين المسؤولية السياسية المعلنة والسلطة الفعلية في اتخاذ القرار.
فقد اعتبر أن الأحزاب والمنتخبين لا يمتلكون، وفق تقديره، سوى هامش محدود من سلطة القرار والموارد المالية، مقابل نفوذ واسع للإدارة الترابية، ممثلة في الولاة والعمال ومصالح الإدارة المركزية. كما رفض اختزال الفساد في المنتخبين وحدهم، داعياً إلى مساءلة مختلف الأطراف المتدخلة في تدبير الشأن العام، بما فيها الجهات التي تشارك في إعداد الصفقات العمومية ومراقبتها.
وتحدث، بحسب النص المتداول، عن الصعوبات التي قد يواجهها الوزراء في ممارسة صلاحياتهم بسبب ثقل الجهاز الإداري واستمرار أنماط بيروقراطية موروثة عن مراحل سياسية سابقة. وربط ذلك بالحاجة إلى مراجعة أساليب الحكامة وتطوير المؤسسات، في ضوء التحولات المرتبطة بقضية الصحراء وآفاق الجهوية والحكم الذاتي.
كما أثار إشكالية تمثيلية البرلمان، معتبراً أن ارتفاع كلفة العمل الانتخابي يمنح أفضلية لرجال الأعمال، ويحد من فرص استمرار الكفاءات الشابة والنسائية في الحياة السياسية.
وخلاصة هذه المداخلة، كما يعرضها النص المتداول، هي أن الديمقراطية لا تكتمل بمجرد إجراء الانتخابات، ما لم تقترن بسلطة فعلية للمؤسسات المنتخبة، ووضوح في توزيع الاختصاصات، ومحاسبة تشمل جميع المتدخلين في اتخاذ القرار.
تنبيه منهجي: هذا الملخص مبني على النص الذي تم تداوله في هذه المحادثة، وليس على تسجيل كامل للمداخلة أو محضر رسمي لها. لذلك ينبغي التحقق من التصريحات الأصلية قبل التعامل مع كل عبارة باعتبارها اقتباساً حرفياً.
ثانياً: لماذا لم يسبق اليسار المغربي أوجار إلى هذا البوح؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه التصريحات ليس فقط ما إذا كان محمد أوجار قد كشف جوانب من واقع الممارسة السياسية والمؤسساتية، بل لماذا تأتي مثل هذه المواقف من قيادي في حزب يقود الحكومة، بينما كان يُنتظر من أحزاب اليسار أن تجعل هذه القضايا في صدارة خطابها وممارستها السياسية.
1. هل غاب اليسار عن تشخيص هذه الاختلالات؟
من غير الإنصاف القول إن اليسار المغربي لم ينتقد الوصاية الإدارية أو محدودية صلاحيات المؤسسات المنتخبة أو اختلال التوازن بين السلط. فقد شكلت المطالبة بالديمقراطية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع اختصاصات المؤسسات المنتخبة عناصر أساسية في تاريخ المعارضة اليسارية المغربية.
لكن الإشكال يكمن في المسافة بين المواقف المبدئية والممارسة السياسية. فعندما انتقلت أحزاب من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة، أو أصبحت جزءاً من تدبير المؤسسات، واجهت اختباراً صعباً: هل تستطيع تغيير قواعد اللعبة من داخلها، أم ينتهي بها الأمر إلى التكيف معها؟
وهنا تكمن المفارقة: قد يحتفظ الحزب بخطابه الديمقراطي، بينما تتراجع قدرته على تحويله إلى معركة سياسية ومؤسساتية مستمرة.
2. هل أضعفت المشاركة الحكومية استقلالية الخطاب اليساري؟
حين يصبح الحزب معنياً بالحفاظ على موقعه الحكومي أو الانتخابي، قد يتردد في إثارة أسئلة محرجة حول حدود صلاحيات الوزراء والمنتخبين، وحول دور الإدارة الترابية في اتخاذ القرار.
ولا يعني ذلك أن كل مشاركة حكومية تؤدي بالضرورة إلى التنازل عن المبادئ، بل إن الأمر يتوقف على قوة الحزب التنظيمية، واستقلالية قراره، ومدى استعداده لتحمل كلفة الاختلاف مع شركائه.
لقد شارك الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في حكومة التناوب سنة 1998، كما شارك حزب التقدم والاشتراكية في حكومات متعددة. وكان يفترض أن تتيح هذه التجارب فرصة لتوسيع المجال الديمقراطي، لا أن تتحول المشاركة في حد ذاتها إلى غاية سياسية.
ومن هنا يحق لنا أن نتساءل عن حصيلة هذه التجارب: ما الذي تحقق في مجال استقلالية القرار الحكومي، وتقوية المؤسسات المنتخبة، وإخضاع الإدارة للمساءلة الديمقراطية؟ وما الإصلاحات التي تعثرت، ولماذا؟
3. أزمة اليسار: أزمة أفكار أم أزمة تنظيم وقيادة؟
يمتلك اليسار المغربي رصيداً تاريخياً في الدفاع عن الحريات والنقابات والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. غير أن الرصيد التاريخي لا يكفي وحده لمواجهة تحولات المجتمع.
فحين تنشغل القيادات بصراعات المواقع، أو يتراجع حضور الفروع المحلية، أو تضيق فرص صعود أجيال جديدة، يصبح الحزب أقل قدرة على إنتاج مبادرات سياسية جريئة وعلى تحويل معاناة المواطنين إلى مشروع إصلاحي واضح.
والمطلوب ليس فقط أن يندد اليسار بضعف الديمقراطية التمثيلية، بل أن يقدم تصوراً عملياً لإصلاحها، وأن يبدأ بتطبيق الديمقراطية داخل تنظيماته نفسها.
فلا يمكن لحزب أن يطالب بتداول المسؤولية في مؤسسات الدولة، بينما يعجز عن تجديد قياداته أو ضمان مشاركة فعلية لقواعده في اتخاذ القرار.
4. لماذا تكتسب تصريحات أوجار دلالة خاصة؟
محمد أوجار ليس معارضاً يسارياً يتحدث من خارج السلطة؛ إنه قيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، ووزير عدل سابق، وفاعل سياسي سبق له الاشتغال في الصحافة والعمل الحقوقي.
ومن هنا تبرز أهمية ما نُسب إليه في النص المتداول: إذا كانت هذه التصريحات قد نقلت بدقة، فإنها تفتح نقاشاً يتجاوز المعارضة التقليدية، لأن صاحبها يتحدث من داخل حزب يقود الحكومة.
غير أن الأهمية السياسية للتصريح لا تعني أن جميع استنتاجاته أصبحت حقائق ثابتة. فالتوصيف المتعلق بصلاحيات المنتخبين، ودور الولاة والعمال، وحدود سلطة الوزراء، يحتاج إلى تدقيق في النصوص القانونية والممارسة المؤسساتية.
كما أن إثارة هذه القضايا من داخل الأغلبية تطرح سؤالاً إضافياً: هل يتعلق الأمر بتشخيص يراد منه فتح ورش للإصلاح، أم بموقف فردي لن يتحول إلى برنامج مؤسساتي واضح؟
إن قيمة البوح السياسي لا تُقاس بجرأة صاحبه وحدها، وإنما أيضاً بما يترتب عنه من اقتراحات وإجراءات ومحاسبة.
5. من يقرر فعلياً، ومن يتحمل المسؤولية؟
إذا صح أن المنتخبين لا يتحكمون إلا في جزء محدود من القرارات والموارد، بينما تتوزع السلطة الفعلية بين الحكومة والإدارة الترابية ومؤسسات أخرى، فإننا نكون أمام سؤال ديمقراطي جوهري:
كيف نطالب المواطن بمحاسبة المنتخبين في صناديق الاقتراع، إذا كانت صلاحياتهم الفعلية لا تسمح لهم بتنفيذ برامجهم كما وعدوا بها؟
وكيف يمكن للوزير أن يتحمل المسؤولية السياسية عن قطاعه إذا لم يمتلك الأدوات الإدارية اللازمة لتنفيذ اختياراته؟
وكيف يمكن محاربة الفساد إذا اقتصر النقاش على المنتخب الذي يوقّع، دون فحص المسار الكامل للقرار والصفقة والمراقبة والمحاسبة؟
هذه الأسئلة لا تعني إعفاء المنتخبين أو الوزراء من مسؤولياتهم القانونية والسياسية. فالفساد، إن ثبت، يظل مسؤولية من ارتكبه أو ساهم فيه، أياً كان موقعه. لكنها تعني أن المحاسبة الحقيقية يجب أن تشمل جميع حلقات القرار، وألا تتحول إلى تحميل طرف واحد مسؤولية منظومة كاملة.
6. الحكم الذاتي والجهوية: هل نحن أمام فرصة لإعادة بناء الحكامة؟
إن الربط بين تطور قضية الصحراء والحاجة إلى مراجعة الحكامة الترابية يستحق نقاشاً مستقلاً. فإذا كانت البلاد تتجه نحو نموذج متقدم للحكم الذاتي، فإن ذلك يطرح أسئلة حول توزيع الاختصاصات والموارد، والعلاقة بين الدولة المركزية والجهات، وحدود الرقابة الإدارية.
غير أن المقارنة بين الصلاحيات التي قد يمنحها أي نموذج للحكم الذاتي واختصاصات الجهات الأخرى لا تكفي وحدها لإثبات وجود «ديمقراطية بسرعتين». فذلك يتطلب مقارنة دقيقة بين الأطر الدستورية والقانونية، والموارد المتاحة، وآليات الرقابة والمساءلة.
ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً: لماذا لا تتحول ورش الجهوية المتقدمة إلى فرصة فعلية لتوسيع الديمقراطية المحلية، بدل أن تظل كثير من الجماعات والجهات محكومة بتوازن معقد بين المنتخبين والإدارة المركزية؟
7. هل ننتظر من اليمين أن يقول ما كان ينبغي لليسار أن يقوله؟
لا ينبغي أن تكون المسألة منافسة بين اليمين واليسار على امتلاك الحقيقة. فحين يكشف سياسي من الأغلبية اختلالاً في بنية السلطة، فإن الواجب هو مناقشة مضمون كلامه والتحقق من معطياته، لا رفضه بسبب انتمائه الحزبي.
لكن من حقنا أن نسأل اليسار المغربي: أين هي المبادرة السياسية التي تجعل من استقلالية القرار الحكومي، وتقوية المؤسسات المنتخبة، والديمقراطية الداخلية، وتكافؤ الفرص الانتخابية، مطالب يومية لا مجرد شعارات في البرامج؟
وأين هي القيادات التي تجرؤ على الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى اقتراح إصلاحات واضحة، حتى عندما تكون هذه الإصلاحات محرجة لحلفائها أو مكلفة لمواقعها السياسية؟
خاتمة: المطلوب أكثر من مجرد البوح.
إن ما نحتاج إليه ليس مجرد بوح عابر، مهما كانت أهميته، بل نقاش وطني مسؤول حول توزيع السلطة، واستقلالية القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار للاختيار الديمقراطي للمواطنين.
أما السؤال الذي أراه أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى اليسار المغربي، فهو: إذا كان بعض ما كشفه أوجار معروفاً منذ عقود في أدبيات اليسار ومطالبه، فلماذا لم يستطع اليسار أن يجعل منه، إلى اليوم، ورشاً إصلاحياً مركزياً ومستمراً، يعبئ حوله المواطنين ويفرضه في قلب النقاش العمومي؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي، ليس فقط لليسار، بل لكل حزب يعلن الدفاع عن الديمقراطية، سواء كان في الحكومة أو في المعارضة.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بمن يفوز في الانتخابات، بل كذلك بمدى قدرته على ممارسة السلطة التي انتُخب من أجلها، وبمدى خضوع جميع مراكز القرار للمساءلة.
