والاسلام ليس حزبًا سياسيًا.. قراءة نقدية مقاصدية في إشكالية توظيف الدين في الصراع على السلطة
الصادق العثماني:
إن من الإشكالات الفكرية والسياسية التي تستحق مراجعة عميقة في واقعنا العربي والإسلامي، إشكالية الخلط بين الإسلام بوصفه دينا ربانيا ورسالة إنسانية عالمية، وبين الأحزاب والجماعات السياسية التي تتخذ من المرجعية الإسلامية إطارا لعملها، أو تجعل من الخطاب الديني وسيلة للوصول إلى السلطة. فالإسلام أوسع من أن تختزله جماعة، وأسمى من أن تحتكره حركة، وأرحب من أن تحصره أيديولوجيا سياسية مهما كانت الشعارات التي ترفعها أو النيات التي يعلنها أصحابها.
لم يعرف المسلمون في عصر النبوة حزبا سياسيا بالمعنى التنظيمي والمؤسساتي المعاصر، ولم يكن الانتماء إلى جماعة حزبية شرطا لصحة الإسلام أو كمال الإيمان أو النجاة في الآخرة. لقد تأسس المجتمع الإسلامي الأول على رابطة العقيدة والأخوة والمسؤولية المشتركة، وجمعت الرسالة النبوية بين العبادة والأخلاق والعدل والشورى والتكافل، من غير أن تجعل من الإسلام ملكية حصرية لتنظيم سياسي بعينه. أما الأحزاب بصورتها الحديثة، فهي نتاج تطور تاريخي واجتماعي وسياسي، ارتبط بتحولات الدولة والمجتمع ومؤسسات الحكم، ولا يصح إسقاط بنيتها المعاصرة على عصر النبوة والصحابة إسقاطا مباشرًا.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين أمرين كثيرا ما يجري الخلط بينهما؛ الإسلام بوصفه دينا، والحزب الذي يتبنى مرجعية إسلامية بوصفه اجتهادا بشريا في المجال السياسي. فالأول وحي ومبادئ وقيم ومقاصد كبرى، والثاني مؤسسة بشرية قابلة للصواب والخطأ، والنجاح والإخفاق، والمحاسبة والمراجعة. ولا يكتسب الحزب عصمة لمجرد انتسابه إلى الإسلام، كما لا تصبح مواقفه مقدسة لمجرد أن قادته يستشهدون بالقرآن الكريم والسنة النبوية في خطاباتهم. فالقرآن الكريم لا يمنح صكوكا سياسية لأحد، والحديث النبوي ليس تفويضا مفتوحا لأي تنظيم كي يتحدث باسم الله أو يحتكر تفسير إرادته في المجال العام.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في وجود حزب ذي مرجعية إسلامية، وإنما في تحوله من وسيلة بشرية لخدمة المجتمع إلى سلطة رمزية تدعي تمثيل الإسلام ذاته؛ بحيث يصبح نقدها عند أتباعها نقدا للدين، ومعارضتها معارضة للشريعة، ومنافسة قيادتها خروجا عن الجماعة المسلمة أو خيانة للدين الإسلامي.
عند هذه النقطة، تتراجع السياسة بوصفها اجتهادا قابلًا للمساءلة، ويتحول التنظيم إلى مرجعية مغلقة تخلط بين مصالحها الخاصة ومصالح الأمة، وبين قرارات قيادتها وأحكام الشرع الحنيف، وبين الولاء الحزبي والالتزام الديني .
ومن منظور مقاصد الشريعة، فإن هذا الخلط يثير إشكالًا بالغ الخطورة؛ لأن المقاصد الكبرى، وفي مقدمتها حفظ الدين والنفس والعقل والمال والكرامة الإنسانية، لا يمكن اختزالها في بقاء تنظيم سياسي أو وصوله إلى الحكم. فحفظ الدين لا يعني حماية صورة حزب أو جماعة من النقد، وإنما يعني صيانة العقيدة من التوظيف والانتهاك، وحماية المجال الديني من الاستغلال الذي يجعل المقدس وسيلة لتحقيق مكاسب دنيوية. وحفظ العقل يقتضي تحرير الإنسان من التبعية العمياء، وتشجيعه على التفكير والنقد والمراجعة، بدل مطالبته بتعطيل عقله كلما تعارضت الحقيقة مع موقف الجماعة. أما حفظ المال والنفس والكرامة، فيقتضي مساءلة كل مشروع سياسي عن أثره الفعلي في حياة الناس، لا عن جمال شعاراته أو كثافة استشهاداته بالنصوص الدينية
لقد شهد التاريخ الإسلامي اختلافات سياسية وفقهية وفكرية واسعة، وظهرت فيه مدارس ومذاهب واتجاهات متعددة، لكن التاريخ لا يقدم صورة مثالية خالية من الصراع أو توظيف الدين في المنافسة على النفوذ. بل إن تجارب التاريخ نفسها تكشف ضرورة التمييز بين قداسة المبادئ ونسبية الممارسات البشرية. ولذلك، فإن الاستناد إلى التاريخ الإسلامي لا ينبغي أن يكون وسيلة لتقديس الماضي أو إدانة الحاضر بصورة مطلقة، وإنما أداة لفهم تطور المؤسسات والسلطة، واستخلاص الدروس من النجاحات والإخفاقات.
وبهذا المعنى، فإن القول إن الأحزاب السياسية بصورتها الحديثة لم تكن موجودة في عصر النبوة لا يكفي وحده للحكم ببطلانها شرعا؛ فغياب شكل مؤسساتي عن زمن معين لا يعني بالضرورة تحريمه، ما لم يقم دليل معتبر على المنع. كما أن الشورى، وتنظيم المصالح العامة، وتأسيس المؤسسات، وتعدد الاجتهادات السياسية، كلها أمور يمكن النظر إليها في ضوء
قواعد المصلحة المعتبرة والعدل ومنع الضرر. ومن ثم، فإن النقد المقاصدي الرصين لا يقوم على رفض التنظيم السياسي لمجرد حداثته، بل على مساءلة غاياته ووسائله ونتائجه ومدى التزامه بالقيم التي يعلن الانتساب إليها.
وتنطبق هذه المساءلة على مختلف التيارات الإسلامية، سواء اتخذت صورة أحزاب انتخابية معتدلة، أو حركات أيديولوجية مغلقة، أو جماعات تكفيرية، أو تنظيمات مسلحة ترفع شعارات الجهاد. غير أن جمع هذه التيارات في حكم واحد لا يلغي الفروق الجوهرية بينها في الفكر والوسائل والمواقف من الديمقراطية والعنف والتعددية وحقوق الإنسان.
فالحزب الذي يشارك في الانتخابات ويلتزم بالتداول السلمي للسلطة ليس كالتنظيم الذي يكفّر مخالفيه أو يستبيح دماءهم، كما أن اختلاف المرجعيات والبرامج يقتضي تقييما دقيقا لكل تجربة على حدة. ومع ذلك، لا يعفي أي تيار نفسه من المساءلة لمجرد رفعه شعار الإسلام؛ فالمعيار هو العدل واحترام الحقوق وصيانة الدماء والوفاء بالعقود وقبول المحاسبة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الأحزاب الإسلامية المعاصرة بوصفها أحزاب ذات نشأة تاريخية محددة، تبنت مشروعا دعويا وسياسيا، وتنوعت تجارب فروعها ومواقفها بحسب البلدان والظروف. لكن أعضاءها، شأنهم شأن أعضاء سائر الجماعات والأحزاب، ليسوا أنبياء ولا ملائكة، ولا يمثلون الإسلام تمثيلا حصريًا. إنهم بشر يصيبون ويخطئون، ويجتهدون فيصيبون أحيانا ويخطئون أحيانا أخرى، وتخضع ممارساتهم وقراراتهم للنقد والمراجعة. وهذا المبدأ لا يستهدف حزب بعينه أو جماعة بعينها، بل ينطبق على كل من يحاول تحويل الانتماء التنظيمي إلى معيار للإيمان أو الوطنية أو الاستقامة الأخلاقية.
ومن أخطر مظاهر تسييس الدين أن تتحول الجنة إلى استعارة انتخابية، وأن يُقدَّم التصويت لمرشح بعينه وكأنه طريق إلى رضا الله، أو أن يُصوَّر انتخاب المنافس بوصفه تفريطا في العقيدة. فالانتخابات مجال للاختيار بين البرامج والكفاءات والسياسات، وليست محكمة لتوزيع صكوك الغفران أو شهادات الإيمان. والناخب مسؤول عن اختياره وفق ما يراه من مصلحة وعدالة وكفاءة، بينما يبقى الحكم على السرائر والمآلات الأخروية لله تعالى وحده. قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ولا يجوز تحويل هذه الحقيقة العقدية إلى تفويض سياسي مطلق يمنح بشرا حق احتكار الحديث باسم الله في شؤون الحكم.
إن المسلم لا يحتاج إلى إذن من حزب كي يكون مسلما، ولا يحتاج إلى بطاقة عضوية في جماعة كي يتقرب إلى الله أو يرجو رحمته. فالعلاقة بين الإنسان وربه لا تمر بالضرورة عبر وسيط تنظيمي، ولا تتوقف صحة إيمانه على ولائه لقيادة سياسية أو شيخ معين. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153). ومع ذلك، فإن الآية لا تُتخذ ذريعة لتجريم كل تنظيم أو تعدد في الاجتهاد؛ بل تذكير بأن وحدة المرجعية الأخلاقية والدينية ينبغي ألا تتحول إلى انقسامات تجعل الولاء للأشخاص والكيانات مقدمًا على الحق والعدل.
والسياسة، في نهاية المطاف، تدبير لشؤون الناس وتحقيق لمصالحهم العامة، وليست تجارة بالدين ولا احتكارا للفضيلة. ومن حق المواطنين أن يسألوا الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية عن برامجها الاقتصادية، ومواقفها من الفقر والبطالة والفساد، واحترامها للحريات، وضماناتها لاستقلال القضاء، وموقفها من حقوق النساء والأقليات، وقبولها بالتعددية والتداول السلمي للسلطة. فهذه القضايا لا تجيب عنها الشعارات، وإنما تجيب عنها السياسات المعلنة والممارسات الواقعية والنتائج القابلة للفحص.
إن الإسلام لا يحتاج إلى حزب كي يعبده الناس، ولا يحتاج إلى جماعة كي تنتشر قيمه، لكنه لا يمنع الناس من التنظيم والتعاون على الخير والمصلحة العامة. والفارق كبير بين حزب يخدم المجتمع مسترشدا بقيم العدل والرحمة والأمانة، وحزب يجعل الدين غطاءً لحماية مصالحه أو تحصين قيادته من النقد. الأول ممارسة بشرية يجوز تقييمها بحسب أدائها، والثاني انحراف يستحق المساءلة بقدر ما يخلط المقدس بالمصلحة الخاصة.
وخلاصة القول، ان الإسلام دين للعالمين، وليس ملكًا حصريًا لحزب أو جماعة أو تيار. أما الأحزاب، مهما رفعت من شعارات، فهي مؤسسات بشرية تُقاس بصدق برامجها، وعدالة ممارساتها، واحترامها لكرامة الإنسان، وقدرتها على خدمة الصالح العام. فالدين مرجعية أخلاقية وروحية، والحزب أداة سياسية؛ وحين تتحول الأداة إلى وصيّ على الدين، يصبح واجب
لنقد والمراجعة أكثر إلحاحا.
