من العدالة والتنمية إلى الأصالة والمعاصرة: صورتان من مرحلتين سياسيتين وسؤال واحد حول تموقع حزب التقدم والاشتراكية.
قراءة سيميائية وسياسية في محطتين من محطات مشاركة محمد نبيل بنعبد الله في تدبير الشأن الحكومي.
بقلم، محمد خوخشاتي.
تتيح لنا صورتان فوتوغرافيتان، التُقطتا في مرحلتين مختلفتين من الحياة السياسية المغربية، فرصة القيام بقراءة سيميائية تتجاوز حدود المشهد الظاهر، لتلامس دلالاته السياسية والرمزية. فكلتاهما توثق لحظة حوار تجمع محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، برئيس أو رئيسة الحكومة، في سياق مفاوضات أو علاقات ترتبط بالمشاركة في تدبير الشأن العام.
الصورة الأولى توثق لقاءه بفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، خلال المفاوضات المتعلقة بمشاركة حزب التقدم والاشتراكية في الأغلبية الحكومية الجديدة. وقد سبق هذا اللقاء تعيين بنعبد الله وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة والتكوين المهني والتأهيل، وفق التسمية التي تقتضي مراجعة رسمية دقيقة للمحفظة الوزارية المعنية.
أما الصورة الثانية، فتعود بنا إلى مرحلة حكومية سابقة، وتُظهر محمد نبيل بنعبد الله في مواجهة مباشرة مع عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة آنذاك، حيث يبدو بنعبد الله بوجهه، بينما يظهر بنكيران من الجانب. وكان بنعبد الله يشغل حينها منصب وزير السكنى والتعمير وسياسة المدينة.
وبعيداً عن البعد التوثيقي للصورتين، فإن المقارنة بينهما تفتح المجال أمام قراءة سيميائية وسياسية لما تحمله كل واحدة منهما من إشارات حول علاقة الأحزاب السياسية بالسلطة التنفيذية، وطبيعة التحالفات الحكومية، ومدى قدرة حزب التقدم والاشتراكية على الحفاظ على هويته الإيديولوجية داخل أغلبيات متباينة المرجعيات.
1\. الصورة الأولى: السلطة في بعدها المؤسساتي والرسمي
تقدم الصورة الأولى مشهداً مؤسساتياً واضح المعالم، تتداخل فيه الرموز الوطنية مع رموز الشرعية السياسية والدستورية.
فحضور العلم الوطني وصورة الملك محمد السادس في خلفية المشهد ليس مجرد تفصيل ديكوري، بل يشكل عنصراً أساسياً في بنية الصورة ودلالتها. إنه يضع اللقاء في إطار مؤسسات الدولة واستمراريتها، ويضفي عليه طابعاً رسمياً يتجاوز مجرد اجتماع بين مسؤولين سياسيين.
أما طريقة جلوس الطرفين، وجهاً لوجه، فتُبرز طبيعة التواصل المباشر والتفاوض المتبادل. وتوحي حركة يدي رئيسة الحكومة بانخراطها في شرح أو عرض موقف، بينما يبدو بنعبد الله في وضعية إنصات وتفاعل.
إننا، من خلال هذه العناصر البصرية، أمام مشهد تفاوض سياسي يجري داخل فضاء مؤسساتي، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع مقتضيات تدبير السلطة التنفيذية.
غير أن السياق السياسي للقاء يمنحه دلالة إضافية؛ فهو يأتي في إطار المفاوضات بشأن مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في الأغلبية الحكومية الجديدة.
ومن ثم، فإن تعيين أمينه العام على رأس قطاع وزاري يعكس الانتقال من مرحلة التفاوض السياسي إلى مرحلة تحمل المسؤولية الحكومية.
2\. الصورة الثانية: السلطة في بعدها العلائقي والسياسي
تقدم الصورة الثانية مشهداً مختلفاً من حيث التكوين البصري والرسائل الرمزية.
فمحمد نبيل بنعبد الله يظهر بوجهه، في حين يبدو عبد الإله بنكيران بملامح جانبية. ويستحوذ التقارب بين وجهي الرجلين على مساحة الصورة، بما يجعل الانتباه منصباً على تعابيرهما ونظراتهما وطريقة تواصلهما.
وعلى خلاف الصورة الأولى، لا تشكل الرموز المؤسساتية العنصر الأساسي في المشهد، بل تحل محلها العلاقة المباشرة بين شخصيتين سياسيتين تنتميان إلى مرجعيتين حزبـيتين مختلفتين.
إن قرب المسافة بينهما يوحي بحوار مباشر، وربما بنقاش يتسم بالتركيز والتواصل الشخصي، دون أن يكون في مقدورنا استنتاج مضمون الحديث أو طبيعة التفاهمات من الصورة وحدها.
وتكتسب هذه الصورة أهميتها من سياقها التاريخي؛ فقد كان محمد نبيل بنعبد الله يشغل منصب وزير السكنى والتعمير وسياسة المدينة في حكومة عبد الإله بنكيران، التي قادها حزب العدالة والتنمية.
وبذلك، فإن الصورة تستحضر تجربة مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في حكومة يقودها حزب ذو مرجعية إسلامية، رغم الاختلافات السياسية والإيديولوجية بين الطرفين.
إنها صورة تختزل جانباً من تجربة التعاون الحكومي بين حزبين اختارا، في مرحلة معينة، تجاوز اختلافاتهما للمشاركة في تدبير الشأن العام.
3\. المقارنة السيميائية: صورتان، سياقان مختلفان وإشكالية سياسية واحدة
تكشف المقارنة بين الصورتين عن اختلافات واضحة في التكوين البصري والدلالات الرمزية.
فالصورة الأولى تمنح الأولوية للبعد المؤسساتي للقاء؛ إذ تحضر رموز الدولة بقوة، ويبرز الطابع الرسمي للمفاوضات من خلال المكان وطريقة جلوس الشخصيتين.
أما الصورة الثانية، فتمنح الأولوية للبعد الإنساني والعلائقي؛ إذ تتجه الأنظار إلى الوجوه والتعابير والتقارب بين المتحاورين، بما يعكس طبيعة التواصل المباشر بين شريكين في العمل الحكومي.
ويختلف كذلك الأشخاص الذين تجمعهم لحظة الحوار. ففي المرحلة السابقة، كان عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، هو الطرف المقابل لبنعبد الله. أما اليوم، فتتولى فاطمة الزهراء المنصوري، المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، قيادة الحكومة في السياق السياسي الذي تصفه المعطيات المقدمة.
كما تختلف المسؤوليات الوزارية التي تحملها الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية بين المرحلتين. فقد تولى في حكومة بنكيران وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة، بينما يتولى في المرحلة الجديدة حقيبة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، وفق المعطيات التي تستوجب مطابقتها مع التسمية الرسمية للقطاع.
تتغير إذن الديكورات، ويتغير المحاورون، وتتبدل الحقائب الوزارية، كما تتغير التحالفات والتوازنات الحزبية.
لكن ثمة عنصر استمرارية يفرض نفسه: حضور حزب التقدم والاشتراكية في حكومات تقودها أحزاب تختلف عنه في مرجعياتها وتوجهاتها الإيديولوجية.
بالأمس حزب العدالة والتنمية، واليوم حزب الأصالة والمعاصرة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المقارنة.
4\. من المشاركة الحكومية إلى إشكالية الهوية الإيديولوجية لحزب التقدم والاشتراكية
إن تعاقب التجربتين الحكوميتين يطرح سؤالاً جوهرياً حول الغاية السياسية من مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في حكومات متباينة المرجعيات والتوجهات.
ليس المقصود، بطبيعة الحال، الاعتراض المبدئي على مشاركة حزب يساري في حكومة ائتلافية؛ فالتحالفات السياسية، في الأنظمة الديمقراطية التعددية، قد تكون ضرورة تفرضها موازين القوى، كما أن التوافقات والتنازلات المتبادلة تشكل جزءاً من الممارسة السياسية.
غير أن المشاركة الحكومية لا ينبغي أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها.
فبالنسبة إلى حزب يستند إلى إرث الحركة الشيوعية المغربية، ويتبنى مرجعية الاشتراكية الديمقراطية، ويدعي الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الشعبية، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على استقلاليته السياسية وهويته الإيديولوجية.
إن المشاركة في الحكومة ينبغي أن تكون مناسبة للدفاع عن اختيارات برنامجية واضحة، والتأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والنهوض بالمرافق العمومية، والمساهمة في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
كما ينبغي أن تقترن بمساءلة حقيقية أمام المناضلين والمواطنين الذين وضعوا ثقتهم في المشروع السياسي للحزب.
ومن هنا تبرز مجموعة من التساؤلات المشروعة:
هل يمتلك حزب التقدم والاشتراكية هامشاً كافياً للدفاع عن توجهاته داخل هذه الأغلبيات؟
وهل تعكس اتفاقات التحالف الحكومي بالفعل الأولويات الاجتماعية والاقتصادية التي يدافع عنها الحزب؟
وهل تعزز المشاركة الحكومية مصداقيته السياسية، أم أنها قد تساهم تدريجياً في طمس معالم هويته الإيديولوجية؟
ثم، أي مكانة يمنحها الحزب لتطلعات الفئات الشعبية التي طالما اعتبر الدفاع عن مصالحها جزءاً من تاريخه النضالي؟
إن هذه الأسئلة لا تهم الوزراء وحدهم، بل تشمل أيضاً القيادة الحزبية والمؤسسات التنظيمية والمناضلين وكل القوى التي ما زالت متشبثة بالهوية التاريخية لحزب التقدم والاشتراكية.
5\. صورتان وسؤال واحد حول الوظيفة السياسية للحزب
عندما نضع الصورتين جنباً إلى جنب، فإننا نستحضر محطتين من المسار الحكومي للمسؤول السياسي نفسه.
بالأمس، كان بنعبد الله يتحاور مع عبد الإله بنكيران، رئيس حكومة اختار حزب التقدم والاشتراكية المشاركة فيها، متحملاً مسؤولية وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة.
واليوم، نجده في لقاء مع فاطمة الزهراء المنصوري، في سياق المفاوضات المتعلقة بمشاركة الحزب في أغلبية حكومية جديدة، قبل توليه حقيبة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، بحسب المعطيات المتداولة.
وبين المحطتين، تغيرت التحالفات، وتبدلت موازين القوى، وتجددت الشخصيات التي تقود الجهاز التنفيذي، كما تغيرت طبيعة المسؤوليات الحكومية.
لكن السؤال الجوهري ظل قائماً: كيف يمكن التوفيق بين المشاركة في ممارسة السلطة والوفاء للمبادئ والقيم والمشروع السياسي الذي يشكل أساس هوية حزب التقدم والاشتراكية؟
فالحزب السياسي لا تُقاس هويته فقط بالحكومات التي يشارك فيها، ولا بعدد الحقائب الوزارية التي يحصل عليها.
إنما تتحدد هويته أيضاً، وبالأساس، من خلال القناعات التي يدافع عنها، والالتزامات التي يفي بها، ومدى قدرة ممثليه على ترجمة مشروعه الإيديولوجي إلى سياسات عمومية ملموسة.
إن المقياس الحقيقي لنجاح المشاركة الحكومية لا يكمن في الوصول إلى مواقع المسؤولية، بل في القدرة على جعل القيم والالتزامات التي تبرر وجود الحزب ومشروعه السياسي حاضرة ومؤثرة في الاختيارات الحكومية.
صورتان، مرحلتان سياسيتان، وشريكان حكوميان مختلفان. لكن السؤال واحد: هل يشارك حزب التقدم والاشتراكية في السلطة من أجل التأثير في السياسات العمومية وتوجيهها وفق مشروعه المجتمعي، أم أن مشروعه السياسي أصبح مهدداً بالتراجع أمام استمرار حضوره في الحكومات المتعاقبة؟
●○○●○○●○○●
ملاحظة تحريرية: تستند هذه القراءة إلى الدلالات البصرية للصورتين والسياق السياسي المقدم بشأنهما. ولا تسمح الصورة وحدها بالجزم بمضمون المفاوضات أو النوايا الشخصية للأطراف.
