القرآن الكريم في مواجهة ثقافة التشهير والاتهام والتسرع في إطلاق الأحكام..

القرآن الكريم في مواجهة ثقافة التشهير والاتهام والتسرع في إطلاق الأحكام..
شارك

الصادق العثماني:

 من أخطر الأمراض الأخلاقية التي يمكن أن تصيب المجتمعات أن يصبح الناس أسرع إلى تصديق الاتهامات من بحثهم عن الحقيقة، وأشد حرصاً على نقل الأخبار من حرصهم على التحقق من صحتها، وأقرب إلى إصدار الأحكام من استعدادهم للاستماع إلى الأطراف المعنية. إنها آفة سوء الظن، والتسرع في تناقل الأخبار، وتحويل الشائعات والانطباعات الشخصية إلى حقائق يتداولها الناس وكأنها أحكام نهائية لا تقبل المراجعة.

والمؤسف أن هذه الظاهرة باتت تتسع في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكفي صورة مبتورة، أو مقطع فيديو لا تتجاوز مدته ثواني معدودة، أو تعليق من شخص مجهول، لإشعال موجة من الاتهامات والتشهير، وربما إسقاط سمعة إنسان بنى مكانته العلمية أو الاجتماعية على مدى سنوات طويلة. والأشد خطورة أن بعض الناس يمارسون هذه السلوكيات وهم يعتقدون أنهم يدافعون عن الدين، أو ينتصرون للحق، أو يحمون المجتمع من الانحراف، دون أن ينتبهوا إلى أنهم قد يقعون في معاصٍ أخلاقية وشرعية أشد خطراً من الخطأ الذي يتوهمون أنهم يحاربونه.

لقد جاء الإسلام بمنظومة أخلاقية متكاملة لا تفصل بين صحة الاعتقاد واستقامة السلوك، ولا بين العبادات وصيانة حقوق الناس وأعراضهم. فكما أمرنا الله تعالى بالتحري عن الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والمعاملات، أمرنا كذلك بأن نتحرى الحلال والحرام في أقوالنا وأحكامنا على الآخرين. وليس من الاستقامة أن يتشدد الإنسان في السؤال عن مصدر طعامه، ثم يتساهل في نقل اتهام يمس عرض مسلم، أو أن يتثبت في درهم من ماله، ثم لا يتثبت في كلمة قد تهدم كرامة إنسان وتسيء إلى سمعته.

ومن هنا وضع القرآن الكريم قاعدة أخلاقية عظيمة في التعامل مع الأخبار، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6). وهذه الآية لا تقدم مجرد توجيه أخلاقي عابر، وإنما تؤسس لمنهج قرآني في التعامل مع المعلومات، قوامه التثبت قبل التصديق، والتحقق قبل إصدار الأحكام، واستحضار عواقب الكلام قبل نشره وتداوله. فكم من إنسان ظُلم بسبب خبر لم يُتحقق منه، وكم من علاقة إنسانية هُدمت بسبب رواية كاذبة، وكم من فتنة اتسعت لأن أحدهم نقل ما سمع دون أن يسأل عن مصدره أو يتأكد من صحته.

ولم يقف القرآن عند الأمر بالتثبت، بل انتقل إلى معالجة الجذور النفسية والأخلاقية التي تنتج عنها الأحكام الجائرة، فقال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (الحجرات: 12). فالظن السيئ قد يكون بداية سلسلة من التجاوزات؛ يبدأ الأمر بتأويل تصرف غامض، ثم يتحول التأويل إلى اتهام، والاتهام إلى حديث في المجالس، والحديث إلى غيبة، وربما ينتهي الأمر بالبهتان والتشهير. وهكذا يصبح الإنسان شريكاً في ظلم غيره، لا لأنه امتلك دليلاً، وإنما لأنه استسلم لشكوكه وأوهامه.

وفي هذا السياق، يقرر القرآن مبدأ المسؤولية الفردية عن المعرفة والكلمة، فيقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء: 36). وهي آية تجعل الإنسان مسؤولاً ليس فقط عما يقوله، بل أيضاً عما يسمعه ويبصره ويعتقده، وعن الطريقة التي يوظف بها هذه المعطيات في الحكم على الآخرين. فليس كل ما نسمعه حقيقة، وليس كل ما نشاهده يعبر عن الصورة الكاملة، وليس كل تفسير يخطر ببالنا هو التفسير الصحيح.

وتتجلى خطورة هذا السلوك بصورة أوضح في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: 15). فالقرآن هنا يلفت انتباهنا إلى خطورة الاستهانة بالكلمات، وإلى أن ما قد نعدّه تعليقاً عابراً أو نقلاً بريئاً قد يكون عند الله عظيماً لما يترتب عليه من أذى وفتنة وانتهاك لحرمات الناس.

وقد جاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المنهج القرآني وتغرسه في سلوك المسلمين، فقال رسول الله ﷺ: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه. وقال أيضاً: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم في مقدمته. وهذا الحديث الأخير يحمل دلالة عميقة، إذ يجعل مجرد نقل كل ما يصل إلى الإنسان دون تمحيص ضرباً من الكذب، حتى وإن لم يكن الناقل هو من اختلق الخبر ابتداءً؛ لأنه يتحول إلى حلقة في سلسلة نشر معلومات قد تكون باطلة أو مضللة.

ومن أعظم ما قرره الإسلام في هذا الباب التمييز بين الغيبة والبهتان؛ فقد سأل النبي ﷺ أصحابه عن الغيبة، فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: «ذكرك أخاك بما يكره». فقيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» رواه مسلم. وهذا التوجيه النبوي يهدم كثيراً من المبررات التي يتذرع بها الناس لتسويغ الإساءة إلى الآخرين؛ فكون المعلومة صحيحة لا يجعل نشرها مباحاً في كل الأحوال، كما أن كونها غير صحيحة يجعلها بهتاناً أشد جرماً وخطورة.

ولا يعني حسن الظن أن نلغي عقولنا، أو نتجاهل الأخطاء الثابتة، أو نمنح أحداً حصانة مطلقة من النقد والمساءلة؛ فالنقد الموضوعي حق، وكشف الخطأ الثابت قد يكون واجباً بحسب المصلحة والظروف. لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد القائم على الدليل والاتهام القائم على الوهم، وبين النصيحة التي تقصد الإصلاح والتشهير الذي يستهدف الإساءة، وبين المساءلة العادلة والمحاكمة الشعبية التي لا تمنح المتهم فرصة للتوضيح أو الدفاع عن نفسه.

ومن مقتضيات العدل الإسلامي أن نستمع إلى الأطراف المعنية، وأن نبحث عن السياق الكامل للواقعة، وأن نميز بين الحقيقة والتأويل، وبين الخطأ العارض والسلوك المتعمد، وألا نجعل خلافاتنا الشخصية أو الفكرية مبرراً للنيل من كرامة الآخرين. فليس كل من اختلفنا معه يستحق أن نسقطه، وليس كل من أخطأ في موقف يستحق أن نهدر تاريخه كله، وليس كل رواية تصلنا عن إنسان ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية.

وقد عبّر التراث الإسلامي عن هذه الروح في مقولة مشهورة: «التمس لأخيك عذراً»، وتُروى بصيغ متعددة تتضمن التماس سبعين عذراً، وهي وإن لم تثبت حديثاً نبوياً، فإن معناها ينسجم مع أصول حسن الظن والعدل والرحمة التي قررها الإسلام. فحين تغيب عنا بعض تفاصيل الواقعة، لا ينبغي أن نملأ الفراغ بالاتهامات، بل بالتواضع المعرفي والاعتراف بأننا قد نجهل جوانب من الحقيقة.

إننا اليوم بحاجة إلى مراجعة عميقة لثقافة التعامل مع الأخبار، وإلى تربية إيمانية تعيد الاعتبار لقيمة الستر، وحسن الظن، والإنصاف، والتثبت. فليس كل ما يُنشر يستحق المشاركة، وليس كل ما يُقال يستحق التصديق، وليس كل ما نعرفه عن الآخرين يحق لنا أن نتحدث به. وقد يكون الصمت في بعض المواقف عبادة، وقد يكون الامتناع عن إعادة نشر اتهام غير موثق موقفاً أخلاقياً يرفع صاحبه عند الله.

فلنتذكر أن أعراض الناس ليست مجالاً للتسلية، وأن كرامتهم ليست مادة للتجارب والتأويلات، وأن الكلمة التي نطلقها قد لا نستطيع استرداد آثارها ولو اعتذرنا بعد ذلك. ولنستحضر دائماً قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18).

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *