بيان فكري شامل حول عودة منطق القوة وتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ. من فلسطين إلى إيران وأوكرانيا وإفريقيا: عالم ازدواجية المعايير والإفلات من العقاب.
بقلم محمد خوخشاني.
يشهد العالم تحوّلاً عميقاً في بنية النظام الدولي. فبعد عقود من الترويج لخطاب القانون الدولي وحقوق الإنسان، عادت القوة العارية لتصبح الأداة الحاسمة في إدارة الصراعات وتحديد مصير الشعوب. لم يعد احترام السيادة قاعدة ناظمة، بل استثناءً مشروطاً بموازين القوة والانتماء إلى محاور النفوذ.
- من نظام قانوني إلى إدارة بالقوة.
تعتمد القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، سياسة تقوم على أولوية المصالح الاستراتيجية على أي التزام أخلاقي أو قانوني. التدخلات العسكرية، العقوبات، الحروب بالوكالة، ومحاولات تغيير السلوك أو الأنظمة، تحولت إلى أدوات “مشروعة” حين تتعارض خيارات الدول الضعيفة مع مصالح الكبار.
أوكرانيا مثال صارخ على ذلك: دولة ذات سيادة تحولت إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، تُستنزف فيها الأرض والإنسان باسم توازنات جيوسياسية لا مكان فيها لحماية المدنيين.
- غزة: جوهر المأساة ومرآة النظام العالمي.
تظل فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، المثال الأوضح على انهيار منظومة العدالة الدولية. فمنذ احتلال 1967، تمارس إسرائيل سياسة استعمارية قائمة على التوسع والحصار والعقاب الجماعي. تحولت غزة إلى سجن مفتوح، يخضع لحصار شامل، ويُحرم سكانه من أبسط حقوقهم.
لا يمكن فهم أحداث السابع من أكتوبر خارج هذا السياق الطويل من الخنق السياسي والاقتصادي، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. أما الرد الإسرائيلي، فقد اتخذ طابع التدمير الشامل، مستهدفاً المدنيين والبنى التحتية ووسائل الحياة، في أفعال ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
هذه الجرائم ما كانت لتستمر لولا الدعم العسكري والسياسي غير المشروط من الولايات المتحدة وحلفائها، وصمت أنظمة عربية اختارت الحفاظ على توازناتها الداخلية بدل الانحياز للعدالة.
- إيران: “الوقوف مع الشعب” كأداة سياسية.
في هذا السياق، يبرز الخطاب الدولي حول إيران، كما عُبّر عنه في كلمات ممثلي الولايات المتحدة بمجلس الأمن، باعتباره نموذجاً صارخاً لانتقائية حقوق الإنسان. تُتهم إيران بدعم الإرهاب، وانتهاك حقوق الإنسان، وقطع الإنترنت، وتهديد الاستقرار الإقليمي، ويُقال إن “الوقوف مع الشعب الإيراني” واجب أخلاقي.
غير أن السؤال الجوهري هو: لماذا الشعب الإيراني وحده؟
لا شك أن النظام الإيراني يتحمل مسؤوليات داخلية وخارجية، وأن سجل حقوق الإنسان فيه قابل للنقد والمساءلة. لكن تحويل “الشعب الإيراني” إلى محور تضامن حصري، مع تجاهل شعوب عربية وإسلامية أخرى تعاني القمع ذاته أو أشد، يكشف أن القضية ليست حقوق الإنسان، بل توظيفها سياسياً.
حقوق الإنسان تُستدعى بقوة حين يتعلق الأمر بدولة خارجة عن المحور الغربي، وتُعلَّق أو تُدار بالصمت حين يكون النظام المعني حليفاً استراتيجياً. وهكذا يصبح الخطاب الحقوقي أداة ضغط وتفكيك، لا مبدأً كونيّاً.
المفارقة الصارخة أن هذا الخطاب يُقال في الوقت نفسه الذي يُصمت فيه عن حصار غزة وتجويع سكانها، وعن الانتهاكات في دول أخرى تُصنَّف ضمن “المعسكر الصديق”. العدالة التي تُجزَّأ تفقد معناها الأخلاقي.
- إفريقيا والشرق الأوسط: صراعات تحت الوصاية.
في السودان، وإفريقيا الوسطى، ومناطق أخرى من القارة الإفريقية، تتغذى النزاعات الداخلية من تدخلات خارجية، وسلاح، ومرتزقة، وصراع على الموارد. تُفتَّت الدول، وتُنهك المجتمعات، بينما تُقدَّم هذه الأزمات كصراعات محلية، في حين أن جذورها مرتبطة بالتنافس الدولي.
أما الشرق الأوسط، فيُدار بمنطق مناطق النفوذ، والتحالفات القسرية، والضربات الاستباقية، بما يضمن استمرار الهيمنة لا تحقيق الاستقرار.
- عسكرة العالم واقتصاد الحرب
تشهد ميزانيات الدفاع في الدول الكبرى زيادات غير مسبوقة، فيما تحقق صناعة السلاح أرباحاً هائلة. لم تعد الحرب فشلاً للسياسة، بل امتداداً اقتصادياً لها. وكلما طال أمد النزاعات، تراجعت فرص السلام وتعاظمت مصالح المجمعات العسكرية.
اتمة: موقف ومسؤولية.
إن ما يحدث في غزة، وإيران، وأوكرانيا، والسودان، وإفريقيا الوسطى، ليس أحداثاً منفصلة، بل حلقات في نظام عالمي يقوم على ازدواجية المعايير. في هذا العالم، لا تُمنح السيادة ولا تُصان الحقوق إلا بقدر ما يسمح به ميزان القوة.
إن الوقوف الحقيقي مع الشعوب لا يكون انتقائياً ولا مشروطاً بالاصطفاف السياسي. العدالة التي لا تشمل الجميع ليست عدالة، بل أداة هيمنة. وغزة ستبقى شاهداً على أن القوة قد تفرض واقعاً، لكنها لا تصنع شرعية.
