« الغطاء الروسي ».. حقيقة الموقف الروسي من التصعيد في الخليج بين الخطاب الناري والحسابات الباردة.

« الغطاء الروسي ».. حقيقة الموقف الروسي من التصعيد في الخليج بين الخطاب الناري والحسابات الباردة.
شارك

تحليل/ محمد خوخشاني.

في خضم التصعيد الدراماتيكي الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، ومع احتدام المواجهة بين إيران والولايات المتحدة على خلفية الضربات المتبادلة والتلويح باستهداف المنشآت النووية، خرج مندوب روسيا لدى مجلس الأمن بتصريحات وصفت بأنها « قنبلة دبلوماسية ». تصريحات قيل إنها تشرعن استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وتعلن سقوط القرارات الدولية ضد طهران، وتنقل المعركة إلى قلب « سنتكوم » والأسطول الخامس.

ولكن، ما حقيقة هذه التصريحات؟ وهل تمثل روسيا بالفعل « غطاءً واقياً » لإيران في مواجهة ضربة أمريكية وشيكة، أم أن موسكو تناور بورقة الخليج لرفع سقف مساومتها في أوكرانيا؟

الموقف الروسي: دفاع دبلوماسي مشروط لا « شرعنة استهداف »

خلافاً للصورة المتفجرة التي تناقلتها بعض التحليلات، فإن الموقف الروسي الفعلي في مجلس الأمن كان أكثر دقة وبراغماتية. صحيح أن موسكو عارضت مشروع القرار المقدم من البحرين، ووصفته بـ « غير المتوازن »، إلا أنها لم تستخدم حق النقض (الفيتو) ضده. النتيجة كانت امتناع روسيا والصين عن التصويت على القرار 2817، الذي أدان هجمات الحوثيين المدعومين من إيران، وتم اعتماده بـ 13 صوتاً.

لم تكتفِ موسكو بالمعارضة السلبية، بل تقدمت بمشروع قرار بديل يدعو إلى « الوقف الفوري للأنشطة العسكرية » لجميع الأطراف ويشجع على العودة إلى طاولة المفاوضات. المشروع الروسي لم يحظَ بالقبول الكافي وفشل في التصويت، لكنه كشف عن استراتيجية واضحة: موسكو تريد لعب دور « الوسيط المدافع » عن حليفتها إيران، وليس « الشريك المهاجم » معها ضد القواعد الأمريكية.

المندوبة الروسية، آنا يفستيغنيفا، كانت حريصة على توجيه الانتقاد للجميع، وليس فقط لإسرائيل أو الولايات المتحدة. هذا الموقف المتوازن ظاهرياً يعكس رغبة روسيا في الحفاظ على علاقاتها مع دول الخليجي، حتى وهي تقدم الغطاء السياسي لطهران.

« حماية حقيقية » أم « مناورة أوكرانية »؟

الرهان الأكبر في تحليل الموقف الروسي يدور حول السؤال الجوهري: هل تحمي روسيا إيران فعلياً من ضربة أمريكية وشيكة؟

تشير الوقائع إلى أن الإجابة أقرب إلى « المناورة » منها إلى « الحماية الحقيقية ».

  1. انشغال الجبهة الأوكرانية: الحرب في أوكرانيا لا تزال تستهلك القدر الأكبر من الموارد العسكرية والاقتصادية الروسية. فتح جبهة مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في الخليج سيكون مغامرة غير محسوبة، ويخرج عن القواعد الراسخة للسياسة الروسية التي تتجنب دائماً المواجهة المباشرة مع القوى العظمى.
  2. اتفاقية بلا بنود دفاعية: اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها روسيا وإيران مطلع عام 2025، ورغم أهميتها، لا تتضمن بند الدفاع المشترك. موسكو غير ملزمة عسكرياً بالتدخل لصالح طهران إذا تعرضت لهجوم. الحماية المقدمة هي في ساحات الأمم المتحدة وقاعات الدبلوماسية، لا في سماء الخليج ومضيق هرمز.
  3. المصلحة في استمرار التوتر: من مصلحة روسيا أن يستمر التصعيد في الشرق الأوسط، لا أن يتحول إلى حرب شاملة. استمرار التوتر يعني:
  • ارتفاع أسعار النفط والغاز: وهو شريان حياة للاقتصاد الروسي في مواجهة العقوبات الغربية.
  • انشغال واشنطن: كل برميل نفط يشتعل في الخليج يعني تراجعاً نسبياً في الدعم العسكري والاستخباري الأمريكي لأوكرانيا.
  • تعزيز الدور الروسي: الأزمات ترفع قيمة اللاعبين الكبار. موسكو تقدم نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية إقليمية.

مضيق هرمز: قنبلة الاقتصاد العالمي الموقوتة

في خلفية هذه المناورات الدبلوماسية، يظل مضيق هرمز هو الورقة الأكثر خطورة على الطاولة. فإيران تمتلك القدرة على تعطيل الملاحة في المضيق، ورقة استخدمتها تهديداً ووعيداً لعقود.

ماذا يعني إغلاق هرمز للعالم؟

  • صدمة نفطية هائلة: 20 مليون برميل يومياً، أي خمس الاستهلاك العالمي، تمر عبر هذا الممر الضيق. إغلاقه يعني شطب هذه الكميات من السوق فجأة.
  • شلل صادرات الغاز: الوضع أكثر كارثية بالنسبة للغاز الطبيعي المسال. قطر، أكبر مصدر في العالم، تصدر كل إنتاجها تقريباً عبر هرمز. لا توجد بدائل فورية قادرة على نقل هذه الكميات الهائلة.
  • ارتفاع جنوني للأسعار: شاهدنا بداية التأثير مع وصول برنت إلى 100 دولار. الإغلاق الكامل والمطوّل سيعني أسعاراً قياسية غير مسبوقة، تغذي تضخماً عالمياً وتهدد بركود كبير.
  • البدائل غير كافية: خط الأنابيب السعودي « شرق-غرب » وخط الإمارات « حبشان-الفجيرة » مجتمعين لا يملكان قدرة تعويض أكثر من 30% من النفط المار عبر هرمز، وهما غير مجهزين للغاز المسال.

خلاصة: روسيا تلهب الخطاب… وتتجنب النار

ما نشهده هو مسرحية دبلوماسية معقدة، تتحرك فيها روسيا على حبل رفيع. موسكو تريد أن تحصد مكاسب التحالف مع إيران دون أن تدفع ثمن مواجهة مع الغرب. تريد أن تظهر كحامٍ لإيران في المحافل الدولية، وفي الوقت نفسه تبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع دول الخليج والولايات المتحدة.

التهديد باستهداف القواعد الأمريكية في الخليج هو جزء من هذه المسرحية. هو « خط أحمر » روسي يهدف إلى ردع واشنطن عن توجيه ضربة عسكرية شاملة لإيران، لكنه ليس تصريحاً باستهداف هذه القواعد. روسيا تريد ترويض النمر الإيراني، لا أن تمتطيه في حرب لا تُحمَد عقباها.

الرسالة الروسية لدول الخليج واضحة: « الاحتماء بالقواعد الأمريكية قد يجعلكم في مرمى النيران »، لكن تنفيذ هذا التهديد يبقى في جيب موسكو، ولن تسحب ورقة استهداف القواعد إلا إذا استُهدفت هي نفسها أو حليفتها إيران بشكل وجودي. وإلى أن يحين ذلك، تبقى المواجهة في أروقة الأمم المتحدة، لا في سماء الخليج.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *