الحرب التي لا تُرى: كيف أعادت الصين تعريف الصراع العالمي في كتاب «الحرب الخفية»؟

الحرب التي لا تُرى: كيف أعادت الصين تعريف الصراع العالمي في كتاب «الحرب الخفية»؟
شارك

محمد السميري:

في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث داخل مراكز التفكير الأمريكية يدور فقط حول الحروب العسكرية التقليدية أو سباقات التسلح النووي، بل بدأ يتجه أكثر نحو سؤال جديد: كيف يمكن لدولة أن تصبح قوة مهيمنة عالميًا دون أن تطلق رصاصة واحدة؟ هذا السؤال يشكل العمود الفقري لكتاب «الحرب الخفية: كيف تمكنت الصين من السيطرة على غفلة من النخبة الأمريكية» للضابط الأمريكي المتقاعد Robert Spalding، الذي صدر سنة 2019 في سياق تصاعد التوتر الأمريكي الصيني، واشتداد الحرب التجارية بين إدارة Donald Trump وبكين، وتنامي المخاوف الأمريكية من فقدان التفوق الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.

الكتاب ليس مجرد دراسة عن الصين، بل هو تعبير عن تحول عميق داخل العقل الإستراتيجي الأمريكي نفسه. فمنذ نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تؤمن بأن إدماج الصين في الاقتصاد العالمي سيقود تدريجيًا إلى تحويلها إلى دولة ليبرالية ديمقراطية شبيهة بالنموذج الغربي، غير أن ما حدث – حسب أطروحة الكتاب – كان العكس تمامًا. فالصين لم تذب داخل النظام الليبرالي العالمي، بل استغلته لإعادة بناء قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، ثم بدأت تنافس الغرب من داخله وبأدواته نفسها.

ينطلق سبولدينغ من فكرة أساسية تقول إن مفهوم الحرب تغير جذريًا في القرن الحادي والعشرين. فالحرب لم تعد تعني الجيوش والدبابات فقط، بل أصبحت تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، والإعلام، والفضاء الرقمي. هنا يستعيد الكتاب بصورة ضمنية أفكار كتاب «الحرب غير المقيّدة» الذي ألفه ضباط صينيون في التسعينيات، والذي دعا إلى استخدام كل الوسائل الممكنة لإضعاف الخصوم دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وبهذا المعنى، يرى المؤلف أن الصين لم تخض حربًا تقليدية ضد الولايات المتحدة، بل خاضت «حرب استنزاف هادئة» طويلة المدى، تعتمد على التغلغل داخل الاقتصاد العالمي، والسيطرة على التكنولوجيا، واختراق شبكات النفوذ السياسي والمالي والإعلامي.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في توصيفه لصعود الصين، بل في كونه يعكس أزمة داخلية أمريكية عميقة. فالمؤلف لا يحمل المسؤولية للصين وحدها، بل يوجه نقدًا حادًا للنخب الأمريكية السياسية والاقتصادية التي – بحسب رأيه – ساهمت بنفسها في تقوية الصين عبر نقل المصانع والتكنولوجيا ورؤوس الأموال إليها تحت شعار العولمة والسوق الحرة. وهنا يظهر البعد الأيديولوجي للكتاب بوضوح، إذ يهاجم ما يسميه «الوهم الليبرالي» القائل بأن السوق الحر سيؤدي تلقائيًا إلى نشر الديمقراطية والقيم الغربية.

من هذه الزاوية، يمكن فهم الكتاب باعتباره جزءًا من موجة فكرية أمريكية جديدة بدأت تتشكل بعد الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وهي موجة تشكك في العولمة نفسها، وترى أن الولايات المتحدة خسرت جزءًا كبيرًا من قوتها الصناعية لصالح الصين. لذلك فالكتاب لا يعبر فقط عن خوف من الصين، بل أيضًا عن خوف أمريكي من تراجع النموذج الأمريكي ذاته.

يقدم المؤلف الصين بوصفها نموذجًا مختلفًا عن الرأسمالية الغربية التقليدية. فهي – حسب رأيه – ليست اقتصادًا حرًا بالمعنى الليبرالي، بل نظام هجين يجمع بين الرأسمالية والسلطوية السياسية، حيث تتحكم الدولة والحزب الشيوعي في الاقتصاد والشركات والتكنولوجيا ضمن مشروع قومي موحد. ومن هنا تأتي خطورة الصين بالنسبة للمؤلف، لأنها لا تفصل بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي، بل تنظر إليها باعتبارها أدوات متكاملة داخل مشروع الهيمنة العالمية.

ويتجلى هذا الطرح خصوصًا في حديثه عن التكنولوجيا والجيل الخامس والذكاء الاصطناعي. فالكتاب يعتبر أن السيطرة على البنية التحتية الرقمية العالمية أخطر من السيطرة العسكرية التقليدية، لأن من يسيطر على البيانات والاتصالات يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الوعي الجماعي. لذلك ركز المؤلف بشكل كبير على شركات مثل Huawei، معتبرًا أن الصراع حول شبكات الجيل الخامس ليس صراعًا تقنيًا فقط، بل معركة على النفوذ العالمي في القرن الجديد.

كما يتوقف الكتاب عند قضية «سرقة الملكية الفكرية» ونقل التكنولوجيا، حيث يرى أن الصين استفادت لعقود من انفتاح الشركات الغربية ومن هشاشة القوانين الدولية للحصول على التكنولوجيا المتقدمة. لكن هنا يطرح التحليل النقدي سؤالًا مهمًا: هل كان صعود الصين مجرد نتيجة «سرقة» كما يصور الكتاب، أم أنه أيضًا نتيجة استثمار ضخم في التعليم والبحث العلمي والتخطيط الإستراتيجي طويل المدى؟ فالكتاب أحيانًا يسقط في نزعة تبسيطية تجعل الصين تبدو وكأنها مجرد قوة انتهازية، بينما يتجاهل التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي عاشها المجتمع الصيني منذ إصلاحات Deng Xiaoping.

ومن النقاط المهمة التي يثيرها الكتاب أيضًا مشروع «الحزام والطريق»، الذي يقدمه باعتباره مشروعًا جيوسياسيًا أكثر منه مشروعًا اقتصاديًا. فالصين، حسب المؤلف، لا تبني الموانئ والسكك الحديدية والطرق فقط من أجل التجارة، بل من أجل خلق شبكة نفوذ عالمية تجعل الدول مرتبطة بها اقتصاديًا وسياسيًا. وهنا يتضح كيف انتقل مفهوم الإمبريالية من الاحتلال العسكري المباشر إلى السيطرة عبر الديون والبنية التحتية والتكنولوجيا والأسواق.

غير أن القراءة النقدية للكتاب تكشف أيضًا أنه يحمل نزعة قومية أمريكية واضحة. فهو يتحدث عن الصين بوصفها تهديدًا وجوديًا، لكنه لا يناقش بنفس العمق تاريخ الهيمنة الأمريكية نفسها، ولا الحروب الاقتصادية والعسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة منذ عقود. كما أن الكتاب يفترض ضمنيًا أن الهيمنة الأمريكية كانت «طبيعية» أو «شرعية»، بينما يصبح صعود الصين خطرًا عندما يهدد هذا التوازن. لذلك يمكن القول إن الكتاب يعكس رؤية أمريكية للعالم أكثر مما يقدم تحليلًا محايدًا للصين.

ومع ذلك، تبقى أهمية الكتاب كبيرة لأنه يعكس تحولًا جذريًا في طبيعة الصراع العالمي. فالعالم اليوم لم يعد محكومًا فقط بمن يمتلك أقوى جيش، بل بمن يسيطر على التكنولوجيا، والبيانات، وسلاسل الإنتاج، والموانئ، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية. وهذا ما يجعل الكتاب وثيقة فكرية مهمة لفهم الانتقال من عصر الحروب العسكرية المباشرة إلى عصر «الحروب الشبكية» غير المرئية.

إن المغزى الأعمق الذي يطرحه الكتاب يتجاوز الصين وأمريكا معًا، ويتمثل في السؤال التالي: هل ما زلنا نعيش فعلًا في عالم تحكمه الحدود الوطنية والجيوش التقليدية، أم أننا دخلنا عصرًا جديدًا أصبحت فيه الشركات العملاقة، والبيانات، والتكنولوجيا، والبنية التحتية العابرة للقارات، هي القوى الحقيقية التي تعيد تشكيل السياسة والاقتصاد والوعي الإنساني؟

في النهاية، يمكن اعتبار «الحرب الخفية» كتابًا ينتمي إلى أدبيات القلق الأمريكي من أفول الهيمنة الغربية وصعود آسيا، لكنه في الوقت نفسه يكشف حقيقة أعمق: العالم يتغير بسرعة، ومفاهيم القوة والسيادة والحرب نفسها لم تعد كما كانت في القرن العشرين. ولذلك فالقيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في موقفه من الصين، بل في كشفه للتحول التاريخي الكبير الذي يشهده النظام العالمي، حيث أصبحت المعركة الأساسية تدور حول من يملك المستقبل الرقمي والتكنولوجي والاقتصادي للكوكب.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *