عودة « أموات » السياسة: حكاية من لا يستحيون.
بقلم، محمد خوخشاني.
بينما كان المواطن المغربي يحسب أن بعض الوجوه السياسية قد التحقت بمقابر النسيان، بعد أن قذفت بها نوافذ أحزابها أو انصرفت إلى حال سبيلها بدعاوى تعلوها رائحة المبررات الواهية، ها هم اليوم يعودون من تحت التراب السياسي. ليس كعائدين بالتوبة النصوح، بل كزومبي يبحثون عن جثث جديدة يقيمون فيها.
يعود الأول بنفس الوجه ولكن بلون سياسي مختلف، وكأنما تغيير القميص يمحو تاريخاً كاملاً من الممارسات التي جعلت المواطن يهرب منهم. ويعود الثاني إلى نفس البوتقة التي لفظته، متحجياً بحجة أن الأحزاب « تتغير »، بينما الوحيد الذي لم يتغير هو حبه للكراسي والمغانم.
المواطن البسيط يظنها لعبة، لكنها لعبة خطيرة. هؤلاء السادة يتقنون فن تحويل السياسة إلى سيرك متنقل، حيث القناع الأول يلي الثاني، والانتهازية أصبحت العملة الصعبة التي تشتري بها الضمائر المأجورة مقاعد برلمانية أو حقائب وزارية. إنها مدرسة « إن لم تستحين فافعلي ما تشائين » في أبهى صورها.
لكن الأدهى من كل هذا أن بعضهم يختار العودة على شكل « رجال المرحلة »، يحملون مفاهيم جديدة لا علاقة لها بسابقتها، يتحدثون عن الشفافية والنزاهة وكأن أحداً قد أصيب بالعمى الجماعي. يريدون غسل الذنوب السابقة عند ضرير يصلي عليهم، ويحاولون استعادة ثقة المواطن بتغيير لون ربطة العنق.
والمسألة كلها، كما يعرفون ولا نعرف، معركة كراسي. لا يهمهم الوطن ولا المواطن ولا القضايا الكبرى. المهم أن يكون لهم مقعد في البرلمان، فإن تعذر، فالوزارة بابٌ خلفي لا بأس به، وإن لم تكن وزارة، فمهمة استشارية تحسن المرتب… والحكاية حكاية أرزاق في النهاية.
إنها مأساة حقيقية حين تصبح السياسة مجرد سوق للصالحين المتجولين، وحين يصبح الناخب مجرد رقم في معادلة انتخابية لا يهم إن كان واعياً أم غافلاً، يكفيه أن يدلي بصوته في الصندوق ليتحول إلى بيضة الديك.
على المواطن أن يعي جيداً أن سياسياً يغير جلده كل موسم انتخابي لا يمكن أن يحمل مشروعاً جاداً للوطن. وإذا كانوا لا يستحيون من هذا التلون والانتهازية، فعلينا نحن ألا ننسى. النسيان جريمة في زمن قلّ فيه الحياء السياسي وأصبحت القيم مجرد كلام في خطب الجمعة وبرامج انتخابية تُرمى في أقرب حاوية بعد آخر مؤتمر صحافي.
هيهات… لقد تشبع المشهد السياسي بما يكفي من الوجوه البلاستيكية التي تتغير قناعاتها كما تتغير الفصول، فإذا كان الربيع ديمقراطياً فهي مع الديمقراطية، وإذا كان الخريف تقنياً، فهي مع التكنوقراط، وإن هبت رياح غيرت الأشرعة.
لكن المواطن المغربي، رغم كل شيء، بدأ يميز بين السياسة الحقيقية التي تصنع التنمية، وبين مهازل الانتهازيين الذين يحولون الانتخابات إلى كرنفال سنوي لا يضيف للوطن سوى المزيد من الفوضى وخيبة الأمل.
احذروا… فمن لا يستحي في السياسة، لا يرجى منه خير للبلاد.
