عبد السلام العزيز وأسئلة اليسار المغربي: قراءة نقدية في ذاكرة الانشقاقات والتناوب ووهم الوحدة المؤجلة

عبد السلام العزيز وأسئلة اليسار المغربي: قراءة نقدية في ذاكرة الانشقاقات والتناوب ووهم الوحدة المؤجلة
شارك

محمد السميري:

مقدمة: حين يتحول الحوار إلى وثيقة لفهم تاريخ سياسي كامل

ليست كل الحوارات السياسية مجرد تبادل للأسئلة والأجوبة، فبعضها يتحول إلى وثائق تاريخية تسمح بفهم مرحلة كاملة من تاريخ بلد أو تيار سياسي معين. وتزداد أهمية هذه الحوارات عندما يكون المتحدث أحد الفاعلين الذين عاشوا الأحداث من داخلها، لا باعتبارهم مراقبين أو مؤرخين، بل باعتبارهم مشاركين في صنع جزء منها. من هذا المنطلق تكتسب الشهادة التي قدمها عبد السلام العزيز في الحوار المطول الذي أجراه معه موقع «آش بودكاست» أهمية خاصة، لأنها لا تتناول فقط مسار رجل سياسي أو تجربة تنظيمية بعينها، بل تفتح الباب أمام إعادة التفكير في تاريخ اليسار المغربي خلال ما يقرب من نصف قرن من الزمن.

فالحديث الذي يمتد من الحركة الطلابية في سبعينيات القرن الماضي إلى تجربة فيدرالية اليسار في العقدين الأخيرين لا يقدم فقط سرداً للأحداث، بل يكشف عن الأسئلة العميقة التي ظلت ترافق اليسار المغربي منذ نشأته: كيف يمكن التوفيق بين النضال الديمقراطي والمشاركة في المؤسسات؟ كيف يمكن إدارة الاختلافات الفكرية والتنظيمية دون أن تتحول إلى انشقاقات متكررة؟ وهل كان تراجع اليسار نتيجة عوامل خارجية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي وموازين القوى، أم أنه كان أيضاً نتيجة اختيارات سياسية وفكرية اتخذها اليسار نفسه في لحظات حاسمة من تاريخه؟

هذه الأسئلة تجعل من الحوار مادة تتجاوز حدود الشهادة الشخصية لتصبح مدخلاً إلى قراءة تاريخ سياسي كامل، خصوصاً بالنسبة للأجيال الجديدة التي لم تعش تلك الأحداث، ولا تعرف سوى نتائجها النهائية المتمثلة في تراجع حضور اليسار داخل المجتمع والدولة مقارنة بما كان عليه خلال العقود السابقة.

من هو عبد السلام العزيز؟

ينتمي عبد السلام العزيز إلى جيل من السياسيين المغاربة الذين تشكل وعيهم في مرحلة كانت السياسة فيها مرتبطة بقضايا كبرى تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع. فقد برز داخل الحركة الطلابية المغربية خلال سبعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي كانت الجامعة فيها فضاءً مركزياً للصراع الفكري والسياسي، ومختبراً حقيقياً لإنتاج النخب الحزبية والنقابية التي ستلعب أدواراً مهمة لاحقاً في الحياة العامة المغربية.

ارتبط اسمه مبكراً بالتيار الاتحادي داخل الحركة الطلابية، وعاش فترة اتسمت بالتوتر السياسي والصراع الإيديولوجي الحاد بين مختلف مكونات اليسار المغربي. كما تعرض للاعتقال في سياق المواجهات السياسية التي عرفها المغرب خلال الثمانينيات، وهي التجربة التي تركت أثراً واضحاً على مساره السياسي وعلى نظرته إلى قضايا الديمقراطية والحريات.

لاحقاً انخرط داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قبل أن يصبح واحداً من الوجوه البارزة في الانشقاق الذي عرفه الحزب بعد المؤتمر السادس سنة 2001، والذي أفضى إلى تأسيس المؤتمر الوطني الاتحادي. وبعد ذلك شارك في مختلف المبادرات الرامية إلى تجميع مكونات اليسار الديمقراطي، وصولاً إلى تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي التي تولى قيادتها فيما بعد.

وتكمن أهمية موقع عبد السلام العزيز داخل المشهد السياسي المغربي في كونه يمثل نموذجاً لجزء من اليسار الذي عاش مختلف التحولات التي مرت بها الحركة الاتحادية المغربية: من المعارضة الراديكالية نسبياً، إلى استراتيجية النضال الديمقراطي، ثم المشاركة في المؤسسات، وصولاً إلى أزمة اليسار ومحاولات إعادة بنائه في العقود الأخيرة.

لهذا فإن شهادته لا تكتسب أهميتها من موقعه التنظيمي فقط، بل من كونها تعكس أيضاً رؤية جيل كامل من المناضلين الذين عاشوا تلك التحولات من الداخل.

بين الشهادة والتاريخ: كيف ينبغي قراءة هذا الحوار؟

غير أن القيمة التاريخية لأي شهادة سياسية لا تعني التعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية أو رواية مكتملة للأحداث. فالشهادة السياسية تظل دائماً مرتبطة بزاوية نظر صاحبها وبالتجربة التي عاشها وبالموقع الذي يحتله داخل الصراعات التي يتحدث عنها.

ومن هنا فإن أهمية حوار عبد السلام العزيز لا تكمن في كونه يقدم الحقيقة الوحيدة حول تاريخ اليسار المغربي، بل في كونه يقدم رواية أحد الفاعلين الأساسيين داخل هذا التاريخ. لذلك ينبغي قراءة هذا الحوار بوصفه مادة للتفكير والتحليل أكثر من كونه حكماً نهائياً على الوقائع والأشخاص.

فالتاريخ السياسي لا يكتب من خلال شهادة واحدة، وإنما من خلال تعدد الروايات وتقاطعاتها واختلافاتها. غير أن بعض الشهادات تكتسب أهمية خاصة لأنها تكشف عن الطريقة التي يفهم بها الفاعلون أنفسهم ما جرى لهم وما جرى لتنظيماتهم وأفكارهم. وهذا بالضبط ما يجعل هذا الحوار جديراً بالقراءة والتحليل.

والواقع أن المتأمل في مختلف محاور الحوار يلاحظ أن عبد السلام العزيز لا يتحدث فقط عن أحداث متفرقة أو محطات منفصلة، بل يعود باستمرار إلى سؤال مركزي يكاد يوحد كل أجزاء حديثه، وهو السؤال المتعلق بعجز اليسار المغربي عن الحفاظ على وحدته التنظيمية وتحويل رصيده النضالي والفكري إلى قوة سياسية قادرة على التأثير المستدام في المجتمع والدولة.

ومن هنا يمكن القول إن الحوار كله يدور، بشكل مباشر أو غير مباشر، حول معضلة تاريخية لازمت اليسار المغربي منذ عقود: لماذا ظل هذا التيار، رغم ما راكمه من تضحيات ورمزية فكرية وسياسية، عاجزاً عن تحقيق المشروع الديمقراطي الذي ناضل من أجله طويلاً؟

من أزمة المؤتمر السادس إلى أزمة المشروع السياسي: هل كان الانشقاق مجرد خلاف تنظيمي؟

عندما يتحدث عبد السلام العزيز عن الانشقاق الذي عرفه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 2001، فإنه يقدمه في البداية باعتباره نتيجة لاختلالات تنظيمية رافقت المؤتمر السادس للحزب. غير أن القراءة المتأنية للحوار تكشف بسرعة أن الأمر يتجاوز بكثير تفاصيل اللجان والمؤتمرات وآليات الانتخاب، لأن هذه العناصر لم تكن سوى السطح الذي ظهرت عليه أزمة أعمق كانت تتفاعل داخل الحزب منذ سنوات.

في الواقع لا يمكن فهم ما جرى داخل الاتحاد الاشتراكي في مطلع الألفية الجديدة إذا عزلناه عن التحولات الكبرى التي عرفها الحزب منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي. فمنذ المؤتمر الاستثنائي سنة 1975 اختار الاتحاد الاشتراكي القطع مع منطق المواجهة المباشرة مع الدولة وتبنى ما عرف آنذاك بـ »استراتيجية النضال الديمقراطي »، وهي الاستراتيجية التي قامت على فكرة أساسية مفادها أن التغيير السياسي في المغرب لا يمكن أن يتحقق عبر القطيعة الثورية، وإنما عبر التراكم التدريجي داخل المجتمع والمؤسسات معاً.

كان ذلك التحول يعكس قراءة جديدة للواقع المغربي وللتوازنات الداخلية والإقليمية والدولية. فقد كانت المشاريع الثورية التي ألهمت جزءاً من اليسار العربي تعيش بداية أفولها، بينما بدأت تتقدم نماذج أخرى قائمة على الإصلاح التدريجي والانتقال التفاوضي نحو الديمقراطية. لذلك اعتبر الاتحاد الاشتراكي أن الطريق الأكثر واقعية يمر عبر بناء توازنات جديدة داخل المجتمع والدولة بدل الرهان على إسقاط النظام السياسي أو الدخول في مواجهة مفتوحة معه.

لكن ما بدا في البداية خياراً استراتيجياً مرناً تحول مع مرور الزمن إلى مصدر لتناقضات داخلية متزايدة. فكلما اقترب الحزب من المؤسسات ابتعد جزء من قواعده ومناضليه عن المشروع الذي كان يعتقد أنه انخرط فيه في الأصل. ومع نهاية التسعينيات، وبعد تجربة التناوب التوافقي، أصبحت هذه التناقضات أكثر وضوحاً.

ولهذا يبدو أن المؤتمر السادس لم يكن سبب الأزمة بقدر ما كان لحظة انفجارها.

لقد وجد الحزب نفسه أمام سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: هل ما زال الاتحاد الاشتراكي حزباً للتغيير الديمقراطي أم أصبح حزباً لتدبير التوازنات القائمة؟

هذا السؤال لم يكن مطروحاً بصيغته النظرية فقط، بل كان حاضراً في كل النقاشات المرتبطة بالمشاركة في الحكومة وبالعلاقة مع المؤسسة الملكية وبطبيعة الإصلاحات الممكنة. ولذلك فإن الصراع الذي ظهر في شكل خلاف تنظيمي كان في العمق تعبيراً عن اختلاف في فهم وظيفة الحزب ودوره التاريخي.

ومن هنا تكتسب شهادة عبد السلام العزيز أهميتها، لأنها تكشف كيف كان جزء من الاتحاديين ينظر إلى ما جرى باعتباره انحرافاً عن روح المشروع الأصلي للحزب. غير أن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى أن الطرف الآخر داخل الاتحاد الاشتراكي كان يرى الأمور بصورة مختلفة تماماً. فبالنسبة له لم يكن ما حدث تخلياً عن المشروع الديمقراطي، بل كان محاولة لتكييفه مع واقع سياسي معقد يفرض قدراً من البراغماتية.

وهكذا يصبح الانشقاق الذي حدث سنة 2001 أقل ارتباطاً بالأشخاص وأكثر ارتباطاً بمسارين مختلفين داخل الحركة الاتحادية نفسها: مسار أراد الاستمرار في لعب دور القوة الضاغطة من أجل الإصلاح، ومسار رأى أن تحقيق الإصلاح يمر عبر التموقع داخل مؤسسات الدولة والتأثير في قراراتها من الداخل.

لكن ما يثير الانتباه هو أن هذا الصراع لم يكن جديداً في تاريخ اليسار المغربي. فمنذ نشأة الحركة الوطنية الحديثة ظل التوتر قائماً بين منطقين متعارضين: منطق يعتبر أن التغيير يأتي من المجتمع ومن قدرته على فرض مطالبه، ومنطق آخر يراهن على الإصلاح التدريجي عبر الدولة ومؤسساتها. وما وقع داخل الاتحاد الاشتراكي لم يكن سوى إعادة إنتاج لهذا التوتر التاريخي في سياق سياسي جديد.

وربما لهذا السبب بالذات يصعب تفسير الانشقاقات المتكررة داخل اليسار المغربي بالعوامل التنظيمية وحدها. فالتنظيم لا ينفصل عن السياسة، والسياسة لا تنفصل عن الرؤية الفكرية التي تحدد معنى النضال وأهدافه وحدود الممكن فيه. وعندما تصبح الرؤى متباعدة إلى هذا الحد، تتحول المؤتمرات واللوائح والانتخابات الداخلية إلى مجرد ساحات تظهر فوقها صراعات أعمق بكثير مما يبدو على السطح.

غير أن ما يلفت الانتباه في شهادة عبد السلام العزيز هو أنها تعيد طرح سؤال غالباً ما يتم تجاهله في السرديات الحزبية التقليدية، وهو سؤال الديمقراطية الداخلية. فالرجل يربط بين الحرية داخل الحزب والحرية داخل المجتمع، وكأنه يريد القول إن التنظيم الذي لا يستطيع إدارة اختلافاته بصورة ديمقراطية يصعب عليه أن يقنع المجتمع بقدرته على بناء ديمقراطية أوسع.

وهنا نصل إلى إحدى المفارقات الكبرى في تاريخ اليسار المغربي. فالأحزاب التي رفعت لعقود شعارات الديمقراطية والحداثة والمواطنة عانت هي نفسها من أزمات متكررة مرتبطة بتدبير الاختلاف الداخلي. ولذلك فإن الأزمة التي يتحدث عنها عبد السلام العزيز لا تخص الاتحاد الاشتراكي وحده، بل تكشف جانباً من أزمة أوسع عرفتها معظم التنظيمات اليسارية العربية التي وجدت نفسها، مع مرور الزمن، عاجزة عن التوفيق بين وحدة التنظيم وحرية النقاش داخله.

وإذا كان الحوار يركز على المؤتمر السادس باعتباره لحظة حاسمة، فإن أهميته الحقيقية تكمن في كونه يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل كانت أزمة الاتحاد الاشتراكي أزمة تنظيمية عابرة، أم أنها كانت تعبيراً عن نهاية مرحلة تاريخية كاملة من تاريخ اليسار المغربي وبداية مرحلة جديدة ما زالت تداعياتها مستمرة إلى اليوم؟

ذلك هو السؤال الذي يقودنا مباشرة إلى المحطة الثانية في الحوار، وهي تجربة التناوب التوافقي، التي شكلت في نظر كثيرين لحظة الأمل الأكبر في تاريخ المعارضة المغربية، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل داخل اليسار نفسه.

التناوب التوافقي: الإصلاح من داخل الدولة أم فرصة ضائعة للتحول الديمقراطي؟

إذا كانت أزمة المؤتمر السادس قد كشفت التصدعات الداخلية التي أصابت الاتحاد الاشتراكي بعد سنوات من المشاركة في السلطة، فإن فهم تلك الأزمة يقتضي العودة إلى اللحظة المؤسسة التي سبقتها، أي تجربة التناوب التوافقي سنة 1998. فهذه التجربة لا تشكل مجرد محطة سياسية ضمن مسار الحزب، بل تمثل المنعطف الذي أعاد تشكيل علاقته بالدولة وبالمجتمع وبذاته أيضاً.

لكي نفهم أهمية هذه اللحظة بالنسبة للأجيال الجديدة، لا بد من التذكير بأن الاتحاد الاشتراكي لم يكن حزباً عادياً داخل المشهد السياسي المغربي. فقد كان وريثاً لتاريخ طويل من المعارضة، ودفع قادته ومناضلوه أثماناً باهظة من الاعتقال والنفي والتضييق. ولذلك بدا وصول عبد الرحمن اليوسفي إلى رئاسة الحكومة حدثاً استثنائياً في تاريخ المغرب المعاصر، وكأنه تتويج لمسار طويل من النضال الديمقراطي.

في تلك الفترة ساد شعور عام بأن المغرب يقف على أعتاب مرحلة جديدة. كان الحسن الثاني في نهاية عهده، وكانت المنطقة تعرف تحولات عميقة، بينما كان جزء مهم من النخبة السياسية والثقافية يتطلع إلى انتقال تدريجي نحو ملكية برلمانية شبيهة بالنماذج الأوروبية. لذلك لم يكن التناوب مجرد تغيير حكومي، بل كان محملاً بانتظارات تاريخية كبرى.

غير أن القراءة التي يقدمها عبد السلام العزيز تذهب في اتجاه اعتبار تلك اللحظة فرصة لم تستثمر بالشكل المطلوب. لكنه لا يذهب بعيداً في تفكيك الأسباب العميقة لذلك. وهنا يبدو ضرورياً الانتقال من مستوى الشهادة إلى مستوى التحليل التاريخي.

في اعتقادي أن المشكلة لم تكن مرتبطة فقط بموازين القوى أو بالقيود التي فرضها النظام السياسي آنذاك، بل كانت مرتبطة أيضاً بطبيعة الاختيار السياسي الذي تبناه الاتحاد الاشتراكي نفسه.

فعبد الرحمن اليوسفي لم يدخل الحكومة بعد معركة دستورية كبرى، ولم يشترط إصلاحات جوهرية قبل المشاركة في السلطة، كما لم يربط دخوله التجربة بتغيير واضح في طبيعة توزيع السلطة داخل الدولة. لقد اختار، عن قناعة، منطق التوافق والإصلاح التدريجي.

وهنا تكمن النقطة الأساسية.

فالتناوب لم يكن نتيجة هزيمة سياسية أجبرت الحزب على القبول بما عُرض عليه، بل كان ثمرة رؤية فكرية وإيديولوجية تبلورت داخل الحركة الاتحادية منذ عقود. لقد آمن جزء كبير من قيادة الاتحاد الاشتراكي بأن بناء الديمقراطية يمر عبر التدرج والتفاوض والتراكم المؤسساتي، وليس عبر تعبئة المجتمع لفرض انتقال سياسي واسع.

ومن هذه الزاوية يصبح التناوب امتداداً طبيعياً لمسار بدأ منذ المؤتمر الاستثنائي سنة 1975 أكثر مما يبدو مجرد استجابة لظرف سياسي عابر.

لكن التاريخ لا يقاس بالنوايا، بل بالنتائج.

فبعد مرور سنوات على التجربة بدأ يتضح أن الرهان على المؤسسات لم يؤد إلى التحول الديمقراطي الذي كان ينتظره جزء مهم من قواعد الحزب ومن النخب الديمقراطية المغربية. صحيح أن البلاد شهدت انفراجاً حقوقياً وسياسياً مهماً، وصحيح أن ملفات ثقيلة من الماضي بدأت تجد طريقها إلى المعالجة، غير أن البنية العميقة للسلطة ظلت إلى حد بعيد خارج دائرة التغيير.

ومن هنا بدأ يتشكل داخل اليسار سؤال مؤلم: هل حصل الاتحاد الاشتراكي على نصيبه من السلطة مقابل التخلي التدريجي عن دوره التاريخي كقوة ضغط من أجل الإصلاح؟

هذا السؤال ظل يلاحق التجربة حتى بعد خروج الحزب من الحكومة، بل إن بعض المؤشرات توحي بأن عبد الرحمن اليوسفي نفسه أصبح أكثر نقداً لبعض جوانبها في سنواته الأخيرة، وكأن التجربة التي بدت في لحظة معينة انتصاراً تاريخياً تحولت لاحقاً إلى موضوع للمراجعة والتأمل.

ولعل ما يجعل هذا النقاش مهماً اليوم هو أنه يتجاوز الماضي ليطرح سؤالاً لا يزال مطروحاً على كل الحركات الإصلاحية: هل يمكن تحقيق تحول ديمقراطي عميق بالاعتماد على المؤسسات وحدها، أم أن أي إصلاح حقيقي يحتاج أيضاً إلى قوة مجتمعية منظمة تضغط من الخارج بالتوازي مع العمل من الداخل؟

______________

اليسار بين المجتمع والدولة: حين يتحول الحزب من حركة اجتماعية إلى جهاز انتخابي

يقودنا هذا السؤال إلى إحدى أكثر القضايا حضوراً في حديث عبد السلام العزيز، وهي قضية العلاقة بين العمل المؤسساتي والعمل الجماهيري.

فالرجل يعود أكثر من مرة إلى ما يسميه « استراتيجية النضال الديمقراطي »، ويعتبر أن جوهرها كان يقوم على الجمع بين النضال داخل المؤسسات والنضال داخل المجتمع. غير أنه يرى أن الاتحاد الاشتراكي اختزل هذه الاستراتيجية تدريجياً في بعدها المؤسساتي وأهمل بعدها الشعبي.

هذه الملاحظة تبدو في ظاهرها مرتبطة بتاريخ حزب معين، لكنها في الحقيقة تلامس ظاهرة عالمية عرفتها أحزاب كثيرة خلال العقود الأخيرة.

فالأحزاب السياسية تنشأ غالباً داخل المجتمع، وسط النقابات والجمعيات والحركات الاجتماعية والاحتجاجية. وهناك تستمد شرعيتها وقوتها. لكن كلما اقتربت من السلطة تزداد حاجتها إلى التكيف مع منطق الدولة وإكراهات المؤسسات. ومع مرور الزمن تصبح أكثر انشغالاً بالحفاظ على مواقعها داخل النظام السياسي من انشغالها بتوسيع حضورها داخل المجتمع.

وهذا ما حدث بدرجات متفاوتة لعدد من أحزاب اليسار في العالم، وما يبدو أن عبد السلام العزيز يلمح إليه عندما يتحدث عن تراجع العمل الجماهيري.

لقد كان الاتحاد الاشتراكي في الستينيات والسبعينيات مرتبطاً عضوياً بالنقابات والجامعة والحركات الثقافية والحقوقية. وكانت قوته الحقيقية تنبع من هذا الامتداد الاجتماعي الواسع. لكن مع مرور الزمن بدأ هذا الامتداد يتآكل، في الوقت الذي ازداد فيه الحضور داخل المؤسسات.

وبذلك ظهرت مفارقة غريبة: كلما اقترب الحزب من الدولة ابتعد عن المجتمع.

وربما كان هذا أحد الأسباب العميقة التي تفسر التراجع التدريجي لليسار المغربي خلال العقود الأخيرة. فالأزمة لم تكن فقط أزمة قيادة أو تنظيم أو انتخابات، بل كانت أيضاً أزمة علاقة بالمجتمع نفسه.

فالأحزاب لا تعيش بالماضي مهما كان مجيداً، بل بقدرتها المستمرة على إنتاج قواعد اجتماعية جديدة. وعندما تفقد هذه القدرة تتحول تدريجياً إلى مؤسسات سياسية تعيش على رصيدها التاريخي أكثر مما تعيش على حضورها الفعلي داخل المجتمع.

______________

الانشقاقات المتكررة: أزمة أشخاص أم أزمة ثقافة سياسية؟

كلما تقدم الحوار برز موضوع الانشقاقات باعتباره الخيط الذي يربط مختلف محطات تاريخ اليسار المغربي. فمن الحركة الطلابية إلى الاتحاد الاشتراكي، ومن المؤتمر الوطني الاتحادي إلى تجارب أخرى لاحقة، يبدو الانقسام وكأنه قدر ملازم لهذا التيار.

وعادة ما يجري تفسير هذه الظاهرة بعوامل شخصية مرتبطة بالصراع على المواقع والقيادة. غير أن هذا التفسير، رغم احتوائه على جزء من الحقيقة، يبقى قاصراً عن فهم الظاهرة في عمقها.

فالواقع أن الانشقاقات المتكررة تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بثقافة سياسية كاملة.

لقد نشأ اليسار المغربي داخل بيئة فكرية تعطي أهمية كبيرة للنظرية وللنقاش الفكري وللأسئلة الإيديولوجية الكبرى. وكان ذلك مصدر غناه الفكري، لكنه تحول أحياناً إلى مصدر هشاشته التنظيمية أيضاً. فحين تصبح الخلافات الفكرية جزءاً من هوية التنظيم، يصبح من الصعب أحياناً تحويلها إلى تعدد مشروع داخل إطار واحد.

ومن هنا جاءت المفارقة.

فالقوى التي رفعت شعارات الديمقراطية والتعددية وحق الاختلاف لم تنجح دائماً في تحويل هذه المبادئ إلى آليات مستقرة داخل تنظيماتها الخاصة.

ولهذا فإن تاريخ اليسار المغربي يبدو، في جزء منه، تاريخ بحث مستمر عن معادلة لم يتم العثور عليها بعد: كيف يمكن الحفاظ على وحدة التنظيم دون خنق التعدد؟ وكيف يمكن تشجيع النقاش دون أن يتحول إلى انقسام؟

هذه الأسئلة لا تخص الماضي فقط، بل تظل مطروحة على كل مشروع سياسي يسعى إلى بناء نفسه

من الحركة الطلابية إلى فيدرالية اليسار: لماذا تعثرت مشاريع الوحدة؟

عندما يتحدث عبد السلام العزيز عن تجربته داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، قد يبدو للقارئ للوهلة الأولى أنه يغادر موضوع اليسار الحزبي نحو استعادة ذكريات مرحلة شبابية بعيدة. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن هذه العودة إلى الجامعة ليست تفصيلاً عابراً، بل هي في الحقيقة عودة إلى الجذور الأولى للأزمة التي سترافق اليسار المغربي لاحقاً.

ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لم تكن الجامعة مجرد فضاء للتعليم، بل كانت مختبراً سياسياً حقيقياً تتشكل داخله النخب وتتبلور فيه المشاريع الفكرية والتنظيمية. وفي رحابها تعايشت مختلف التيارات اليسارية والقومية والإسلامية، كما ظهرت فيها التناقضات التي ستنتقل لاحقاً إلى الأحزاب والنقابات والجمعيات.

ولذلك فإن ما يرويه عبد السلام العزيز عن مؤتمرات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وعن الصراعات التي كانت تدور بين الفصائل المختلفة، لا يتعلق بالماضي فقط، بل يكشف بصورة مبكرة عن المعضلات التي سيواجهها اليسار المغربي طوال العقود التالية.

لقد كان الجميع يتحدث عن الوحدة، لكن كل طرف كان يحمل تصوراً مختلفاً للوحدة.

وكان الجميع يتحدث عن الديمقراطية، لكن الخلاف كان يبدأ عند تحديد من يملك حق تمثيلها.

وكان الجميع يرفع شعارات التحرر والتقدم، لكن الخلافات الإيديولوجية والتنظيمية كانت تتحول بسرعة إلى صراعات حول الشرعية والقيادة والتمثيل.

وهكذا تحولت الجامعة، التي كان يفترض أن تكون فضاءً لإنتاج النخب الديمقراطية، إلى مرآة مكبرة للتناقضات التي سترافق المشهد السياسي المغربي لاحقاً.

من هذه الزاوية يبدو أن أزمة اليسار المغربي لم تبدأ داخل الأحزاب، بل بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة داخل الثقافة السياسية التي تشكلت في فضاء الحركة الطلابية نفسها.

ولهذا فإن استحضار عبد السلام العزيز لتلك المرحلة لا يحمل فقط قيمة توثيقية، بل يساعد على فهم الأسباب العميقة التي جعلت مشاريع الوحدة اللاحقة تواجه صعوبات متكررة.

______________

فيدرالية اليسار: آخر محاولة لتجاوز التاريخ

إذا كانت الحركة الطلابية قد كشفت مبكراً عن صعوبة إدارة الاختلاف داخل اليسار، فإن تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي جاءت كمحاولة واعية لتجاوز هذا الإرث الثقيل.

فبعد عقود من الانقسامات المتتالية والتجارب المتفرقة، بدا واضحاً أن استمرار التشتت يعني مزيداً من التراجع السياسي والاجتماعي. ومن هنا ظهرت فكرة تجميع القوى اليسارية الديمقراطية داخل إطار مشترك يسمح بتوحيد الجهود والموارد والخطاب السياسي.

في هذا السياق جاءت تجربة فيدرالية اليسار باعتبارها أكثر من مجرد تحالف انتخابي.

لقد كانت محاولة لإعادة بناء اليسار على أسس جديدة، تتجاوز الحساسيات التاريخية والانقسامات التنظيمية القديمة. وكان المشروع يقوم على فكرة تدريجية مفادها أن التنسيق يمكن أن يقود مع الوقت إلى الاندماج الكامل داخل تنظيم سياسي موحد.

وقد بدت التجربة في بدايتها واعدة نسبياً، خصوصاً أنها نجحت في جمع قوى ظلت متباعدة لعقود طويلة، كما أنها استطاعت أن تقدم نموذجاً مختلفاً عن حالة التشظي التي طبعت تاريخ اليسار المغربي.

غير أن المشروع لم يصل إلى نهايته المنطقية.

وهنا تبرز إحدى النقاط الأكثر أهمية في حديث عبد السلام العزيز.

فهو لا يعزو التعثر إلى خلافات إيديولوجية جوهرية، ولا إلى اختلافات كبرى في البرامج السياسية، بل يربطه أساساً بعوامل تنظيمية وذاتية وبصعوبات مرتبطة بتدبير عملية الاندماج نفسها.

لكن القراءة النقدية تسمح بطرح سؤال أعمق.

إذا كانت القوى المعنية متفقة تقريباً حول المرجعيات العامة والأهداف الكبرى، فلماذا ظل الاندماج صعباً إلى هذا الحد؟

الجواب، في تقديري، لا يكمن فقط في الحسابات التنظيمية أو الخلافات الظرفية، بل في استمرار تأثير ثقافة سياسية تراكمت عبر عقود طويلة من الانقسامات.

فالتنظيمات لا تحمل فقط أفكاراً وبرامج، بل تحمل أيضاً ذاكرتها الخاصة وعاداتها التنظيمية وتصوراتها للقيادة وللشرعية. وعندما تحاول تنظيمات متعددة الاندماج داخل إطار واحد فإنها لا تجمع فقط هياكل تنظيمية مختلفة، بل تحاول أيضاً التوفيق بين ثقافات سياسية تكونت عبر مسارات تاريخية طويلة.

ولهذا ربما لم يكن تعثر مشروع الوحدة تعبيراً عن فشل ظرفي بقدر ما كان تعبيراً عن صعوبة تجاوز تاريخ كامل من الانقسامات والتجارب المتباينة.

______________

اليسار المغربي بين الذاكرة والواقع

يخرج القارئ من هذا الحوار بانطباع واضح مفاده أن عبد السلام العزيز لا يتحدث فقط عن الماضي، بل يحاول أيضاً أن يقدم تفسيراً للحاضر.

فمعظم المحطات التي يستعيدها، من الحركة الطلابية إلى المؤتمر السادس، ومن تجربة التناوب إلى فيدرالية اليسار، تلتقي كلها عند سؤال واحد: لماذا انتهى اليسار المغربي إلى الوضع الذي يوجد عليه اليوم؟

غير أن أهمية الحوار لا تكمن في الأجوبة التي يقدمها فقط، بل في الأسئلة التي يثيرها أيضاً.

فهو يدفعنا إلى التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الإصلاح والتغيير، وبين المؤسسات والحركات الاجتماعية، كما يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت العمل السياسي المغربي خلال العقود الأخيرة.

والأهم من ذلك أنه يكشف أن أزمة اليسار ليست مجرد أزمة انتخابية أو تنظيمية، بل هي أزمة مرتبطة بتعريف المشروع السياسي نفسه.

فما الذي يعنيه أن يكون اليسار يساراً في مجتمع يتغير بسرعة؟

وما الذي يبقى من الأحزاب عندما تفقد قواعدها الاجتماعية التقليدية؟

وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بين التنظيمات السياسية والمجتمع في زمن تتراجع فيه الأيديولوجيات الكبرى وتتقدم فيه أشكال جديدة من التعبير السياسي؟

إن هذه الأسئلة لا تخص اليسار وحده، بل تخص مجمل الحياة السياسية المغربية.

______________

خاتمة: شهادة عبد السلام العزيز أم مرآة لأزمة اليسار المغربي؟

في نهاية هذا الحوار لا يبقى عبد السلام العزيز مجرد فاعل سياسي يستعيد ذكرياته أو يدافع عن اختياراته، بل يتحول إلى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ المغرب السياسي المعاصر.

ومن خلال شهادته تتكشف أمامنا قصة جيل آمن بإمكانية التغيير الديمقراطي، وخاض من أجله معارك طويلة داخل الجامعة والنقابة والحزب والشارع والمؤسسات. لكنها تكشف أيضاً قصة مشروع سياسي ظل يبحث باستمرار عن التوازن الصعب بين المثال والواقع، بين الطموح الديمقراطي وإكراهات العمل السياسي اليومي.

غير أن القيمة الحقيقية للحوار لا تكمن في إعادة سرد هذا التاريخ، بل في مساءلته.

فاليسار المغربي لم يكن ضحية القمع وحده، كما أنه لم يكن ضحية أخطائه وحدها. لقد تشكل مساره من تفاعل معقد بين عوامل خارجية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي وموازين القوى، وعوامل داخلية مرتبطة بالاختيارات الفكرية والتنظيمية التي تبناها هو نفسه.

ومن هنا فإن اختزال الأزمة في طرف واحد يصبح تبسيطاً للتاريخ أكثر مما هو تفسير له.

لقد كان رهان الاتحاد الاشتراكي على الإصلاح من داخل المؤسسات اختياراً سياسياً واعياً، تماماً كما كان رهان بعض التيارات الأخرى على التعبئة المجتمعية اختياراً سياسياً مختلفاً. والتاريخ لا يحاكم هذه الخيارات انطلاقاً من النوايا، بل انطلاقاً من النتائج التي أفضت إليها.

وعندما ننظر اليوم إلى حصيلة نصف قرن من التجارب اليسارية في المغرب، يبدو واضحاً أن السؤال المركزي لم يكن فقط كيف نصل إلى السلطة، بل كيف نحافظ على القدرة على التأثير في المجتمع بعد الوصول إليها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي يكشفها الحوار.

فالقوى التي نجحت في الاقتراب من الدولة خسرت جزءاً من امتدادها المجتمعي، بينما القوى التي حافظت على حضورها الاحتجاجي ظلت عاجزة عن التحول إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في القرار العام.

وبين هذين القطبين ظل اليسار المغربي يتأرجح لعقود طويلة دون أن يعثر على الصيغة التي تسمح له بالجمع بين الشرعية النضالية والفعالية السياسية.

لهذا فإن الحوار مع عبد السلام العزيز لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه شهادة عن الماضي، بل بوصفه دعوة إلى إعادة التفكير في مستقبل السياسة المغربية نفسها. فالقضية التي يطرحها في جوهرها ليست قضية الاتحاد الاشتراكي أو فيدرالية اليسار أو جيل معين من المناضلين، بل قضية العلاقة بين الديمقراطية والتنظيم، وبين المجتمع والدولة، وبين الحلم السياسي وحدود الواقع.

وربما لهذا السبب بالذات تظل هذه الشهادة مهمة، ليس لأنها تقدم الأجوبة النهائية، بل لأنها تعيد فتح الأسئلة التي ما زالت الحياة السياسية المغربية تبحث عن إجابات لها إلى اليوم.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *