حزب « الكتاب » بين المحاصصة الجهوية وأزمة الهوية.
بقلم، محمد خوخشاني.
قبل أسابيع قليلة من موعد الاقتراع المقرر في 23 شتنبر 2026، يواجه حزب التقدم والاشتراكية عاصفة داخلية. فبينما يبدي الحزب تفاؤلاً شكلياً بتقديمه مرشحيه لتغطية أكثر من 90% من الدوائر الانتخابية، تشتعل التوترات في جهة فاس-مكناس، مما يكشف عن استراتيجية يراها البعض تخلياً عن القيم التاريخية للتشكيلة.
استراتيجية تفرق في جهة فاس-مكناس.
وفقاً لمصادر مقربة من الحزب، فإن تعيين مرشحة قادمة من حزب العدالة والتنمية كرئيسة للائحة الجهوية لحزب التقدم والاشتراكية أحدث هزة محلية. هذه الشخصية، التي وُصفت بـ »القنديلة » في النص الأصلي، تمثل بالنسبة لمناضلي الحزب التاريخيين تسللاً لكوادر من الحزب الإسلامي السابق، الذي يُعتبر خصماً أيديولوجياً.
الانعكاسات فورية في الدوائر الرئيسية. ففي بولمان، المعقل الذي كان يضم مقعداً للحزب سنة 2021، أصبحت الحسابات الانتخابية مقلوبة رأساً على عقب. تغيرت المعادلة مع قدوم مرشحين من الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، مما أرجع ممثل حزب التقدم والاشتراكية إلى موقع خطر. ويتكرر السيناريو نفسه في تازة، حيث تضاءلت آمال الاحتفاظ بالمقعد، مما يغذي شعوراً بـ »التضحية » بالمصالح المحلية من أجل حسابات وطنية.
النهاية المبرمجة للأيديولوجيا التاريخية؟
تطرح هذه اللعبة السياسية سؤالاً جوهرياً حول هوية حزب التقدم والاشتراكية. فبصفته وريث الحزب الشيوعي المغربي، الذي تم حله إبان الحماية، ظل الحزب يتبنى خطاً نضالياً اجتماعياً وأيديولوجية يسارية، مناهضة للفكر الليبرالي الاقتصادي. غير أن هذه العملية، التي تبدو مفضلة للتحالفات الظرفية مع شخصيات تنتمي لأفق أيديولوجي معاكس تماماً، يُنظر إليها من طرف جزء من القاعدة النضالية على أنها قطيعة.
هذا التململ الداخلي، الذي تتجلى ملامحه في التهديدات بالاستقالات ونفور المناضلين المحليين، يؤكد أن حزب التقدم والاشتراكية لا يمكنه التفريط في « خطه الأحمر ». بل إن ظاهرة مشابهة ظهرت في أحزاب يسارية أوروبية، حيث انتهى البحث عن حداثة سياسية في بعض الأحيان إلى إنكار للتاريخ وابتعاد عن الطبقات الشعبية. فباستقباله كوادر من حزب العدالة والتنمية، يخاطر حزب نبيل بنعبد الله بتشويش رسالته « البديلة » ونقده لـ »الخيارات الطبقية في خدمة الأوليغارشيات ».
رهان محفوف بالمخاطر لمستقبل الحزب.
رسمياً، يبرر حزب التقدم والاشتراكية خياراته الترشيحية بالبحث عن « أفضل الكفاءات » وتجديد النخبة السياسية. بل إن الأمين العام كان قد وجّه خلال دورة المجلس المركزي يوليوز الماضي انتقادات لاذعة للحكومة المنتهية ولايتها، واعداً ببرنامج انتخابي يقوم على العدالة الاجتماعية.
غير أن الطريقة المعتمدة في فاس-مكناس قد تُفشل هذه الطموحات الوطنية. فباختياره الواقعية السياسية على حساب الطهارة الأيديولوجية، يعرض حزب التقدم والاشتراكية نفسه لعقوبة مزدوجة: فقدان الروح الاشتراكية التي تميزه دون كسب ثقة ناخبين تميل قلوبهم لتشكيلات أخرى.
تُجسد حادثة الترشيحات بشمال المغرب معضلة الأحزاب اليسارية المغربية: كيف تظل وفيّة لعقيدتها الاشتراكية وهي تبحر في مياه سياسية تعرف المحسوبية والتوازنات الجهوية؟ وبالتضحية بجذوره الأيديولوجية على مذبح الحسابات الانتخابية، قد لا يكون حزب التقدم والاشتراكية يوقع نهاية عقيدته، لكنه يخاطر بخيبة أمل قواعده وفقدان مصداقيته كقوة اقتراح تقدمية. وسيُظهر يوم 23 شتنبر المقبل إن كان هذا الرهان رابحاً أم لا.
