الديمقراطية وما وراء صندوق الاقتراع
محمد السميري
في كل موسم انتخابي يتكرر المشهد نفسه تقريباً: أحزاب تستعد للحملة، مرشحون يعرضون برامجهم، خطابات تتعدد، ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تتحول إلى فضاء واسع للتنافس على أصوات الناخبين. ثم يأتي اليوم الذي يتوجه فيه المواطن إلى صندوق الاقتراع، يختار اسماً أو لائحة، ويعود إلى حياته اليومية منتظراً أن يبدأ المنتخبون في ممارسة السلطة التي منحها لهم.
لكن وسط هذا المشهد المتكرر يظل سؤال أكثر عمقاً غالباً في الخلفية: *هل الانتخابات هي الديمقراطية، أم أنها مجرد إحدى آلياتها؟*
هذا السؤال هو أحد المداخل التي تجعل قراءة جورج طرابيشي، في كتابه هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية، مفيدة في التفكير في واقعنا العربي، وليس فقط في فهم الديمقراطية بوصفها نظاماً سياسياً. فطرابيشي لا يقدم في بداية كتابه وصفة جاهزة للديمقراطية، ولا يجيب عن الأسئلة نيابة عن القارئ، بل يفعل شيئاً أكثر أهمية: يعيد صياغة المشكلة نفسها. ولذلك يتساءل: هل الديمقراطية «ثمرة برسم القطف» أم «بذرة برسم الزرع»؟ وهل هي مجرد آلية مرتبطة بصندوق الاقتراع، أم أنها أيضاً ثقافة مرتبطة بما يسميه، في صورة لافتة، *«صندوق جمجمة الرأس»*؟
هنا تبدأ المسألة في أخذ معنى مختلف.
فالانتخابات يمكن أن تكون نزيهة ومنظمة، ويمكن للمواطن أن يختار بين أحزاب ومرشحين متعددين، ومع ذلك لا يكون هذا كافياً وحده للقول إن الديمقراطية قد اكتملت. لأن صندوق الاقتراع لا يعمل في الفراغ. إنه يعمل داخل بنية مؤسساتية تحدد مسبقاً مجالات الاختصاص، وتوزيع السلطة، ومراكز اتخاذ القرار، وما تستطيع المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع أن تفعله وما لا تستطيع فعله.
ومن هذه الزاوية، فإن النظر إلى الانتخابات باعتبارها لحظة منفصلة عن بنية الدولة والمؤسسات قد يقود إلى سوء فهم جوهري لمعنى الاختيار السياسي. ففي الحالة المغربية، مثلاً، ينص الدستور على أن السيادة للأمة، وأنها تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها المنتخبين، كما يحدد في الوقت نفسه توزيعاً معقداً للاختصاصات بين مؤسسات متعددة. ولذلك فإن السؤال الديمقراطي لا يتوقف عند: *من حصل على الأصوات؟* بل يمتد إلى سؤال آخر: *ما الذي يستطيع من حصل على الأصوات أن يغيره فعلاً؟*
وهنا بالضبط يظهر الفرق بين الانتخابات والديمقراطية.
ليست الفكرة أن الانتخابات لا قيمة لها، أو أن المشاركة فيها لا معنى لها. مثل هذا الاستنتاج سيكون تبسيطاً للمشكلة. الانتخابات تظل آلية أساسية لاختيار الممثلين ومحاسبتهم وإتاحة إمكانية التداول على المسؤوليات الحكومية. لكنها لا تصبح ديمقراطية كاملة لمجرد وجود صندوق اقتراع. فالصندوق، مهما كانت أهميته، لا يخبرنا وحده عن طبيعة البنية التي يوجد داخلها، ولا عن حدود السلطة التي تمنحها أصوات الناخبين لمن ينتخبونهم.
ولعل هذا هو المعنى العميق للاستعارة التي يقترحها طرابيشي حين يضع «صندوق الاقتراع» في مواجهة «صندوق جمجمة الرأس».
فالناخب لا يدخل إلى مركز الاقتراع مجرداً من تاريخه وثقافته ومخاوفه وأفكاره وصورته عن السلطة والمجتمع والدين والآخر. إنه يدخل ومعه كل ذلك. ولذلك فإن الديمقراطية ليست فقط مشكلة المؤسسات التي تنظم عملية الاختيار، وإنما هي أيضاً مشكلة الإنسان الذي يقوم بالاختيار.
وهنا نصل إلى منطقة أكثر تعقيداً من مجرد السؤال عن الانتخابات.
فكيف يتكون المواطن الذي نطلب منه أن يختار بحرية؟ ومن أين جاءت الأفكار التي يستخدمها للحكم على المرشح أو الحزب؟ وكيف ينظر إلى الاختلاف؟ وهل يعتبر الرأي المخالف حقاً طبيعياً، أم يعتبره خروجاً عن الجماعة؟ وهل يستطيع أن يراجع ما ورثه من أفكار، أم أن بعض الأفكار تتحول في وعيه إلى حقائق نهائية لا تقبل النقاش؟
هذه الأسئلة تقودنا من السياسة إلى الثقافة، ومن المؤسسات إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الفرد.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا لا تكفي التكنولوجيا وحدها لصناعة الحداثة. فقد يمتلك الإنسان هاتفاً ذكياً، ويستعمل الذكاء الاصطناعي، ويتابع العالم لحظة بلحظة، ويعيش في مدينة حديثة، لكنه قد يحتفظ في الوقت نفسه بتصورات شديدة التقليدية عن السلطة أو المرأة أو الأسرة أو المختلف أو المقدس. الحداثة التقنية لا تعني بالضرورة حداثة في طريقة التفكير.
وقد يكون هذا أحد المفاتيح لفهم التناقض الذي نراه في مجتمعاتنا: أدوات القرن الحادي والعشرين يمكن أن تعمل داخل أنماط ذهنية تشكلت في سياقات تاريخية أقدم بكثير.
وهنا يصبح سؤال طرابيشي عن «صندوق الرأس» أكثر إثارة مما يبدو لأول وهلة.
فالإنسان الديمقراطي ليس فقط الإنسان الذي يعرف كيف يضع ورقة في الصندوق، بل الإنسان الذي يستطيع أن يعيش مع وجود أوراق أخرى تختلف عن ورقته. الديمقراطية تبدأ، بهذا المعنى، قبل لحظة التصويت وتستمر بعدها. إنها تتطلب استعداداً ذهنياً لقبول التعدد، واحتمال الاختلاف، والاعتراف بأن ما أعتقد أنه صحيح قد لا يكون الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وهذه النقطة تقودنا إلى مسألة التراث والدين، وهي من أكثر مناطق النقاش حساسية وتعقيداً.
ليس المقصود هنا القول إن الدين هو سبب غياب الديمقراطية، فهذا استنتاج متسرع لا تؤيده التجربة التاريخية في صورتها البسيطة. كما أن الإيمان الديني في ذاته لا يمنع الإنسان من ممارسة قيم التضامن والعدل والمسؤولية والمشاركة العامة. المشكلة تصبح مختلفة عندما يتحول التراث الديني، أو أي تراث فكري آخر، من مادة تاريخية قابلة للفهم والنقد والتأويل إلى سلطة معرفية نهائية تحدد للإنسان مسبقاً ما يجوز أن يسأل عنه وما لا يجوز، وما يجوز أن يختلف فيه وما لا يجوز.
في قطاعات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية، لم يبق الدين محصوراً في المجال التعبدي، بل ظل حاضراً في تنظيم جوانب كثيرة من الحياة اليومية: الأسرة، العلاقات الاجتماعية، الأخلاق، الطعام، اللباس، المعاملات، صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين، بل وحتى في تصوراته عن المجتمع والسلطة.
وحين تصبح هذه المرجعيات جزءاً من البناء العميق للوعي، فإن المجتمع نفسه قد يتحول، من حيث لا يشعر، إلى جهاز لإعادة إنتاج ما يعتبره «طبيعياً» و«مقدساً» و«غير قابل للنقاش».
وهنا لا تعود السلطة بحاجة دائماً إلى أن تكون حاضرة في كل لحظة.
فقد يحمل الإنسان داخل رأسه جزءاً من السلطة التي تربى عليها. الأسرة تعلمه حدوداً معينة، والمدرسة تعيد إنتاج بعضها، والخطاب الديني يضيف إليها طبقات أخرى، والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي قد تعيد تدويرها في صور جديدة. ومع مرور الوقت قد يصبح المجتمع نفسه مراقباً لأفراده، ويصبح الفرد مراقباً لنفسه قبل أن يراقبه الآخرون.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يكون الاختلاف في بعض القضايا أكثر كلفة اجتماعياً من الاختلاف في قضايا أخرى. فقد يتسامح المجتمع مع أخطاء أخلاقية أو سلوكية كثيرة، لكنه قد يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمقدس أو بما تعتبره الجماعة جزءاً من هويتها النهائية. عندها قد يتحول النقاش الفكري إلى اتهام، ويصبح السؤال نفسه استفزازاً، وقد يتعرض المختلف للإقصاء الاجتماعي أو التشهير أو الضغط، وفي بعض السياقات قد يصل الأمر إلى العنف.
المشكلة هنا ليست في وجود المقدس في حياة الإنسان، وإنما في *علاقة الإنسان بما يعتبره مقدساً*: هل يستطيع أن يؤمن دون أن يمنع غيره من التفكير؟ وهل يستطيع أن يختلف دون أن يعتبر اختلاف الآخر اعتداءً عليه؟ وهل يمكن أن يتحول المقدس من مجال للإيمان الشخصي إلى معيار لإسكات المجال العام؟
ومن هذه الزاوية يلتقي سؤال طرابيشي، وإن لم يكن بالضرورة في كل نتائجه، مع السؤال الذي شغل محمد عابد الجابري حول بنية العقل العربي. فالقضية في الحالتين تتجاوز وصف المؤسسات السياسية إلى محاولة فهم البنية الذهنية التي يتحرك الإنسان داخلها.
لكن هنا ينبغي الحذر من الوقوع في اختزال المجتمع العربي في «عقل واحد». المجتمعات ليست كتلة متجانسة، وهي مليئة بالتناقضات والتيارات والأصوات المختلفة. لذلك فالمقصود ليس وجود عقل عربي واحد مغلق، وإنما وجود أنماط من التفكير الموروث تظل حاضرة بدرجات مختلفة، وتستمر في التأثير في طريقة فهم السلطة والحقيقة والاختلاف.
ومن هنا تبدأ صورة أخرى في الظهور.
إذا كان *صندوق الاقتراع* هو المكان الذي نختار فيه ممثلينا، فإن هناك، بصورة رمزية، *صندوقاً آخر هو صندوق السلطة*: أي البنية التي تحدد أين توجد مراكز القرار، وكيف تتوزع الاختصاصات، وما هي حدود المجال الذي يستطيع المنتخبون التحرك داخله.
ثم هناك *صندوق ثالث، هو صندوق الرأس*: أي ذلك المجال الداخلي الذي تتشكل فيه قدرة المواطن على التفكير والاختيار والشك والمقارنة والاختلاف.
وعند هذه النقطة تصبح الديمقراطية أكثر من مجرد عملية تقنية.
يمكن أن يكون صندوق الاقتراع مفتوحاً، بينما تظل بنية السلطة محدودة القدرة على التغيير من خلال المؤسسات المنتخبة. ويمكن أن تكون المؤسسات موجودة، لكن صندوق الرأس مغلقاً أمام الاختلاف. ويمكن، في المقابل، أن تتطور المؤسسات تدريجياً، بينما يتغير وعي المجتمع ببطء شديد. لذلك فإن الديمقراطية الحقيقية ليست نتيجة وجود صندوق واحد، وإنما هي علاقة معقدة بين الصناديق الثلاثة.
ولعل الخطأ الذي نقع فيه كثيراً هو أننا نركز على الصندوق الأول وننسى الاثنين الآخرين.
نحن نسأل: من سننتخب؟ ونادراً ما نسأل: ما حدود ما يستطيع هذا المنتخب أن يفعله؟ ثم نادراً أكثر نسأل أنفسنا: *بأي عقل نختاره؟*
هل أختار لأن المرشح قدم برنامجاً أستطيع مناقشته؟ أم لأنه ينتمي إلى العائلة أو القبيلة أو المنطقة؟ هل أختاره لأنه أقنعني بحججه؟ أم لأنه خاطب مخاوفي وهويتي ومشاعري؟ هل أستطيع أن أغير موقفي إذا ظهرت لي معلومات جديدة؟ وهل أستطيع أن أقبل بأن الشخص الذي أعارضه قد يكون محقاً في بعض ما يقول؟
هنا يصبح «صندوق الرأس» ليس استعارة أدبية فقط، وإنما شرطاً من شروط الحياة الديمقراطية.
فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى مواطن يختار، بل إلى مواطن *يستطيع أن يختار*. والقدرة على الاختيار ليست مجرد امتلاك ورقة انتخابية، وإنما امتلاك الحد الأدنى من الاستقلال الفكري الذي يسمح للإنسان بأن يقارن، ويسأل، ويفرق بين الوعد والإمكان، وبين الخطاب والواقع، وبين الشخص والبرنامج، وبين ما يستطيع المنتخب فعله وما لا يستطيع.
لهذا فإن المشكلة الديمقراطية أعمق من سؤال: «هل نصوت أم نقاطع؟»
قد يكون هذا السؤال مهماً في ظرف انتخابي معين، لكنه يبقى سؤالاً داخل سؤال أكبر.
السؤال الأكبر هو: *ما معنى أن يكون الإنسان مواطناً في مجتمع ديمقراطي؟*
وإذا كان الاقتراع يمنح المواطن إمكانية المشاركة في اختيار ممثليه، فإن الديمقراطية تتطلب أيضاً أن يكون قادراً على ممارسة حريته في التفكير والاختلاف، وأن توجد مؤسسات تسمح بتحويل الإرادة الانتخابية إلى سياسات، وأن تكون هناك إمكانية فعلية للمساءلة والمحاسبة.
عندها فقط يصبح لصندوق الاقتراع معناه الكامل.
أما إذا نظرنا إليه منفرداً، فقد نخلط بين الديمقراطية والانتخابات، كما قد نخلط بين امتلاك أدوات الحداثة وامتلاك عقل الحداثة.
وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي يمكن أن نستخلصه من طرابيشي: *الديمقراطية ليست ثمرة جاهزة نذهب إلى السوق لنشتريها، وإنما هي بذرة تحتاج إلى شروط اجتماعية وثقافية ومؤسساتية حتى تنمو.*
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه أمام المواطن المغربي، في هذه اللحظة الانتخابية، ليس فقط: «من سأنتخب؟» وإنما سؤال أسبق منه: *ماذا أفهم من الديمقراطية عندما أضع صوتي في صندوق الاقتراع؟*
هل أعتبر الديمقراطية مجرد حق في اختيار الأشخاص؟ أم أراها أيضاً حقاً في مساءلة السلطة، وفي الاختلاف، وفي التفكير الحر، وفي معرفة حدود المؤسسات، وفي القدرة على تغيير الاختيارات عندما يتبين خطؤها؟
ربما يبدأ الوعي الديمقراطي الحقيقي من هذه اللحظة بالذات: اللحظة التي نتوقف فيها قليلاً قبل أن نضع الورقة في الصندوق، لا لكي نتردد في التصويت، وإنما لكي نسأل أنفسنا عن معنى الفعل الذي نقوم به.
فالصندوق الذي أمامنا ليس وحده هو القضية.
هناك صندوق السلطة الذي يحدد مجال القرار، وهناك صندوق الاقتراع الذي يحدد الاختيار، وهناك صندوق الرأس الذي يحدد *كيف نختار ولماذا نختار*.
وإذا كان الأول والثاني يتعلقان ببنية النظام السياسي وآليات عمله، فإن الثالث يتعلق بالإنسان نفسه.
ومن هنا ربما لا يكون السؤال النهائي: *هل نمارس الانتخابات؟*
بل السؤال الأكثر إزعاجاً، والأكثر أهمية:
*هل نتعلم، بالفعل، كيف نمارس الديمقراطية؟*
