حين يتحول زمن العطلة إلى جغرافيا سياسية مستفزة!؟!،
يوسف غريب:
ليس من عادتي أن أقف عند العطل الشخصية للمسؤولين العموميين، فالراحة حق إنساني لا جدال فيه ورئيس حكومتنا في نهاية المطاف إنسانٌ يجهده الإبحار في تلاطم أمواج الملفات المعقدة.
لكن حين يتحول زمن العطلة إلى جغرافيا سياسية مستفزة، وحين تتقاطع استراحة المسؤول الثاني في الدولة مع لحظة اشتباك مصيري يمس كرامة الأمة وسيادتها، فإن الأمر يتجاوز حدود الحرية الشخصية ليصبح سؤالاً يؤرق مضاجع الفضيلة السياسية والحس الوطني.
فأن يختار السيد عزيز أخنوش شواطئ إسبانيا بالذات ليقضي فيها عطلة خاطفة في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات بين بلدنا ومدريد أزمة عنيفة وشديدة التعقيد لهو أمرٌ يبعث على الذهول ويقطع أنفاس المتابعين.
كيف يقود رئيس حكومة سفينة بلاده وسط عاصفة هوجاء ثم يترجل منها ليرسو في موانئ الخصم السياسي لمجرد الاستجمام؟
كيف يستسيغ رجلٌ في قمة الهرم التنفيذي أن يتنفس هواءً تشحنه الأحزاب الإسبانية بمختلف طوائفها وألوانها بالحقد والوعيد ضد المغرب؟
وكيف يستطيب النوم في جغرافيا كان يصرخ فيها اليمين المتطرف أمام مقر سفارتنا بشعارات تجرح الوجدان المغربي وتتعدى على حدود الكرامة الوطنية؟
إن السؤال المطروح اليوم ليس سؤال الجنسية الورقية التي يحملها رئيس الحكومة في بطاقة تعريفه الوطنية بل هو سؤال الجنسية الوجدانية تلك التي نسميها في الأدبيات المغربية البسيطة بـ (الكبدة على البلاد).
هذه الغيرة التلقائية التي تجعل المواطن العادي في أقاصي الريف أو الأطلس أو الصحراء يتألم لأي مساس بكرامة وطنه..
هي نفسها التي غابت – ويا للأسف – عن التقدير السياسي لرجل كان مفترضاً فيه أن يجسد هيبة الدولة في أدق تفاصيل سلوكه.
لقد غادر رئيس الحكومة نحو إسبانيا ليعود منها بعد 48 ساعة تحت ضغط الصدمة وحرج الموقف لكن الضرر السياسي والأخلاقي كان قد وقع بالفعل.
فالسفر في حد ذاته وفي تلك اللحظة الحرجة التي سالت فيها دماء مغربية بسبب قرار قضائي إسباني جائر هز أركان الشراكة المفترضة كان بمثابة قراءة خاطئة بل وصادمة لطبيعة اللحظة التاريخية.
ولو أمهل رئيس الحكومة نفسه يوماً إضافياً هناك لسمع بأذنيه نبرة الاستعلاء الصادرة عن وزيرة الدفاع الإسبانية وهي تتحدث بلغة « الآمر » وتضع خطوطاً حمراء أمام المغرب وكأننا في زمن الوصاية..
إننا لسنا أمام مجرد خطأ في التوقيت أو سوء تقدير في البروتوكول بل نحن أمام أزمة عميقة في الضمير الأخلاقي والوعي السياسي.
لقد شعرنا كمغاربة بسطاء لهذا الوطن وهم يتابعون تفاصيل هذا السفر الاستعجالي بخيبة أمل جارفة وكأنما طُعنوا في ظهر كرامتهم الوطنية.
لقد كشفت هذه الواقعة المؤلمة أن المناصب الحكومية والتحالفات الحزبية والمقاعد المريحة قد تمنح صاحبها صفة المسؤول الأول لكنها أبداً لا تمنحه الحس التاريخي والغيرة الصادقة التي تجعل كرامة الوطن فوق كل استجمام وأعلى من كل اعتبار…
