كيف تشكّلت تشوّهات الحياة السياسية في المغرب؟

كيف تشكّلت تشوّهات الحياة السياسية في المغرب؟
شارك

الجزء الأول. 

محمد الاسماعيلي.

يصعب فهم ما آلت إليه الحياة السياسية في المغرب إذا اختُزلت أزماتها في سلوك هذا الفاعل أو ذاك، أو أُرجعت إلى مرحلة سياسية بعينها. فالتشوهات التي تطبع المجال السياسي اليوم ليست وليدة لحظة عابرة، ولا نتيجة أخطاء أشخاص مهما كانت مواقعهم، وإنما هي حصيلة مسار تاريخي طويل، تفاعلت فيه رهانات بناء الدولة، واختيارات السلطة، وتحولات المجتمع، وأداء النخب، وتأثير السياقات الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت السياسة قد أخفقت، وإنما بكيفية تشكل النسق السياسي الذي أنتج هذه المظاهر، وأعاد إنتاجها عبر الزمن.

عند حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، بدا الأفق الوطني مفتوحاً على إمكانات واعدة. فقد خرجت الحركة الوطنية من معركة التحرير برصيد كبير من الشرعية السياسية والرمزية، وكان الأمل معقوداً على أن يتحول الاستقلال من مجرد استرجاع للسيادة الوطنية إلى مشروع تاريخي لبناء دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتوسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار. وكانت الأحزاب الوطنية، والنقابات، والحركة الطلابية، والجمعيات المدنية الناشئة تمثل آنذاك وسائط حقيقية بين الدولة والمجتمع، بما أوحى بإمكان قيام حياة سياسية تتطور تدريجياً نحو مزيد من التوازن والتعددية.

غير أن السنوات الأولى للاستقلال سرعان ما كشفت أن معركة التحرير لم تكن هي معركة بناء الدولة. فبينما كان الجميع متفقاً على إنهاء الحماية، لم يكن الاتفاق قائماً بالقدر نفسه حول طبيعة الدولة الجديدة، وحدود السلطة داخلها، وموقع المؤسسات المنتخبة في هندسة القرار السياسي. وهكذا انتقل المغرب من مواجهة المستعمر إلى تدبير تنافس داخلي حول مشروعية القيادة، وكيفية توزيع السلطة، وطبيعة النظام السياسي الذي ينبغي أن يتولى قيادة مرحلة ما بعد الاستقلال. ولعل تجربة حكومة عبد الله إبراهيم (1958-1960) تمثل إحدى أبرز المحطات التي تجسد هذا التباين في الرؤى. فقد جاءت هذه الحكومة، التي تولى فيها عبد الرحيم بوعبيد حقيبة الاقتصاد والمالية، وهي تحمل تصوراً إصلاحياً طموحاً لبناء اقتصاد وطني وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة. ومن أبرز مشاريعها إنشاء بنك للتجارة الخارجية، وإرساء نظام للضمان الاجتماعي، وإصدار عدد من التشريعات المرتبطة بالحريات العامة والمسطرة الجنائية، وفصل الدرهم عن الفرنك الفرنسي، إلى جانب الشروع في إعداد مخطط خماسي للتنمية يهدف إلى إرساء أسس نهضة اقتصادية وصناعية وتعليمية وفلاحية شاملة. غير أن عمر هذه التجربة لم يتجاوز ثمانية عشر شهراً، لتنتهي قبل أن تكتمل برامجها. وقد اعتبر عدد من الباحثين والفاعلين السياسيين أن نهاية هذه الحكومة شكلت منعطفاً مبكراً في ترجيح خيار مركزية القرار في بناء الدولة، بينما رأى آخرون أن طبيعة المرحلة وتعقيداتها الداخلية والإقليمية كانت تفرض إعادة ترتيب أولويات السلطة. ومهما اختلفت القراءات، فإن هذه التجربة تظل من المحطات المؤسسة لفهم الكيفية التي تشكلت بها المنظومة السياسية المغربية في السنوات الأولى.

وفي خضم هذه التحولات، أخذت الدولة تتجه تدريجياً نحو تعزيز تمركز السلطة وصنع القرار، باعتبارها الضامن الأول لوحدة البلاد واستمرار مؤسساتها، خاصة في سياق إقليمي اتسم بعدم الاستقرار، وصراعات الحرب الباردة، وبروز انقلابات عسكرية في عدد من الدول العربية والإفريقية. وقد جعل هذا السياق هاجس بناء الدولة واستقرارها يتقدم على رهانات توسيع المجال السياسي، فأُعيد تنظيم العلاقة بين السلطة والأحزاب، وتحدد هامش الفعل السياسي وفق منطق يوازن بين متطلبات الاستقرار ومقتضيات المشاركة.

وقد ازداد هذا التوجه رسوخاً مع مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين عرف المغرب محاولتي الانقلاب العسكري سنتي 1971 و1972، وهما من أخطر الأحداث التي واجهتها الدولة منذ الاستقلال. فقد تركت تلك المحاولات أثراً عميقاً في الوعي السياسي وفي طبيعة تدبير السلطة، ورسخت أولوية الحفاظ على استمرارية الدولة وتماسك مؤسساتها، بما عزز هيمنة المركز على تدبير الشأن العام، وأضفى على إدارة النظام السياسي بعداً أمنياً ظل حاضراً في كثير من السياسات اللاحقة. ولم تكن تلك التحولات مجرد استجابة ظرفية لأحداث استثنائية، بل أسهمت في إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية نفسها، حيث أصبح الاستقرار شرطاً سابقاً على الإصلاح، وغدا توسيع المشاركة السياسية يتحرك داخل حدود ترسمها اعتبارات المحافظة على الدولة ووحدتها.

وبعد ثلاث سنوات فقط، جاءت المسيرة الخضراء سنة 1975 واسترجاع الأقاليم الصحراوية لتفتح مرحلة جديدة في التاريخ الوطني. فقد نجحت هذه المحطة في خلق لحظة استثنائية من الإجماع الوطني حول قضية الوحدة الترابية، وأعادت توجيه اهتمام مختلف الفاعلين نحو معركة اعتُبرت قضية وجود بالنسبة للدولة والمجتمع معاً. ولا شك أن هذا الإجماع شكل أحد أهم عناصر قوة الدولة المغربية، وساهم في تعزيز تماسكها الداخلي في مواجهة تحديات إقليمية ودولية معقدة. غير أن انتقال قضية الصحراء إلى مركز الحياة السياسية أعاد، في الوقت نفسه، ترتيب أولويات المجال العمومي، فأصبحت كثير من رهانات الإصلاح السياسي تُقرأ في ضوء مقتضيات الوحدة الوطنية، وغدا التوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات الانفتاح أحد أكثر الأسئلة حضوراً في التجربة المغربية.

ومن داخل هذه الشروط التاريخية، تشكل النسق السياسي المغربي وفق منطق خاص، لم يكن التنافس الحزبي سوى أحد مكوناته، لا المحدد الوحيد له. فقد تداخلت اعتبارات بناء الدولة، والحفاظ على الاستقرار، وتدبير قضية الوحدة الترابية، مع رهانات التنمية والإصلاح، لتنتج مجالاً سياسياً تحكمه توازنات دقيقة، أكثر مما تحكمه قواعد التنافس الديمقراطي الصرف. وأدى ذلك، تدريجياً، إلى إعادة تعريف أدوار الأحزاب والنقابات وبقية المؤسسات الوسيطة، بحيث أصبحت قدرتها على التأثير في السياسات العمومية مرتبطة بطبيعة هذه التوازنات، لا فقط بحجم حضورها الشعبي أو الانتخابي.

ومن أبرز مظاهر هذا المسار أن الدولة لم تكتف، في بعض المحطات، بدور الحكم بين الفاعلين السياسيين، بل أسهمت أيضاً في إعادة تشكيل الخريطة الحزبية بما ينسجم مع التوازنات التي كانت تراها ضرورية لاستقرار النظام السياسي. فمنذ تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية في مطلع الستينيات، مروراً بظهور التجمع الوطني للأحرار في أواخر السبعينيات، ثم الاتحاد الدستوري في بداية الثمانينيات، وصولاً إلى تجربة الأصالة والمعاصرة في العقد الأول من الألفية الثالثة، ظل كثير من الباحثين يعتبرون هذه المحطات جزءاً من آليات إعادة هندسة المجال الحزبي، بهدف إنتاج توازنات جديدة في مواجهة القوى التي كانت تنازع المؤسسة الملكية على قيادة المجال السياسي. وقد اختلفت القراءات في تفسير هذه التجارب، بين من رآها استجابة لضرورات الاستقرار، ومن اعتبرها تعبيراً عن منطق الاحتواء وإعادة ترتيب الحقل السياسي، لكنها جميعاً تعكس أن الدولة كانت فاعلاً رئيسياً في رسم ملامح التنافس السياسي، لا مجرد إطار محايد لتنظيمه.

وتجاوز هذا التحول حدود المؤسسات، ليترك بصمته الواضحة في الثقافة السياسية نفسها. فالأحزاب التي من المفترض أنها نشأت في الأصل باعتبارها مدارس للتأطير وإنتاج الأفكار وصناعة النخب، أخذت تنشغل، بدرجات متفاوتة، بتدبير مواقعها داخل النسق القائم أكثر من انشغالها بتجديد مشاريعها الفكرية. ومع مرور الزمن، تراجعت الوظيفة التربوية والتأطيرية لصالح الاعتبارات الانتخابية والتنظيمية، وغلب منطق المحافظة على الموقع على منطق بناء المشروع، فتحولت المنافسة السياسية، في كثير من الأحيان، إلى منافسة على تدبير المواقع أكثر منها تنافساً بين رؤى متمايزة لإدارة الشأن العام.

وفي الوقت نفسه، كان المجتمع المغربي يعرف تحولات عميقة بوتيرة متسارعة. فقد اتسعت المدن، وتغيرت البنيات الاجتماعية، وارتفعت نسب التمدرس، وتوسعت الطبقة الوسطى خلال مراحل معينة، وانفتحت البلاد على تحولات اقتصادية وثقافية وإعلامية متلاحقة، ثم جاءت الثورة الرقمية لتعيد تشكيل أنماط التواصل والتأثير وصناعة الرأي العام. غير أن هذه الدينامية الاجتماعية لم تجد دائماً ما يقابلها من تجديد في بنية المجال السياسي، فبدأت تتسع الفجوة بين مجتمع يتغير بسرعة، ومؤسسات تتغير بإيقاع أبطأ، الأمر الذي انعكس تدريجياً على مستويات الثقة والمشاركة والانخراط في العمل العام.

ومن هنا برزت، بصورة متزايدة، أزمة الوسائط السياسية والاجتماعية. فالسياسة الحديثة لا تقوم على العلاقة المباشرة بين الدولة والمجتمع، وإنما تنهض على شبكة من المؤسسات الوسيطة التي تتولى التأطير والتمثيل وصياغة المطالب وتحويلها إلى سياسات عمومية. وعندما تضعف هذه الوسائط، أو تفقد جزءاً من استقلاليتها ومصداقيتها، لا تختفي المطالب الاجتماعية، وإنما تبحث عن قنوات أخرى للتعبير.

وقد تجلت هذه الأزمة في أكثر من مستوى. فالأحزاب لم تعد تمتلك القدرة نفسها على استقطاب الأجيال الجديدة، والنقابات فقدت جزءاً من قوتها التعبوية، كما تراجع الدور التاريخي للجامعة المغربية باعتبارها فضاءً لإنتاج النخب وصناعة الأفكار. فقد شكلت الجامعة، خلال عقود طويلة، مشتلاً للفكر السياسي، ولعب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب دوراً بارزاً في تأطير الطلبة، وتكوين أجيال من القيادات السياسية والنقابية والحقوقية التي كان لها أثر واضح في الحياة العامة. غير أن التراجع الذي أصاب هذا الفضاء، بفعل عوامل متعددة، أفقد المجال السياسي إحدى أهم مؤسساته المنتجة للنخب، وقلص من قدرته على تجديد نفسه من الداخل.

ومع اتساع هذا المسار، انتقل جانب من الفعل السياسي إلى فضاءات أخرى، فتبلورت أشكال جديدة من التعبير خارج المؤسسات التقليدية. فقد مثلت حركة 20 فبراير لحظة فارقة كشفت عن ميلاد جيل جديد يعبر عن مطالبه خارج الأطر الحزبية الكلاسيكية، ثم جاءت احتجاجات حراك الريف وحراك جرادة لتؤكد أن المجتمع لم يفقد اهتمامه بالشأن العام، وإنما أصبح يبحث عن صيغ مختلفة للتعبير عن مطالبه. ومع صعود الفضاء الرقمي، برز جيل جديد وجد في وسائل التواصل الاجتماعي مجالاً للتأثير وصناعة النقاش العمومي، أكثر مما وجده داخل التنظيمات التقليدية. ولم يكن ذلك تعبيراً عن عزوف الشباب عن السياسة، بقدر ما كان مؤشراً على انتقال الفعل السياسي إلى فضاءات جديدة، لم تستطع المؤسسات التقليدية مواكبتها بالسرعة الكافية.

وهكذا أخذت الحياة السياسية تفقد، شيئاً فشيئاً، إحدى أهم وظائفها، وهي إنتاج الثقة. فكلما اتسعت الفجوة بين المجتمع ووسائطه السياسية، تراجعت قدرة هذه الأخيرة على القيام بوظيفتها التمثيلية، وأصبح المواطن يشعر بأن المشاركة الانتخابية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإحداث الأثر المنتظر في السياسات العمومية. ومن ثم، اكتسب العزوف عن المشاركة دلالة أعمق؛ إذ غدا مؤشراً على أزمة ثقة في الممارسة السياسية، وفي مدى قدرة المؤسسات على ترجمة انتظارات المجتمع إلى سياسات عمومية.

ومن هنا يمكن فهم كثير من الظواهر التي تطبع المشهد السياسي اليوم، من ضعف التأطير الحزبي، إلى الترحال السياسي، وصعود الشخصنة، واتساع الخطاب الشعبوي، وتراجع النقاش الفكري، بوصفها أعراضاً لبنية سياسية واجتماعية تشكلت عبر عقود، أكثر منها اختلالات معزولة أو حوادث ظرفية.

لقد نجح المغرب، عبر مساره منذ الاستقلال، في الحفاظ على استمرارية الدولة، وصون وحدتها، وتجنب كثير من الهزات التي عرفتها محيطه الإقليمي. غير أن نجاح الدولة في بناء مؤسساتها لم يواكبه، بالقدر نفسه، نجاح مماثل في بناء مجال سياسي يمتلك الحيوية والاستقلالية والقدرة على إنتاج الثقة وتجديد النخب والوسائط. ومن هنا فإن تشوهات الحياة السياسية لا تبدو أزمة سياسة بقدر ما هي أزمة شروط إنتاج السياسة ذاتها.

ولهذا، فإن تجاوز هذه التشوهات لا يبدأ بتغيير الحكومات أو تداول الوجوه، وإنما يقتضي مراجعة أعمق للقواعد التي تنظم المجال السياسي، وإعادة الاعتبار للوسائط التي تصل الدولة بالمجتمع، حتى تصبح السياسة مرة أخرى فضاءً للتأطير والمشاركة وصناعة الثقة، لا مجرد آلية لتدبير التوازنات. وهذا ما يقودنا إلى السؤال التالي: إذا كانت القواعد هي التي تنتج الفاعلين، فكيف يعيد النسق السياسي إنتاج نُخبه، ولماذا لا تتغير النتائج رغم تغير الوجوه؟

            يتبع

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *