المغرب: دواء أنقذ المريض لكنه قتل الطب.
بقلم، محمد خوخشاني.
كانوا هناك، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين كاد قلب المملكة أن يتوقف. رجال من اليسار واليمين والوسط، جمعتهم «تسوية تاريخية» أرادها ملك يحتضر، الحسن الثاني، لدرء «الأزمة القلبية» المعلنة. من بينهم محمد الكحص، كاتب الدولة المكلف بالشباب، والريشة الساخرة لجريدة «ليبيراسيون»، والنجم الصاعد في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. بعد خمسة وعشرين عاماً، لم يعد سوى شبح مهذب في النقاش العام، يكتب أحياناً من بعيد عن خيبة أمله. مساره، المليء بالوعود ثم الصمت، يروي أفضل من أي خطاب ذاك الشفاء الغريب للمغرب: المريض بخير، لكن الأطباء طُرحوا خارج غرفة العمليات.
وصفة ملك بكامل الوضوح.
لم يكن الحسن الثاني ساذجاً. عندما عين عبد الرحمن اليوسفي – معتقل سياسي سابق، وزعيم الكتلة الديمقراطية – رئيساً للحكومة عام 1998، كان يصف علاجاً صادماً: نزع فتيل الاحتجاج الاجتماعي، تحرير الكلمة، فتح صمام أمان لعقود من الاستبداد. كان «الانتقال التوافقي» تحفة من الريال بوليتيك. في خمسة عشر شهراً فقط (توفي الملك في يوليوز 1999)، كان قد وضع قضبان التحديث التفاوضي.
خلال تلك الفترة الساحرة، جسّد رجال مثل الكحص الأمل. برنامجه الشهير «عطلات للجميع» – 150 ألف طفل استفادوا من مخيمات العطلات بثمن زهيد – يبقى رمزاً: دولة الرعاية الاجتماعية لم تكن كلمة فارغة. لكن وراء التظاهر، آمن جيل كامل من الإصلاحيين بقدرته على النحت في عمق المخزن: تقنين الصفقات العمومية، استقلالية القضاء، الاعتراف بالانتهاكات الماضية عبر هيئة الإنصاف والمصالحة. كان النفس ممكناً.
الوريث يغير الجرعة.
بدا وصول محمد السادس، شاباً كاريزمياً، وكأنه سيعجّل الحركة. السنوات الأولى – خطابات العرش، هيئة الإنصاف، مدونة الأسرة – عززت فكرة ربيع مغربي قبل أوانه. لكن تدريجياً، تشخيص الملك تغير: بعد تجاوز الأزمة القلبية، لماذا الاستمرار في تغذية طاقم طبي متطلب ومزعج؟
بدءاً من منتصف العقد الأول من الألفية، تم التخلي عن أحزاب الكتلة. حلت محلها أحلاف أكثر طواعية – RNI، PAM – وعدو مفيد، PJD، الذي استُعمل كصمام أمان حتى الإرهاق. توقفت الإصلاحات الهيكلية. استفاد المقربون من الخوصصة. الفساد، الذي كان الكحص يندده بـ «الرأسمالية المتوحشة»، أصبح أسلوب حكم عادياً.
عام 2007، غادر محمد الكحص المكتب السياسي لحزبه. السبب: الجمود، «تحول الوزراء إلى مدراء مطيعين». لم يكن يعلم بعد أنه وقع للتو عقد وفاته السياسية. بدون حزب، بدون منبر، بدون قاعدة شعبية، لم يعد سوى مراسل منفرد، يُصغى إليه بحنين لكن دون تأثير.
تبديد كبير للطاقات.
اليوم، تتباهى المملكة بصحة مبهرة على الساحة الدولية: TGV، موانئ عملاقة، طاقات متجددة، قوة ناعمة إفريقية. «الأزمة القلبية» لم تعد سوى ذكرى سيئة. لكن، استمع إلى البلد الحقيقي. بطالة حاملي الشهادات تقارب 20 في المائة. المستشفيات العمومية تنهار. الطبقة المتوسطة، التي كانت قاعدة الانتقال التوافقي، تذبل، تآكلها التضخم والهشاشة. حوالي 40 في المائة من الأسر معرضة للخطر. وفي هذا الفراغ السياسي، لم يعد هناك أي صوت يساري يحمل مشروعاً بديلاً ذا مصداقية.
محمد الكحص ليس مصيراً معزولاً. إنه رمز تبديد جماعي: جيل كامل من الكوادر الاشتراكية، الجماهيرية، الديمقراطية، المتعلمة في أفضل المدارس، المشبعة بأخلاقيات الخدمة العامة، لكنها سحقت بأسطوانة النيوليبرالية – أو أغراها، لبعضهم، نعيم مجالس الإدارة. ماذا بقي من الاتحاد الاشتراكي في حلته الجماهيرية؟ حزب شبح، تأكله صراعاته الشخصية، عاجز عن تجسيد أي بديل.
تشخيص متناقض.
نجا المغرب من الموت المفاجئ. لكنه يعاني اليوم من اضطراب نظام اجتماعي مزمن. غياب معارضة يسارية منظمة يجعل الغضب الشعبي يعبر عن نفسه باللجوء للمقاطعة، والإضرابات المتفرقة، أو الأسوأ، في حالة عزوف جماعي تفرغ الديمقراطية التمثيلية من مضمونها. المريض واقف على قدميه، لكن رجلاه يرتعشان.
محمد الكحص يراقب من على حافة الحلبة. يكتب أحياناً، ليذكر أن طريقاً آخر كان ممكناً. أن مخيمات العطلات تلك لم تكن مجرد قرعة، بل علامة طموح: إدخال العدالة الاجتماعية في حمض نووي للدولة. في 2026، يبدو هذا الطموح بعيداً كوعد انتخابي منسي.
خاتمة: دواء الحسن الثاني العظيم أنقذ المملكة من أزمة قلبية. لكن بامتصاص أطبائه ثم هضمهم، حكم على المريض بنقاهة لا نهاية لها. محمد الكحص ونظراؤه ليسوا هم الخاسرون؛ هم شهود مزعجون على ميثاق مكسور. «تبديدهم» هو مرآتنا. طالما لم يراجع اليسار المغربي نهجه السياسي الحالي، سيظل المغرب يدور في حلقة مفرغة: معافى مما هو أسوأ، لكنه مريض بما هو أفظع.
