فقه الأقليات المسلمة في الغرب بين مقاصد الشريعة وتحولات الواقع المعاصر

فقه الأقليات المسلمة في الغرب بين مقاصد الشريعة وتحولات الواقع المعاصر
شارك

الصادق العثماني:

تعيش الجاليات المسلمة اليوم في فضاء عالمي متغير، حيث لم يعد المسلم محصورًا في بيئة اجتماعية وثقافية ذات مرجعية إسلامية خالصة، بل أصبح جزءًا من نسيج مجتمعات متعددة الديانات والقيم والقوانين. هذا التحول الكبير أفرز أسئلة فقهية جديدة لا يمكن التعامل معها فقط من خلال النقل الحرفي لأحكام فقهية نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، بل يستدعي فقهًا قادرًا على فهم الواقع الجديد واستحضار مقاصد الشريعة وتنزيل الأحكام عبر آليات الاجتهاد المعاصر، وعلى رأسها تحقيق المناط وتنقيحه.

إن ما يُعرف اليوم بـ »فقه الأقليات المسلمة » ليس خروجًا عن التراث الفقهي، بل هو امتداد له في بعده الاجتهادي، ومحاولة لتفعيل أدواته في سياق جديد. فالفقه الإسلامي في جوهره ليس مجموعة من القواعد الجامدة، بل هو علم تنزيل الأحكام على الوقائع، والوقائع تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال. ومن هنا فإن فقه الأقليات لا يعني إلغاء الأحكام الشرعية، بل إعادة قراءتها في ضوء المقاصد الكلية: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والكرامة الإنسانية، مع اعتبار مقصد العيش المشترك ورفع الحرج وتحقيق التيسير حيث وُجدت الحاجة والمشقة.

ومن أبرز القواعد المؤسسة لهذا الفقه  » التيسير » فالتيسير أصل من أصول هذا الدين وجوهر من جوامعه الكبرى، لقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾، وقوله سبحانه: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. فالشريعة في بنيتها العامة قائمة على رفع الحرج ودفع المشقة غير المعتادة، لا على إيقاع الناس في الضيق والتعقيد، خاصة في البيئات التي تتعدد فيها الضغوط القانونية والاجتماعية والثقافية كما هو حال المسلمين في الغرب.

ومن هنا فإن فقه الأقليات ليس بدعًا من الفقه الإسلامي، بل هو امتداد طبيعي لخاصية المرونة والاجتهاد التي تميزت بها الشريعة عبر تاريخها، حيث قرر الأئمة الكبار أن الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان والأعراف والأحوال. فقد كان الإمام الشافعي، رغم تأسيسه لمذهب فقهي، يغيّر كثيرًا من اجتهاداته حين انتقل من العراق إلى مصر، حتى عُرف ذلك في التراث بـ »القديم والجديد »، وهو دليل على اعتبار تغير البيئة والواقع في بناء الحكم الشرعي.

كما أن الإمام الجويني، إمام الحرمين، قرر في مشروعه الأصولي أن النظر المقاصدي يصبح ضروريًا عند تغير الوقائع، وأن الفقيه ينبغي أن يراعي مقاصد الشريعة عند تنزيل الأحكام، لا أن يقف عند ظواهر جزئية بمعزل عن الكليات العامة.

وكذلك نجد عند الإمام القرافي تأصيلًا بالغ الأهمية في كتابه الفروق، حيث قرر قاعدة مفادها أن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد أمر معتبر شرعًا، وأن الجمود على الأقوال دون اعتبار تغير الواقع يؤدي إلى تعطيل مقاصد الشريعة نفسها.

أما الإمام مالك فقد كان من أوضح الأئمة في اعتبار العرف والعادة مصدرًا معتبرًا في الفهم الفقهي، حتى قرر العلماء أن « المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا »، وأن العرف إذا استقر ولم يخالف نصًا شرعيًا فإنه يُبنى عليه الحكم. وهذا يفتح بابًا واسعًا لفهم الواقع الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه المسلمون في الغرب دون صدام مع أصول الدين، بل ضمن إطارها المنضبط.

ومن خلال اعتبار العرف في الفقه الإسلامي يمكن حل كثير من الإشكالات التي تعيشها الجاليات المسلمة في الغرب، إذ إن العرف الصحيح غير المصادم للنصوص الشرعية يُعد من أهم أدوات تنزيل الأحكام على الواقع. فاعتماد هذا الأصل يمكن أن يخفف من كثير من التوترات الفقهية والاجتماعية، مثل مسألة المشاركة في بعض المناسبات الاجتماعية العامة كعيد الأم أو العيد الوطني، حيث تُفهم هذه المناسبات في كثير من السياقات الغربية باعتبارها أعرافًا اجتماعية لا طقوسًا دينية، تعبر عن قيم الشكر والانتماء الأسري أو الوطني. وبالتالي فإن تهنئة غير المسلمين في أعيادهم الدينية أو الوطنية، أو المشاركة في بعض المناسبات الاجتماعية غير التعبدية، يمكن أن تندرج ضمن باب المجاملة وحسن المعاشرة والبر والقسط، ما دامت لا تتضمن إقرارًا بعقيدة دينية مخالفة، ولا خروجًا عن ثوابت الإيمان.

وبالعودة إلى الواقع العملي، يبرز في حياة المسلم في الغرب عدد من الإشكالات التي تحتاج إلى تنزيل فقهي مقاصدي، مثل مسألة التعامل اليومي مع غير المسلمين، ومنها مسألة السلام ومصافحة المرأة الأجنبية. في البيئات الغربية قد يؤدي الامتناع المطلق عن المصافحة في سياقات مهنية أو اجتماعية إلى سوء فهم أو حرج شديد. وهنا يُنظر إلى المسألة بميزان الموازنة بين حفظ العفة ودرء المفسدة، وبين رفع الحرج وتحقيق حسن المعاشرة.

وكذلك الصلاة في الأماكن العامة أو الشوارع عند الازدحام، فهي مسألة ترتبط بالضرورة أو الحاجة العامة، مع مراعاة النظام العام وعدم الإضرار بالآخرين، حتى لا تتحول الشعيرة إلى مصدر تشويه صورة الدين وتوتر اجتماعي بدل أن تكون وسيلة لإظهار روح الإسلام.

وفي مسألة رفع الأذان، فإن الأصل هو مشروعية إظهاره باعتباره من شعائر الإسلام، لكن تنزيله يتأثر بالقوانين المحلية. ففقه التعايش هنا يوازن بين حفظ الشعيرة واحترام النظام العام.

أما مسألة الإقامة في بلاد الغرب وحمل الجنسية الأجنبية، فإن المعالجة الفقهية في إطار فقه الأقليات لا تقف عند التصورات الفقهية القديمة التي نشأت في سياقات تاريخية مغايرة، بل تنظر إلى المسألة من زاوية المقاصد والمآلات. فالحكم في هذه الحالة ليس واحدًا مطلقًا، وإنما يتغير بحسب ما تفضي إليه الإقامة من آثار على دين المسلم وهويته وقدرته على ممارسة شعائره والمساهمة الإيجابية في مجتمعه. فإنها تندرج في دائرة الجواز وقد ترتقي إلى الاستحباب باعتبار المصالح المتحققة. أما إذا ترتب عليها ضعف الالتزام الديني أو الذوبان الثقافي أو تعطيل الشعائر الأساسية، فإن الحكم حينئذٍ يُعاد النظر فيه وفق ميزان المآلات والمصالح والمفاسد.

وفي الحجاب والنقاب، يفرق فقه الأقليات بين الثابت الشرعي وصور التطبيق، مع اعتبار أن بعض القيود القانونية قد تستدعي الاجتهاد في الموازنة بين حفظ الحكم الشرعي وتقليل الضرر الواقع على المرأة المسلمة.

أما الصلاة في العمل أو الشركات، فهي من المسائل اليومية التي يدخل فيها التيسير، حيث يجوز أداء الصلاة في أي مكان طاهر متاح مع مراعاة الالتزامات المهنية وعدم تعطيل مصالح العمل.

وفي المقابل، فإن فقه الأقليات يحتاج أيضًا إلى قدر من النقد الذاتي لبعض الممارسات التي قد تقع فيها بعض الجاليات المسلمة دون وعي بمقاصد الشريعة أو بفقه الواقع. فمن ذلك مظاهر إقامة الصلاة في الشوارع بطريقة قد تُحدث إرباكًا عامًا أو توترًا مع السكان المحليين، في حين أن الشريعة لم تأتِ لتعطيل النظام العام أو إحداث الاحتكاك السلبي، بل جاءت لإظهار العبادة في صورتها الرحيمة المنضبطة.

وكذلك يُلاحظ في بعض خطب الجمعة أو الخطاب الديني الموجه للجاليات في الغرب وجود نبرة انفعالية أو خطاب صدامي يُعمم الأحكام ويستهدف ثقافة المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، بل قد يصل أحيانًا إلى الدعاء على غير المسلمين بصيغ مثل: « اللهم شتت شملهم ورمل نساءهم »، وهو خطاب لا ينسجم مع المقاصد الكبرى للشريعة التي تقوم على العدل والرحمة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أنه يتعارض مع فقه التعايش الذي يقتضي بناء جسور الثقة لا تعميق الصدام، ويخالف روح الرسالة الإسلامية القائمة على الرحمة للعالمين.

إن هذه المراجعات لا تعني التنازل عن الثوابت، بل تعني ترشيد الخطاب الديني وتفعيله ضمن مقاصده الصحيحة، بحيث يتحول فقه الأقليات إلى أداة بناء وتوازن، لا إلى مصدر توتر أو عزلة داخل المجتمعات الغربية.

وهكذا يتضح أن فقه الأقليات ليس استثناءً من الفقه الإسلامي، بل هو أحد تجلياته المعاصرة، يعيد للفقه روحه الاجتهادية، ويجعله علمًا حيًا قادرًا على مرافقة المسلم حيثما كان، دون أن يفقد بوصلته أو ينقطع عن مقاصد شريعته الكبرى.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *