كيف يتم محاربة الميثولوجيا المغربية؟
عبد المنعم الكزان:
في خضم هذا الجدل الذي أصبح كل سنة يطفو على الساحة كلما بدأ الاحتفال ب « بو يلماون » حيث أصبحت كل عادة أو ثقافة شعبية مغربية موضوع محاكمات أيديولوجية متطرفة ومتعجلة.. كان أطفال المغرب كل سنة وبدون استثناء سواء في البوادي أو الحواضر ينتظرون بشغف كبير لا يوصف. ظهور ذلك الكائن الغريب في ثالث أو سابع ايام العيد الكبير، والذي يخرج من عمق المخيال الجماعي مرتديا جلود الأضاحي، ويحمل حوافر أي كوارع الخروف أو الجدي، متنقلا بين الدروب والأزقة، يثير الخوف والضحك في آن واحد.
لقد كان اسمه يختلف من منطقة إلى أخرى، لكنه ظل يحمل الروح نفسها؛ ( بوجلود، بولبطاين، بوهيدور، بولحلايس، با الشيخ، سونة souna، بيلماون… أسماء كثيرة لذاكرة واحدة ولكائن واحد .
تروي والدتي في « تازة العتيقة « ، كان الأطفال يرددون الأهازيج وراء سونة وهذا المخلوق الغريب يطوف بين الأزقة والدروب القديمة، يرددون معه »سونة أبغات الكديد والعيد مازال أبعيد »، و »سونة أبغات الكديد وأعطيوها يا ودي، باشيخ ظل إيشوش وعزونة في العطوش، عزونة أداها ليهودي حتى أنجيبو لفلوس. أمكمسة في الكموس »
لقد كانت الساكنة تجود كل على قدره (من سكر،أو نقود،أو زرع….) على رعاة الفرجة.
إنها كلمات بسيطة تحمل في طياتها فرحا جماعيا عفويا، وكانت الشخصيات الأسطورية تتنقل بين البيوت والناس دون أن يسأل أحد عن أصلها العقدي ولا إلى أي دين تنتمي، إنهم لا يسألون أصلا خلفيتها الدينية التي اليوم تشكل صلب النقاش والهرج والمرج.
من الغريب أن البعض إعتبر هذا الكائن يشبه الشيطان وكأن هؤلاء التقطوا صورا فوتوغرافية مع الشيطان، أو يسكن في حيهم، حيث يلتقونه كل صباح أو مساء في الأزقة أو عند محطات الحافلات والمترو أو ينتظر قدوم سيارة الأجرة.
لقد كان الجميع يتعامل مع بوجلود souna باعتباره جزءا من الفولكلور الشعبي واحتفالا فرجويا جماعيا يخص الأطفال والكبار على حد سواء.
وحسب روايات العديد من كبار السن وعلى رأسهم والدتي ، فإن هذا الطقس الفرجوي انقرض في مناطق عديدة من المغرب منذ بداية سبعينيات القرن الماضي وعلى رأسها « تازة « ، بعدما كان مشهدا احتفاليا مغربيا مألوفا، مع مرور الزمن لم يختفي هذا الكائن الغريب ومعه أجواء الاحتفال فقط، بل انقرضت إلى جانبه الذاكرة الجماعية المرتبطة به، حتى أصبح العديد من المغاربة يجهلون أن هذا الاحتفال لم يكن حكرا على منطقة دون غيرها من المغرب، بل كان حاضر في كل جهات المملكة مع اختلاف المسميات والأهازيج الطقوس التي تصاحبه، لدرجة أن بعضهم أعتبره دخيلا على الثقافة المغربية.
ان الاشكال الحقيقي ليس في اختفاء عادة شعبية فحسب، بل في الطريقة التي أصبح يروج لها البعض، فبذل أن ينظر إليها باعتبارها موروثا رمزيا وثقافيا وطقسا احتفاليا تمتد جذوره لآلاف السنين، تم ربطه قصرا بالدين بشكل متطرف، وكأن المجتمعات لا تنتج سوى طقوس ذات طبيعة دينية رغم أننا لا ننكر كونه مرتبط بالمجتمع الزراعي المغربي القديم وبالخصوبة. لكن التاريخ الإنساني يخبرنا أن المجتمعات طيلة مئات القرون أنتجت منظومة كاملة الرموز والأساطير والاحتفالات المرتبطة بالطبيعة والفصول والخصوبة والتحول وتجدد الحياة وسؤال الموت.
لقد كانت أرض المغرب، أحد أكبر المسارح الميثولوجية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فهنا أنتجت المخيلة الإغريقية حدائق هسبيريس الأسطورية حيث عاشت بنات أطلس الكريمات، وهنا كان الإله العملاق أطلس الذي حمل السماء فوق كتفيه. وعلى أرضه خاض هرقل حروبه ومغامراته، كما كانت هذه الأرض مسرحا لعشرات الأساطير القديمة بأحداثها وشخصياتها ولا تزال السينما العالمية والروايات الحديثة تستلهمها إلى اليوم. من طنجة، وجبال الأطلس، السواحل الأطلسية، إلى جنوب المملكة، كلها كانت في مخيلة القدماء مكان للآلهة والعمالقة والحوريات والكائنات الغريبة والعجيبة.
المستغرب أن الأحداث الاسطورية التي تجذب المخرجين وكتاب السيناريو والموثقين وكتاب الروايات، التي توجد في جغرافيا المغرب أكثر مما توجد في أي مكان في العالم، ولكن المغاربة يحاربونها ولا يتم استثمارها فنيا وثقافيا وسياحيا.
أكثر من ذلك إن البعض يسارع بجهل وتطرف كبير في التعامل مع الميثولوجيا وكأنها الخطر الجارف الذي يجب محوه والتنكر له من الذاكرة الجماعية للمغاربة،
أن الميثولوجيا ليست ليست بديلا عن الدين ولا يمكن أن تكون دينا، إنها جزء من التاريخ والأفكار الإنسانية وهي تعكس تطور الإنسانية جمعاء كما تعكس متخيلها وجذورها وانتمائها الاصيل.
إن هذا المنطق المتطرف يذكرنا بما وقع في بلدان أخرى حين أصر بعض المتطرفين وأد ذاكره كاملة من التراث الإنساني.
إنهم يشبهون مبدئيا، بعض الدعوات التي استهدفت الإرث الفرعوني باعتباره ماضيا وثنيا، أو المتشددون في أفغانستان اللذين قاموا بتفجير التماثيل الشهيرة لبوذا حيث كانت تشكل إرثا إنسانيا عالميا قبل أن تكون رمزا لدين معين.
إن الشعوب الواثقة من نفسها لا تخشى ماضيها كيف ما كان، لكنها تقوم بدراسته وتجعل منه منطلقا للإبداع والجمال والعلم.
واخيرا لابد أن نشير إلى كون بو يلماون souna ليس استثناء أمازيغيا صرفا أو مغربيا صرفا، إنه يدخل في منظومة طقوسية كبيرة وواسعة ومنتشرة عبر كل بقاع العالم تقريبا.. سواء عند الطوارق في الصحراء الكبرى أي السنغال ومالي والنيجر، أو القبائل والأوراس أو ليبيا، اضافة الى البرتغال وإسبانيا وإيطاليا واليونان و بريطانيا وإيرلندا واسكتلندا وسويسرا وجنوب ألمانيا والنمسا ورومانيا وبلغاريا هنغاريا ومقدونيا وسردينيا، وانتهاءا باليابان وبعض دول آسيا، حيث توجد اشكالا متعددة الطقوس المرتبطة بالأقنعة والجلود وتجسيد الحيوانات والكائنات الاسطورية، لكن كل مجتمع يضفي على هذه الطقوس لغته وخطابه الرمزي الخاص و روايته المحلية وحكايته المحلية كما يختلف توقيت الاحتفال والأزياء والشخصيات المرافقة، لكن أساس الاحتفال يبقى واحدا ،ويمثل في علاقة الطبيعية بالإنسان، واستحضار هذه العلاقة في الفرجة والحكي .
إن الدفاع عن بوجلود أو سونة أو بويلماون ليس دفاعا باعتباره ممارسة دينية، إنه دفاع عن حق ذاكرة جميع المغاربة في البقاء، على المسرح العالمي، وهو دفاع عن الثقافة المغربية بشتى مكوناتها الأمازيغية والمتوسطية والإفريقية والعربية والإسلامية واليهودية، على اعتبار إن الأمم العريقة لا تستمر بنسيان تاريخها و ذاكرتها بل بالحفاظ عليها، بالشكل الذي ينافس به ذاكرة أمم وشعوب أخرى استطاعت الصمود بصمود تاريخها الذي يعكس تجذرها كأمة عبر تاريخها العريق.
في تازة لم يعد الصغار يرددون عبر أزقتها خلف سونة تلك الاهازيج ويلاحقون سونة بين الدروب القديمة،
فكم هي الأساطير والطقوس والقصص الحكايات التي اندثرت ومحيت من ذاكرة المغاربة؟
فهل سنشهد يوما من يعيد الاعتبار للذاكرة الجماعية المغربية بكنوزها الثقافية قبل أن يتم نسيانها؟
