انتخابات 2026: عندما تلتقي النظرية المؤسساتية بحصيلة ولاية تشريعية… ووقائع التمثيل السياسي

انتخابات 2026: عندما تلتقي النظرية المؤسساتية بحصيلة ولاية تشريعية… ووقائع التمثيل السياسي
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

السياق

في 15 يوليوز 2026، تنشر يومية « ميديا24 » الاقتصادية الإلكترونية، في العدد نفسه، نصين يبدو أنهما يتحاوران دون أن يتنسقا مسبقاً.

الأول هو مقال رأي لعبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق، بعنوان « الانتخابات التشريعية لسنة 2026: موعد حاسم لمستقبل المغرب ». يطور فيه الكاتب تأملاً ذا أبعاد مؤسساتية: إذ يرى أن الرهان الأساسي للانتخابات لا يكمن فقط في فوز حزب أو آخر، بل في قدرة المؤسسات الخارجة من صناديق الاقتراع على ضمان حكامة قوية وذات مصداقية وفعالة، وهو الشرط الأساسي لثقة المواطنين وجاذبية البلد.

أما النص الثاني، المعنون بـ »الولاية التشريعية 2021-2026: خمس سنوات من الإصلاحات، لكن عدة مشاريع كبرى معلقة »، فيعرض حصيلة الولاية التشريعية الحادية عشرة. يستعرض الإنجازات الكمية للبرلمان (نصوص مصادق عليها، نشاط رقابي، تقييمات للسياسات العمومية)، مع الاعتراف بأن عدة إصلاحات كبرى – وعلى رأسها مدونة الأسرة، ومدونة الشغل، وإصلاح المعاشات – لم تبلغ مداها النهائي.

يشكل تجاور هذين المنشورين تمريناً تحليلياً خصباً بشكل خاص: الأول يعرض نظرية الحكامة الديمقراطية؛ والثاني يقدم العناصر التي تمكن من اختبار مدى تأثيرها من خلال النتائج الملموسة لولاية تشريعية.

قراءة متقاطعة: أقوال الصديقي أمام اختبار الحصيلة.

1. المؤسسات النشيطة ليست بالضرورة مؤسسات فعالة بالكامل.

تشهد معطيات الحصيلة بنشاط برلماني مكثف: 237 نصاً مصادقاً عليها، قرابة 60٪ منها صُوّت عليها بالإجماع، وآلاف الأسئلة الموجهة للحكومة، والعديد من مهمات التقييم.

هذه الأرقام تثبت السير العادي للمؤسسات. غير أنها لا تكفي وحدها لقياس فعاليتها السياسية.

وكما يشير عبد السلام الصديقي، فإن المتانة الحقيقية للمؤسسة لا تُقاس فقط بحجم نشاطها، بل خاصة بقدرتها على معالجة الملفات الأكثر تعقيداً والأكثر هيكلة.

لكن الحصيلة تعترف هي نفسها بأن عدة إصلاحات كبرى ظلت غير مكتملة. ومن ثم، يطرح تساؤل: هل يعكس معدل التوافق المرتفع نضجاً مؤسساتياً حقيقياً، أم يكشف عن ميل إلى تفضيل النصوص التوافقية على حساب الإصلاحات الأكثر حساسية؟

2. بين الأداء المؤسساتي وثقة المواطن.

يصف الرصيد البرلماني نشاط المؤسسة بدقة، لكنه يظل صامتاً تجاه عنصر أساسي: تصور المواطنين تجاهه.

هذا الغياب يؤكد بشكل غير مباشر أحد الانشغالات التي عبر عنها الصديقي: لا يمكن تقييم الديمقراطية فقط من خلال مؤشرات إدارية أو تشريعية. بل لا بد من قياس الثقة التي تلهمها، خاصة لدى الأجيال الشابة.

إن الصعوبة في إنجاز إصلاحات مثل مدونة الأسرة تجسد بدقة هذا الفجوة بين الأجندة المؤسساتية وتطلعات جزء من المجتمع.

3. التعثرات تعود للسياسي بقدر ما تعود للمؤسساتي.

في ضوء الحصيلة، فإن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت المؤسسات تعمل، بل ما إذا كانت تمتلك القدرة السياسية اللازمة لقيادة التحولات الأكثر أهمية.

تُظهر الصعوبات التي ووجهت في عدة إصلاحات أن العقبات تعود أقل إلى وجود المؤسسات منها إلى توازنات القوى، والتحكيمات السياسية، والتوازنات الاجتماعية والثقافية والدينية التي تتحكم في أي قرار.

4. تحسين أخلاقيات الحياة العامة لا يزال ورشاً مفتوحاً.

يجد تأمل الصديقي حول دور الأحزاب صدى في الملاحظات التي أدلى بها المسؤولون البرلمانيون أنفسهم بشأن تغيب بعض المنتخبين وغياب إطار قانوني شامل حول تضارب المصالح.

تذكر هذه المعاينات بأن مصداقية المؤسسات تعتمد أيضاً على قدوة من يتألفون منها.

5. بُعد غير مُولى له الاهتمام الكافي: شروط التمثيل السياسي.

يحلل النصان بشكل رئيسي المؤسسات بعد تشكيلها. ولا يستجوبان كثيراً الشروط التي يُنتخب فيها أعضاؤها.

غير أن جودة البرلمان تعتمد أيضاً على جودة التنافس الانتخابي الذي يسبقه.

في سياق ما زالت فيه الأمية، والتفاوتات الاجتماعية، وهشاشة جزء من السكان قائمة، يمكن للموارد الاقتصادية أن تمارس تأثيراً كبيراً على الحملات الانتخابية. فالقدرة المالية لبعض المرشحين، وشبكات نفوذهم، أو شهرتهم المحلية قد ترجح آنذاك أكثر من جودة مشروعهم السياسي، أو كفاءتهم، أو قدرتهم على الإقناع عبر النقاش الديمقراطي.

لا يتعلق الأمر إطلاقاً بتأكيد أن هذه الواقعية تميز جميع المرشحين، ولا أن الموارد المالية تحدد وحدها نتائج الانتخابات. لكن، عندما تصبح فجوات الإمكانيات مفرطة، وتظل آليات المراقبة غير كافية، قد يتعرض مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين للاهتزاز.

تقود هذه الملاحظة إلى توسيع تأمل عبد السلام الصديقي: قبل حتى تعزيز المؤسسات، أليس من المناسب التساؤل حول الشروط التي يُبنى فيها التمثيل الوطني؟ فجودة المؤسسات، في الواقع، لا تنفصل عن جودة من يتألفون منها، ولا عن الثقة التي يوليها المواطنون للعملية الانتخابية ذاتها.

الخلاصة.

تتيح القراءة المتقاطعة للنصين في النهاية تمييز ثلاثة مستويات تحليلية متكاملة.

الأول يتعلق بالأداء المؤسساتي، الذي تظهره الحصيلة بوضوح عبر كثافة النشاط البرلماني.

الثاني يهم الفعالية السياسية، المُقاسة بقدرة المؤسسات على قيادة الإصلاحات الأكثر انتظاراً، وهو مجال تظهر فيه عدة حدود.

أما الثالث، وغالباً ما يكون أقل استكشافاً لكنه لا يقل حسمًا، فيتعلق بجودة التمثيل الديمقراطي نفسه. فثقة المواطنين لا تعتمد فقط على أداء المؤسسات؛ بل تقوم أيضاً على عدالة التنافس الانتخابي، والتثقيف المدني للناخبين، وتكافؤ الفرص الحقيقي بين المرشحين، وقدرة الأحزاب على الترويج لرجال ونساء تشكل كفاءتهم ونزاهتهم وإحساسهم بالصالح العام أبرز أوراقهم.

من هذا المنظور، لن تشكل الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد موعد انتخابي. بل ستمثل اختباراً للنضج الديمقراطي يشمل سلسلة التمثيل السياسي برمتها: بدءاً من شروط اختيار المرشحين، وجودة التنافس الانتخابي، والاختيار الحر للمواطنين، وصولاً إلى قدرة المؤسسات التي ستنجم عنها على الاستجابة بشكل دائم لتطلعات المجتمع المغربي.

وراء حصيلة ولاية تشريعية وآفاق انتخابات 2026، يبقى السؤال الحقيقي هو التفعيل الكامل لروح دستور 2011. فهذا الأخير لا يقتصر على تنظيم السلطات العمومية؛ بل يطمح إلى تعزيز ديمقراطية تمثيلية تقوم على المشاركة المواطنة، وتكافؤ الفرص، والمساءلة، والحكامة الجيدة، وعلو المصلحة العامة.

على هذا الأساس، لا يمكن فصل فعالية المؤسسات عن جودة التمثيل السياسي الذي يؤلفها، ولا عن الشروط التي يُشكل فيها هذا التمثيل ديمقراطياً. لذلك فإن التحدي الحقيقي ليس فقط تنظيم انتخابات منتظمة، بل جعلها تتيح بروز تمثيل سياسي قادر على تجسيد ثقة المواطنين، وحمل الإصلاحات الكبرى المنتظرة، وترجمة، على أرض الواقع، الطموحات الديمقراطية والتنموية المسطرة في الدستور.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *