هل يعود فكر الخوارج في ثوب جديد؟ قراءة مقاصدية في مواجهة التكفير والتطرف

هل يعود فكر الخوارج في ثوب جديد؟ قراءة مقاصدية في مواجهة التكفير والتطرف
شارك

الصادق العثماني: 

من أعظم التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في هذا العصر ليس ضعف الإمكانات المادية ولا كثرة الخصوم الخارجيين، وإنما انتشار الأفكار المنحرفة التي تتسلل إلى عقول الشباب تحت شعارات دينية براقة، بينما حقيقتها مصادمة لمقاصد الشريعة وروح الإسلام. ومن أخطر هذه الانحرافات الفكر التكفيري الذي يعيد إنتاج منهج الخوارج، لا بالضرورة بالأسماء نفسها، وإنما بالصفات والأفكار والممارسات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا.

ومن هنا يثور سؤال بالغ الأهمية: هل يعود زمن الخوارج من جديد؟ والجواب أن الأشخاص يذهبون، أما الأفكار فإذا لم تُواجه بالعلم والوعي والتربية فإنها قد تتكرر في كل عصر، لأن الانحراف الفكري لا يرتبط بزمن معين، وإنما ينشأ كلما غاب الفقه الصحيح، وضعف العلم، وحلت العاطفة محل البصيرة.

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مصالح العباد في دينهم ودنياهم، وإقامة العدل، وحفظ النفوس، وصيانة الأعراض، وبناء العمران، وإشاعة الرحمة بين الناس. ولذلك كانت مقاصد الإسلام قائمة على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، ولم تكن أبدا قائمة على نشر الفوضى أو استباحة الدماء أو تكفير المجتمعات.

ولهذا فإن كل فكر يؤدي إلى هدم هذه الضروريات الخمس فهو فكر مناقض لمقاصد الإسلام مهما تستر بالنصوص، ومهما أكثر من الشعارات الدينية.

إن الخوارج الأوائل لم يكن انحرافهم ناشئا عن ترك الصلاة أو الصيام، بل كانوا معروفين بكثرة العبادة، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستقلون عبادتهم أمام عبادتهم، ومع ذلك وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، لأن المشكلة لم تكن في كثرة العبادة، وإنما في فساد الفهم. فالعبادة إذا انفصلت عن الفقه، وتحولت إلى مظهر بلا بصيرة، قد تصبح وسيلة للغلو بدلا من أن تكون طريقا للهداية.

وهذه حقيقة ينبغي أن تستقر في الأذهان، وهي أن العلم الشرعي ليس كثرة المحفوظات، ولا كثرة النصوص التي يرددها الإنسان، ولا كثرة الكتب المتراكمة على الرفوف، وإنما هو القدرة على فهم النصوص في ضوء مقاصدها، وربط الجزئيات بالكليات، ومعرفة مراتب الأحكام، والتمييز بين الثابت والمتغير، وبين القطعي والظني، وبين النص والواقع، ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، لأن الفقه الحقيقي هو الذي يحمي الإنسان من الانحراف.

ومن يتأمل تاريخ الخوارج يجد أنهم كانوا يتعاملون مع القرآن الكريم بمنهج التجزئة لا بمنهج التكامل، فيأخذون آية ويتركون عشرات الآيات، ويتمسكون بظاهر النصوص، ويهملون أسباب النزول ومقاصد التشريع وأقوال الصحابة وإجماع الأمة. ولذلك رفعوا شعار: « إن الحكم إلا لله »، وهو شعار حق أريد به باطل، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فلم تكن المشكلة في الآية، وإنما في سوء تنزيلها على الواقع، وتحويلها إلى وسيلة لتكفير المسلمين والخروج على جماعتهم. وهذه الظاهرة تتكرر في عصرنا بصورة مقلقة، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحات مفتوحة لبث الفتاوى الشاذة والأفكار المتطرفة، دون ضوابط علمية أو مؤسساتية، وأصبح بعض الشباب يتلقى دينه من مقاطع قصيرة، أو من أشخاص مجهولين، لا يعرفون بالعلم ولا بالتخصص، فيتشكل وعيه الديني بعيدا عن العلماء الراسخين. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن صناعة التطرف تبدأ غالبا بصناعة الجهل، ثم تغذيته بالعاطفة، ثم عزله عن العلماء، ثم إقناعه بأنه وحده يمثل الإسلام الصحيح.

لقد أدرك علماء المقاصد منذ قرون أن الجهل من أعظم أسباب الفتنة، علما ان الانحراف في فهم النصوص أخطر من الانحراف في حفظها، لأن سوء الفهم يفضي إلى فساد العمل، ويحول الدين من مصدر رحمة إلى وسيلة للعنف. ولذلك فإن أول طريق لمواجهة الفكر الخارجي هو إعادة بناء العقل المسلم على أسس الفقه والمقاصد، لا على ظاهر النصوص المجردة.

ومن أبرز السمات التي تتكرر في الفكر الخارجي قديما وحديثا التوسع في التكفير، حتى يصبح الاختلاف في الاجتهاد سببا لإخراج المسلم من الإسلام. وهذا مخالف لأصول أهل السنة والجماعة الذين قرروا أن التكفير حكم شرعي له شروط دقيقة وموانع كثيرة، وليس حقا لكل أحد، وفي هذا السياق يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الشهير « الاقتصاد في الاعتقاد: « فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم ».

كما أن الفكر الخارجي يقوم على إلغاء فقه الموازنات وفقه المصالح والمفاسد، فلا يزن النتائج، ولا ينظر في العواقب، بينما جاءت الشريعة باعتبار المآلات. ولذلك قال العلماء إن النظر في مآلات الأفعال أصل عظيم من أصول الاجتهاد. فما أكثر الأعمال التي يكون ظاهرها حسنا، ولكن نتائجها كارثية، ولذلك نهى الإسلام عن كل ما يؤدي إلى الفتنة وإراقة الدماء وتمزيق وحدة الأمة.

لقد أثبت التاريخ أن الخوارج لم ينتصروا للإسلام، وإنما أضعفوا الأمة، واستنزفوا قوتها، وفتحوا أبواب الفتن الداخلية، حتى أصبحت دماء المسلمين أرخص عندهم من دماء أعدائهم. وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»، وهو وصف يكشف اختلال ميزان الأولويات لديهم، حيث يتحول المسلم إلى العدو الأول، بينما يغيب الوعي بالمخاطر الحقيقية التي تواجه الأمة.

ومن الأخطاء الكبرى التي يقع فيها أصحاب الفكر التكفيري المتطرف أنهم يحولون مسائل الاجتهاد والخلاف الفقهي إلى معارك عقدية، فيبدعون ويضللون ويكفرون بسبب مسائل اختلف فيها كبار الأئمة. بينما كان علماء الأمة يختلفون ثم يتصافحون، ويتناظرون ثم يتزاورون، لأنهم أدركوا أن الاختلاف الفقهي رحمة إذا انضبط بضوابطه الشرعية.

إن الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم دين رحمة قبل أن يكون دين أحكام، ودين هداية قبل أن يكون دين عقوبات، ولذلك افتتح الله كتابه الكريم باسم الرحمن الرحيم، وجعل الرحمة وصفا عاما لرسوله فقال: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. ولم يقل رحمة للمسلمين فقط، وإنما للعالمين جميعا، مما يدل على عالمية هذا الدين، وأن الأصل فيه نشر الخير والعدل والسلام.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج الأخطاء بالحكمة، ويقدم التربية على العقوبة، والتعليم على التوبيخ، كما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فلم يزد على أن أمر بصب الماء على بوله، ثم قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». فهذا هو المنهج النبوي الذي يصنع الإنسان، ولا يحطمه.

إن الأمة اليوم بحاجة إلى مشروع علمي وفكري متكامل يعيد الاعتبار للوسطية، ويحصن الشباب من دعاة الغلو والتطرف، ويجعل العلماء والمؤسسات العلمية المرجعية الحقيقية في فهم الدين. فلا يجوز أن يترك المجال لمن لم يتأهل للفتوى، ولا لمن يتاجر بالدين لتحقيق أغراض سياسية أو حزبية أو أيديولوجية.

كما أن الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام كلها مطالبة بالمشاركة في صناعة الوعي، لأن مواجهة التطرف ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية مجتمع بأكمله. فالشباب إذا وجد القدوة الحسنة، والعالم الرباني، والخطاب المتوازن، قلَّ احتمال انجرافه وراء الأفكار المنحرفة.

ومن الواجب كذلك إعادة الاعتبار للمنهج المقاصدي في التعليم الشرعي، لأنه المنهج القادر على الجمع بين النص وروحه، وبين الثابت والمتغير، وبين الأحكام ومآلاتها، وهو المنهج الذي سار عليه كبار علماء الأمة كالإمام مالك، والإمام الجويني والإمام الشاطبي، والعز بن عبد السلام، وابن عاشور وغيرهم، ممن أدركوا أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح الناس ورفع الحرج عنهم.

إن الخطر الحقيقي ليس في وجود جماعة متشددة هنا أو هناك، وإنما في انتشار العقلية الخارجية التي ترى نفسها وحدها الناجية، وتحتكر فهم الإسلام، وتوزع صكوك الإيمان والكفر على الناس، وتتعامل مع المخالف بمنطق الإقصاء لا بالحوار، وبمنطق التخوين لا بالنصيحة. وهذه العقلية إذا تمكنت من مجتمع مزقت وحدته، وأشعلت الفتن فيه، وأساءت إلى صورة الإسلام في العالم.

ومن هنا فإن مسؤولية العلماء والمفكرين والمثقفين اليوم مضاعفة، لأن المعركة لم تعد عسكرية بقدر ما أصبحت معركة وعي، ومعركة بناء عقل، ومعركة حماية هوية. وإن السكوت عن الفكر التكفيري بدعوى الحرية أو المجاملة أو الخوف من ردود الأفعال يفتح الباب لانتشاره، ويجعل معالجته مستقبلا أكثر صعوبة.

إن الإسلام الذي نؤمن به هو الإسلام الذي يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويهدي ولا ينفر، وييسر ولا يعسر، ويقيم العدل والرحمة بين الناس. أما الغلو والتنطع والتكفير فليست سوى أمراض فكرية تخالف القرآن والسنة وإجماع الأمة ومقاصد الشريعة.

ولذلك فإن السؤال ليس: هل يعود الخوارج؟ لأن أفكارهم قد تظهر كلما غاب العلم وضعفت المرجعية. وإنما السؤال الحقيقي: هل نستطيع أن نبني جيلا محصنا بالعلم والفقه والوعي والمقاصد حتى لا يجد هذا الفكر أرضا خصبة ينمو فيها؟ وهذا هو الواجب الذي ينبغي أن تتجه إليه جهود العلماء والدعاة والمربين والمؤسسات العلمية ووزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية في العالم الإسلامي.

إن المستقبل لن يكون لمن يرفع صوته بالتكفير، ولا لمن يحتكر الدين، ولا لمن يجعل الإسلام عنوانا للصدام والكراهية، وإنما سيكون لمن يحمل رسالة الرحمة التي بعث الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ولمن يفهم أن مقاصد الشريعة قائمة على حفظ الإنسان، وصيانة كرامته، وتحقيق العدل، وإشاعة الأمن، وترسيخ السلم المجتمعي. وبهذا وحده تستعيد الأمة توازنها الحضاري، وتقدم للعالم صورة الإسلام الحقيقية، دين الرحمة والعدل والوسطية، بعيدا عن الغلو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *