【 تأملات في صراع الأحزاب المشكلة للحكومة الحالية على أصوات الناخبينقبيل الاقتراع 】

【 تأملات في صراع الأحزاب المشكلة للحكومة الحالية على أصوات الناخبينقبيل الاقتراع 】
شارك

  المختار عنقا الادريسي

 *  استهلال مدخلي

في التجارب الديمقراطية، لا تبدأ الانتخابات يوم فتح مكاتب التصويت، ولا تنتهي بإعلان النتائج. انها مسلسل طويل من بناء الصور، واعادة ترتيب التحالفات، وادارة الخلافات الداخلية، وقياس موازين القوى، واستطلاع اتجاهات الرأي العام

– الذي لا وجود له في خرائط الطريق المغربية – لذلك تبدو الساحة السياسية، كلما اقترب موعد الاستحقاقات، أشبه برقعة شطرنج تتحرك فوقها القطع بهدوء أحيانا، وبصخب أحايين أخرى، بينما يبقى الهدف واحدا: انه كسب ثقة الناخبين، أو على الأقل تجنب فقدانها. وإذا كانت السنوات الخمس الماضية قد شكلت زمن تدبير الشأن العام بالنسبة للأغلبية الحكومية، فان المرحلة الراهنة تمثل بداية زمن اخر، هو زمن الحساب السياسي. ففي هذه اللحظة الحرجة، لم تعد الأحزاب تقاس فقط ببرامجها، بل أيضا بقدرتها على تدبير اختلافاتها الداخلية والمحافظة على تماسكها للحيلولة دون فقدان بعض من أصواتها… أسمائها … رجالاتها، وانصرافها الى أحزاب منافسة لها ، واقناع المواطنين بأنها ماتزال تمتلك ما يؤهلها لقيادة المرحلة المقبلة .

*  1   تأمل في مستقبل الاحزاب بين    سؤال الانتماء وحق الاختلاف

 ليس من السهل الحديث عن الهوية الحزبية في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والسياسية، وتتغير فيه أشكال الانتماء وتحمل المسؤوليات. فالأحزاب مثل كل الكائنات الحية، لا تبقى على حال واحدة، بل تتغير بتغير أعضائها ونخبها وأسئلتها وسياقاتها، ولذلك فان الهوية عندها ليست معطى نهائيا أو جوهرا ثابتا مغلقا، وانما هي نص مفتوح – حتى لا أقول مشرعا – يعاد تأويله وكتابته باستمرار – وفق الطوارئ والمستجدات – عبر الممارسة والنقاش وتدبير الخلاف والصراع المشروع بين مختلف التصورات والرؤى. ومن هنا يصبح الاختلاف داخل أي حزب، ليس حدثا عارضا ولا عرضا مرضيا ينبغي التخلص منه، بل ينبغي أن ينظر اليه على أساس أنه من المؤشرات الأساسية على حيوية التنظيم وقدرته على ممارسة فعل التجدد. فحين يتوقف الاختلاف، تبدأ علامات الجمود في الظهور، وحين يصبح الاجماع المطلق قيمة في حد ذاته، قد يتحول الحزب من فضاء للفكر والاجتهاد الى فضاء للتكرار … الاستنساخ … واعادة انتاج نفس المواقف، وربما قد تكون أقل منها ايجابية. وعطفا عليه نخلص الى حقيقة مفادها أن كل حزب – من الاحزاب السياسية المغربية – الا ويعيش ظاهرة الاختلافات الداخلية، بل ان غيابها قد يكون مؤشرا على غياب أو تلاشي الحيوية. غير أن الفارق الجوهري هنا يكمن في كيفية تدبير كفة تلك الاختلافات، التي تتحول الى تنافس مؤسساتي يخضع للقواعد التنظيمية، ويعني التجربة الحزبية برمتها. أما إذا تحولت الى صراع حول المواقع ومراكز النفوذ – كما هو الشأن حاليا عند حزب الاصالة والمعاصرة – فإنها تستنزف الرصيد السياسي للحزب، وتبعث برسائل سلبية الى الرأي العام.

ومن هذا المنطلق، فان المتتبع للمشهد السياسي الحزبي المغربي يلاحظ أن الكثير من الاحزاب – داخل الأغلبية وحتى المعارضة – لم يعد يواجه منافسيه فقط، بل أصبح مطالبا أيضا بإدارة توازناته الداخلية قبل أن يخوض معركته الانتخابية التي لم تعد تفصلنا عنها الا أياما معدودة .

*  2   الأغلبية الحكومية أمام امتحان الحصيلة قبيل امتحان التصويت

ونحن على مقربة من دخول الأحزاب المشكلة للحكومة الحالية حمى الاعداد للانتخابات وهي تحمل معها حصيلة سنوات من التدبير، بما لها وما عليها. فمن الطبيعي أن يحاول كل حزب ابراز منجزاته، كما أنه من الطبيعي أن تركز أحزاب المعارضة على مكامن التعثر – التي يعي المواطن حقيقتها – لكن ما يلفت الانتباه هو أن التنافس لم يعد يقتصر على العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، بل امتد من جهة الى العلاقات داخل مكونات الأغلبية نفسها، حيث يسعى كل طرف الى تحسين موقعه استعدادا للاستحقاقات المقبلة. ومن جهة ثانية نجد أن حزب الاصالة والمعاصرة، يعيش هذه الأيام – منذ انعقاد الدورة 32 للمجلس الوطني يوم 25 يوليوز الحالي – غليانا ملحوظا بسبب الاستقطاب « المظلي  » والاعلان عن التحاق كل من السيد فوزي لقجع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم ،  والسيد ينجا الخطاط  رئيس جهة الداخلة ووادي الذهب ، مباشرة وبالصفة بلائحة أعضاء المكتب السياسي للحزب . بدعوى أن حزب الجرار – كما تقول السيدة فاطمة الزهراء المنصوري – في قيادته الجماعية ومكتبه السياسي ، أخذا التزاما منذ المؤتمر الأخير بأن يبقى الحزب [ منفتحا على جميع الكفاءات المحلية والجهوية ] ، وقد

قدمتهما السيدة المنصوري باعتبارهما [ خطوة استراتيجية ودينامية نوعية ] تهدف الى قيادة الحزب لتصدر الانتخابات التشريعية . وهو ما شكَّل مادة خصبة للتحليل والتعليق لأنها تتجاوز بعدها الفردي الى بعد رمزي ، وقد أثار هذا الالتحاق ردود فعل متابينة وتأويلات سياسية واسعة ، واختلف حوله المتابعون والمهتمون في تفسير بعض المؤشرات المرتبطة بطريقة تدبير هذه الالتحاقات وطبيعة التفاعلات داخل مكونات القيادة الحزبية ، كل ذلك في وقت كان ينبغي – ليس لحزب الجرار وحده ، بل لكل الأحزاب – أن تتم المحافظة على صور الانسجام المؤسسي في هذا الظرف بالذات ، لأن أي انطباع بوجود صراعات داخلية قد يؤثر في صورتها لدى الناخبين .

  * 3 اذا كان التنافس لا يحسمه الخطاب        وحده فمن يصنع النتائج يا ثرى ؟

 في المقابل لما تقدم، تبدو الأحزاب الأخرى وكأنها اختارت استراتيجية مختلفة، قوامها العمل التنظيمي الهادئ ، وتقوية هياكلها ، وتقديم صورة أكثر تماسكا . ففي السياسة، كثيرا ما يكون الهدوء أكثر تأثيرا من الضجيج لأن المواطن الناخب لا يتابع فقط التصريحات، بل يراقب قدرة كل حزب في المحافظة على وحدته الداخلية وانسجام رؤاه العامة ومدى تحقيقه للمشاريع والبرامج التى وعد أن يحققها … وهكذا نجد أن الأحزاب التي تعيش خارج دائرة التدبير الحكومي، تبقى مراهنة – بطبيعة الحال – على استثمار حالة التذمر لدى جزء كبير من المواطنين، باعتبار أن الانتخابات هي من يتيح للمواطن فرصة التعبير عن رضاه أو عدم رضاه عن اداء الحكومة. فيبقى معها كل استحقاق انتخابي قادرا على طرح سؤال قديم متجدد: هل تحسم النتائج بالبرامج السياسية، أم بالشبكات المحلية، أم بقدرة الأحزاب على التنسيق والتعبئة، أم أن الأعيان والفاعلين المحليين ومحترفي الانتخابات هم من يحسم الأمور، أم أن للتنظيم الحزبي أثره في كل ذلك، وللخطاب السياسي حضوره، ولأداء الحكومة انعكاسه على مزاج الناخبين أم أن هناك عوامل متعددة تتداخل فيما بينها لتحديد النتائج النهائية ؟ غير أن القول باختزال النتائج في عامل واحد قد يحجب تعقيد المشهد الانتخابي ، الذي يظل رهينا بتفاعل اعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية محلية ووطني في ان واحد .

   * 4 الانتخابات المقبلة بين توزيع 

          الأوراق وردود أفعال الأحزاب المنافسة

 ليست الانتخابات المقبلة مجرد محطة لتجديد المؤسسات المنتخبة، وانما هي لحظة سياسية فارقة قد تعيد رسم خريطة التوازنات الحزبية المغربية، وتفرض على مختلف الفاعلين مراجعة حساباتهم وخياراتهم التنظيمية والسياسية. فكل تقدم يحققه أي حزب سيكون في المقابل مدعاة لتساؤل الأحزاب الأخرى حول سبب تراجعها أو اخفاقها، بما قد يفتح الباب أمام مراجعات داخلية، أو اعادة ترتيب القيادات، أو مرجعة أساليب الاشتغال وأسلوب الخطاب السياسي، بل وربما اعادة بناء استراتيجيات التحالفات على أسس جديدة. ومن ثمة وقبيل الوصول الى مرحلة الانتخابات … فرز الأصوات … اعلان النتائج النهائية، لابد لنا من التوقف عند بعض ردود فعل الشارع والاحزاب المنافسة لحزب الجرار نسوقها فيما يلي

    ▪️︎ حزب التجمع الوطني للأحرار: لقد عبر السيد رئيس الحزب عن استيائه الواضح من خطوة التحاق السيد فوزي لقجع، ووصف استقطابه ب  » الميركاتو السياسي  » المتأخر، معتبرا أن الاستعانة بالنجوم الجاهزة يعكس الضعف الذي تعرفه القواعد الحزبية لحزب الجرار. في حين هناك من يذهب الى أن حزب الحمامة سجل بعضا من النقط على حساب غريمه وشريكه في الحكومة حزب الجرار الذي خسر بعضا من أسهمه بظهور بوارد خلافات – حتى لا أقول انشقاقات – يوم انعقاد الدورة الأخيرة لمجلسه الوطني، والدليل على ذلك أن حزب الجرار – خلال ذلك اليوم – كان يتواجد بالمناطق الصحراوية، ساعيا الى تقديم صورة ايجابية عن قيادته الملتحمة والمتآزرة والمحافظة على وحدة مؤسسة الحزب، وانضباط صقور الحزب   ( الطالبي العلمي . محمد اوجار. مولاي احفيض العلمي. محمد بوسعيد …) لقرارات الحزب واعطاء صورة عن التماسك والتلاحم بين أعضاء القيادة.

     ▪️︎ حزب الاستقلال: لقد سادت حالة من الاستياء داخل قيادة الحزب خصوصا في الأقاليم الجنوبية، بعد التحاق السيد ينجا الخطاط – وهو أحد أبرز قادة الحزب بالصحراء ورئيس جهة الداخلة ووادي الذهب – معتبرين أن هذه الخطوة طعنة للتحالف الحكومي الحالي وضغط لبعثرة الخارطة الانتخابية بالجنوب المغربي. وهو ما دفع الحزب الى الاشتغال بصمت كبير، الأمر الذي قد يجعل الميزان أكبر مستفيد من الصراع الدائر حاليا ما بين الحمامة والجرار.

  ▪️︎ أحزاب المعارضة: وسأقتصر هنا على حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والعدالة والتنمية. وهما معا – كلا من جهته – انتقد التحاق السيد فوزي لقجع ، معتبرا أن اقحام مسؤولين بارزين مثل رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم ، في الصراع الحزبي المباشر ، يعد ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص بين الهيئات السياسية.

   ▪️︎ موقف الشارع المغربي: هناك من يذهب بعيدا ويرى بأن حزب الحمامة هو من التحق بالسيد فوزي القجع – نظرا لكونه شخصا غير عادي – وليس العكس، ويذهب الى اعتبار الحدث ذكاء سياسيا من طرف الحزب. ويمكن أن نصنف الشارع الى فئتين مؤيدين ومعارضين، فاذا كانت الأولى تراهن على كفاءة الرجل وسمعته وقدراته، فتعتبره رجل المرحلة. فان الثانية ترى أن التحاقه بالحزب هو تخلي عن حياد المؤسسة الرياضية، وترفض انزاله المظلي وتعتبر أنه يفرغ مفهوم العمل الحزبي القاعدي من كل معانيه.

*  خاتمة كلام

في نهاية المطاف، ستبقى كل التحليلات … القراءات … المؤشرات، مجرد محاولات لفهم اتجاهات المشهد السياسي المغربي قبيل الانتخابات التشريعية القادمة. لأن الكلمة الأخيرة يُفترض أن تبقى لصناديق الاقتراع وما ستعبر عنه من ارادة الناخبين. خاصة وأن الانتخابات ليست سباقا بين الأحزاب فحسب، بل هي أيضا اختبارا لمدى قدرة الفاعلين السياسيين على اقناع المواطنين وادارة اختلافاتهم بكل مسؤولية، وتقديم مشاريع تتجاوز منطق الصراع على المواقع الى منطق خدمة المصلحة العامة. وقد يكون الدرس الأهم في هذه المرحلة أن الأحزاب التي تنشغل بإدارة خلافاتها … صراعاتها … تحالفاتها، أكثر من انشغالها بانتظارات المجتمع، قد تجد نفسها تخسر جزءا من ثقة الناخبين، بينما تظل الأحزاب التي تجعل من التماسك … الوضوح … الانصات للمواطنين … استحضار متطلبات الشارع … أساس عملها، هي الأقرب الى تحسين موقعها في أي استحقاق انتخابي، علما أن كل ذلك يبقى رهينا بما ستفرزه صناديق الاقتراع يوم الاربعاء 23 شتنبر 2026 لا بما يسبقها من توقعات … تأويلات … تخمينات.

     طنجة في 28 يوليوز 2026

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *