تشوّهات الحياةالسياسية في المغرب…

تشوّهات الحياةالسياسية في المغرب…
شارك

محمد إسماعيلي

 » مقدمة »

من أزمة الساسة إلى أزمة النسق السياسي

تتجاوز السياسة كونها نشاطاً عابراً أو شأناً يمكن الاستغناء عنه كلما تراجعت الثقة فيه. فهي، منذ أن انتظم الإنسان في جماعة، ظلت ضرورة ملازمة للعمران البشري، لأنها الإطار الذي تُدار داخله المصالح، وتُنظم عبره السلطة، ويُحتكم من خلاله إلى قواعد الاجتماع والاختلاف. ولهذا لم يكن أرسطو مبالغاً حين وصف الإنسان بأنه كائن سياسي بطبعه، لأن حياة الجماعة لا تستقيم بغير نظام ينظمها، وسلطة تضبطها، وتعاقد يمنحها مشروعيتها.

ومن هنا تبدو المقولة المنسوبة إلى غابرييل غارسيا ماركيز: « عندما تفسد السياسة فاتجه إلى الثقافة »، أقرب إلى صرخة احتجاج منها إلى مشروع بديل. فالثقافة قادرة على أن تنير العقول، وأن توسع أفق النقد، وأن تحفظ ذاكرة الشعوب من النسيان، لكنها لا تستطيع أن تحل محل السياسة. فالمثقف قد يفسر العالم، أما تغييره فيظل رهيناً بالفعل السياسي، لأن السياسة هي المجال الذي تتحول فيه الأفكار إلى مؤسسات، والقيم إلى قوانين، والإرادة الجماعية إلى سياسات عمومية.

ولهذا فإن القضية الجوهرية تتعلق باستعادة السياسة إلى معناها الأصيل، بعد أن أثقلها التشويه وأفقدها كثيراً من ثقة المجتمع، فهناك يبدأ طريق الإصلاح، ومن هناك تستعيد السياسة قدرتها على صناعة الأمل والتغيير.

ذلك أن السياسة تفقد معناها كلما ابتعدت عن غايتها الأصلية، فتحولت من خدمةٍ للمصلحة العامة إلى إدارةٍ لموازين القوة، ومن التنافس حول المشاريع إلى التنافس حول المواقع، ومن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع إلى تكريس الهوة بينهما.

وفي المغرب، لا يمكن فهم أزمة الحياة السياسية من خلال اختزالها في فساد بعض الأشخاص، أو في ضعف هذا الحزب أو ذاك، كما لا يمكن ردها إلى سوء تدبير ظرفي أو إلى أخطاء حكومية متفرقة. فالأزمة أعمق من ذلك كله؛ لأنها تمس بنية المجال السياسي نفسه، أي القواعد التي تُنتج الفاعلين، وترسم حدود أدوارهم، وتحدد طبيعة العلاقات بين الدولة والأحزاب والمجتمع.

ومن هنا، فإن مدخل فهم الأزمة يبدأ بالبحث في الكيفية التي تشكل بها هذا المجال السياسي، وفي الآليات التي أبقت التشوهات تتجدد مع كل مرحلة، رغم تعاقب الحكومات، وتغير النخب، وتعدد الدساتير، وتوالي الاستحقاقات الانتخابية. أما سؤال المسؤولية، فلا يكتسب معناه إلا بعد تفكيك هذه البنية وفهم منطق اشتغالها.

إن الاقتصار على محاكمة الأشخاص يريح الضمير، لكنه لا يفسر الظواهر. أما مساءلة البنية، فهي التي تكشف لماذا تتكرر الأخطاء نفسها، ولماذا تتبدل الوجوه بينما تبقى النتائج متشابهة، ولماذا يفقد المواطن ثقته في السياسة كلما ازداد الحضور السياسي في الفضاء العمومي.

فالسياسي، مهما بلغت قوة إرادته أو صدقت نواياه، يظل محكوماً ببنية سياسية تنظم مجال حركته، وتحدد ما هو ممكن وما هو متعذر، عبر قواعد ظاهرة وأخرى مستترة، تفتح أبواباً، وتوصد أخرى، وترسم حدود الفعل السياسي. وإذا كانت هذه القواعد تقوم على احتواء الفاعلين أكثر مما تقوم على تمكينهم، وعلى إعادة إنتاج التوازنات أكثر مما تقوم على صناعة التحولات، فإنها ستعيد، جيلاً بعد جيل، إنتاج النخب نفسها، والسلوكات نفسها، والأزمات نفسها.

ولعل هذا ما يفسر أن فاعلين سياسيين، حتى من داخل أحزاب قادت العمل الحكومي، أقروا بصعوبة تحويل البرامج الانتخابية إلى سياسات عمومية وفق الوتيرة المعلنة. وفي هذا السياق، أثار محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال ندوة علمية حول «تحولات الحقل الحزبي المغربي» بكلية الحقوق بالرباط، أسئلة تتعلق بحدود الفعل السياسي للمؤسسات المنتخبة، مشيراً إلى أن الأحزاب قد تصل إلى الحكومة وهي محملة ببرامج إصلاحية، ثم تصطدم بتعقيدات بيروقراطية وبحدود فعلية تحول دون تنفيذ جزء من التزاماتها، كما تساءل عن آليات مساءلة بعض مراكز القرار الإداري. وبصرف النظر عن اختلاف التقديرات بشأن هذا التشخيص، فإن أهميته تكمن في كونه يعكس إدراكاً متزايداً، حتى داخل بعض مكونات الأغلبية، بأن فهم تعثر السياسات العمومية لا يقتصر على تقييم أداء الحكومات، وإنما يقتضي أيضاً مساءلة البيئة المؤسساتية التي تمارس داخلها السلطة.

لهذا فإن جوهر الأزمة يستقر في المجال السياسي ذاته، عندما يفقد قدرته على إنتاج حياة سياسية طبيعية، يكون فيها التنافس حول البرامج، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة، أُسُساً مستقرة للممارسة الديمقراطية، لا حالات استثنائية تفرضها الظروف.

ومن هذه الزاوية، تصبح تشوهات الحياة السياسية في المغرب مدخلاً لقراءة أعمق، لا تبحث عن إدانة هذا الطرف أو ذاك، وإنما تحاول أن تفهم كيف تشكلت هذه التشوهات، ولماذا استمرت، وما الشروط الفكرية والسياسية الكفيلة بتجاوزها، حتى تستعيد السياسة معناها النبيل، بوصفها خدمة للشأن العام، لا وسيلة لإعادة إنتاج الأمر الواقع.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *