هنالك أصوات من داخل المغرب وخارجه لا همَّ لها إلا النفخ في رماد الفتنة، وإقناع الشباب بأن لا مستقبل لهم إلا خارج وطنهم!؟!

هنالك أصوات من داخل المغرب وخارجه لا همَّ لها إلا النفخ في رماد الفتنة، وإقناع الشباب بأن لا مستقبل لهم إلا خارج وطنهم!؟!
شارك

الصادق العثماني:

كلما حقق المغرب خطوة إلى الأمام، وافتتح ورشا جديدا من أوراش البناء، وواصل تثبيت حضوره الإقليمي والدولي، خرجت أصوات من الداخل والخارج لا همَّ لها إلا النفخ في رماد الفتنة، وصناعة اليأس، وإقناع الشباب بأن لا مستقبل لهم إلا خارج وطنهم. إنها معركة تستهدف العقول قبل الحدود، والوجدان قبل الجغرافيا، وتسعى إلى تحويل الإحباط الطبيعي الذي قد تعيشه بعض الفئات إلى مشروع دائم لزعزعة الاستقرار وضرب الثقة في الوطن.

وما شهدناه من دعوات تحريضية تدفع الشباب نحو سبتة المحتلة، أملا في العبور إلى الضفة الأخرى، ليس سوى وجه آخر من وجوه المتاجرة بمآسي الناس. فهؤلاء لا يقدمون للشباب فرصة عمل، ولا يفتحون لهم باب علم، ولا يرسمون لهم طريق نجاح، وإنما يبيعون لهم وهما اسمه « الفردوس الأوروبي »، وكأن البحر لا يبتلع الأرواح، وكأن الحدود لا تعرف المآسي، وكأن آلاف القصص المؤلمة لم تكن كافية لإيقاظ الضمائر.

إن أخطر ما في هؤلاء المحرضين أنهم يصنعون بطولات وهمية على حساب مستقبل الشباب. يجلسون في أماكن آمنة، خلف الشاشات أو خارج الحدود، ثم يطالبون أبناء الوطن بالمغامرة بأرواحهم، وكأن دماء المغاربة مجرد وقود لمعاركهم الإعلامية والسياسية. فإذا وقعت المأساة، اكتفوا ببيانات الشجب، واستثمروا الصور والدموع لتحقيق مزيد من الانتشار، بينما تبقى الأسر وحدها تدفع ثمن الفقد والانتظار والحرقة.

ولا يخفى على أحد أن بعض الجهات المعادية للمغرب وجدت في الفضاء الرقمي سلاحا جديدا، فحولت منصات التواصل إلى غرف عمليات للحرب النفسية، تُضخِّم كل خطأ، وتُخفي كل إنجاز، وتُعيد إنتاج الإشاعة في ثوب الحقيقة، حتى يصبح الشاب المغربي محاصرا بخطاب لا يرى في وطنه إلا السواد، ولا يبصر في الهجرة إلا النجاة. إنها محاولة ممنهجة لقطع الصلة بين المواطن ووطنه، وإقناعه بأن الخلاص يبدأ من الهروب لا من المشاركة في البناء.

غير أن هؤلاء يخطئون في قراءة تاريخ المغرب. فهذا الوطن لم يكن يوما نتاج الصدفة، ولم تُبن دولته على ردود الأفعال، بل تأسست على شرعية تاريخية راسخة، وعلى وحدة العرش والشعب، وعلى مؤسسات استطاعت، عبر قرون، أن تتجاوز المحن والمؤامرات. وكلما ظن المتربصون أن المغرب على وشك السقوط، ازداد تماسكا، وتحولت الأزمات إلى فرص للمراجعة والإصلاح.

ولا يعني الدفاع عن الوطن إنكار ما يواجهه من تحديات. فالمغرب، شأنه شأن كل الدول، مطالب بمواصلة الإصلاح، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الخدمات، والاستماع إلى تطلعات شبابه. لكن الفرق شاسع بين من يطالب بالإصلاح من داخل الوطن، حبا فيه وغيرة عليه، وبين من يجعل من معاناة المواطنين منصة للتحريض، ويحول المشكلات الحقيقية إلى أدوات لإشعال الفوضى وخدمة أجندات لا تريد للمغرب خيرا.

إن الوطنية ليست تصفيقا أعمى، كما أنها ليست جلدا للذات وتشويها للوطن. الوطنية موقف مسؤول، يقوم على الصدق في النقد، والإخلاص في النصح، والعمل على الإصلاح، مع رفض كل دعوة تمس أمن البلاد واستقرارها ووحدتها. ولذلك فإن من يدفع الشباب إلى اقتحام الحدود، أو يزين لهم الهجرة غير النظامية، أو يحرضهم على مواجهة المجهول، لا يدافع عن حقوقهم، بل يشارك في سرقة أحلامهم ومستقبلهم.

إن شباب المغرب لا يحتاج إلى تجار الأوهام، بل يحتاج إلى من يغرس فيه الثقة، ويزرع فيه روح المبادرة، ويؤمن بقدرته على النجاح داخل وطنه وخارجه بالعلم والكفاءة والعمل الشريف. فالأمم لا تبنى بالهروب، ولا تصنع مستقبلها فوق قوارب الموت، وإنما تبنيه بسواعد أبنائها، وإرادتهم، وإيمانهم بأن الإصلاح مسار طويل، لكنه الطريق الوحيد لبناء مستقبل مستقر.

سيظل المغرب، رغم كل حملات التشويه، واقفا بثوابته، ماضيا في أوراشه، متشبثا بوحدته، عصيا على كل محاولات الابتزاز والتحريض. وسيبقى أبناء هذا الوطن أوعى من أن تنطلي عليهم دعايات الحاقدين، لأنهم يدركون أن الوطن ليس فندقا نغادره عند أول أزمة، بل بيت نحميه، ونصلح ما فيه، ونورثه للأجيال القادمة أكثر قوة واستقرارا.

لقد أثبت التاريخ أن المغرب كان دائما أكبر من خصومه، وأن قوة الدول لا تقاس بعدد من يهاجمونها، بل بقدرتها على الصمود والتجدد. أما دعاة الفوضى، وتجار الإحباط، والمحرضون على دفع الشباب إلى المجهول، فلن يجنوا إلا الفشل، لأن الشعوب الحية قد تتعثر، لكنها لا تسلم أوطانها لأصحاب الأجندات السوداء، ولا تجعل من اليأس بديلا عن الأمل، ولا من الهدم طريقا إلى المستقبل.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *