بين الهجرة الاضطرارية واستحقاقات التاريخ: قراءة في الأسباب العميقة لـ »نزوح » المغاربة ونقض الهيمنة الأوربية.
بقلم: حسن برني زعيم
تطرح المشاهد المتكررة للهروب الجماعي والفردي لمئات المغاربة — من مختلف الفئات والأعمار، قاصرين وشبابا يحملون رضعا وشيوخا، رجالا ونساء — أسئلة عميقة وجريئة ومؤلمة تتوجه رأسا إلى طبيعة الخيارات التنموية والتدبير السياسي الذي اعتمدته الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال إلى اليوم. إن هذه الظاهرة لم تعد مجرد « أرقام هجرة »، بل هي صرخة اجتماعية وسياسية تفكك الخطاب الرسمي، وتضع الدولة بكافة مؤسساتها، والأحزاب، والجمعيات في مواجهة صريحة مع مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية تجاه المواطن.
إن تفكيك الأسباب الحقيقية لهذا النزوح المأساوي يتطلب غوصا عميقا في البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج هذا الاغتراب الداخلي قبل أن يتحول إلى فرار نحو الخارج. تتجلى في المغرب مظاهر فوارق طبقية ومجالية صارخة تتسع فجوتها باستمرار؛ حيث تراكمت الثروات في أيدي فئات محدودة بينما تتسع دائرة الهشاشة وتتآكل الطبقة الوسطى التي تشكل عادة صمام الأمان لأي مجتمع. يواكب ذلك اختلال بنيوي في القطاعات الاجتماعية الحيوية، وفي مقدمتها التعليم، الذي تحول من رافعة للترقي الاجتماعي إلى آلية لتكريس الفوارق الطبقية. أفرزت المنظومة التعليمية مخرجات تعاني من ضعف الجودة والتلاؤم، مما خلق « عطالة هيكلية » وشريحة واسعة من الشباب خارج منظومة التعليم والتدريب والشغل، والذين يجدون أنفسهم أمام انسداد أفق كامل.
هذا العجز في البيئة التعليمية والتربوية يصطدم مباشرة بحقيقة سوق الشغل المأزوم، الذي يعاني من ضعف القدرة على إيجاد مناصب شغل لائقة تستوعب الطاقات الصاعدة، مع طغيان القطاع غير المهيكل وتراجع الحماية الاجتماعية وشيوع « الشهادات المعطلة ». وعندما يفقد الشباب الثقة في المدرسة كأداة للتغيير، وفي السوق كفرصة للعيش الكريم، يصبح الهروب — فرديا كان أم جماعيا — خيارا اضطراريا وتعبيرا عن أزمة انسداد مجتمعي تتجاوز البعد المادي إلى فقدان الإحساس بالمواطنة والكرامة.
غير أن اختزال دواعي هذه الهجرة الجماعية في مجرد ثالوث الفقر والمرض وانعدام فرص الشغل يظل قراءة سطحية تجانب كبد الحقيقة؛ فالدافع الأعمق للفرار يتمثل في الشعور الحارق بالإحباط الناجم عن الفساد الإداري المستشري، وتغلغل الزبونية والمحسوبية، والتضييق الممنهج على الحريات العامة، فضلا عن انحراف ميزان العدالة الذي بات يكتوي بناره المستضعفون بينما ينعم أصحاب المال والنفوذ بالحصانة والإفلات من العقاب. فكيف يعقل — على سبيل المثال — أن تخلو لوائح المخالفات المرورية تماما من أسماء رجال السلطة والمسؤولين؟ هل أضحى القائمون على السلطة ملائكة معصومين لا يخطئون، أم أن القانون يطبق بصرامة على البسطاء ويتوقف عاجزا أمام نفوذ الكبار؟ إن هذا الشعور بالظلم وانعدام المساواة أمام القانون هو ما يقتل الانتماء في النفوس قبل أن تدفع الأجساد نحو ركوب البحر، والأدمغة إلى هجرة بغير رجعة…!!!!
يزيد من وطأة هذه الأزمة تضارب الخطاب الحكومي وانفصاله التام عن واقع المعاناة؛ فكيف يمكن إقناع هؤلاء الشباب بالبقاء في وقت تسوق فيه أوهام تنموية وتصريحات تستفز مشاعر المغاربة؟ فحين يصرح وزير في حكومة أخنوش بأن فرص العمل متوفرة في تارودانت بـأربعمائة درهم لليوم الواحد، يتبادر إلى الذهن السؤال المنطقي والحارق: إذا كانت هذه « الجنة التنموية » حقيقة قائمة، فلماذا لم يهاجر الشباب نحو تارودانت بدلا من المخاطرة بأرواحهم صوب سبتة المحتلة؟ وتزداد المفارقة غرابة حين تخرج منسقة حزب الأصالة والمعاصرة لتدعي في تصريح غرائبي أن كل شباب المغرب يمتلكون مسكنا لائقا ! فإذا كان العيش الرغيد والسكن اللائق متوفرين للجميع، فما الذي يدفع هؤلاء الشباب إذن إلى هذا الفرار الجماعي؟ إن هذا التناقض الصارخ بين التصريحات الرسمية والواقع المعيش يعكس انفصال النخبة الحاكمة عن نبض الشارع، ويؤكد أن الهروب هو رد فعل طبيعي على سياسات الاحتقار وتزييف الواقع.
غير أن هذه الدينامية الداخلية لا تنفصل عن الجذور التاريخية للعلاقة بين الشمال والجنوب؛ يوم كانت أوروبا في أمس الحاجة إلى اليد العاملة المغربية لإعادة إعمار ما دمرته الحربان العالميتان، واستنزفت الطاقات الشابة بناء على حاجاتها الديموغرافية والاقتصادية. والأهم من ذلك هو استحضار الحقبة الاستعمارية التي نهبت الثروات الوطنية، وما تزال أشكال مختلفة من هذا الاستنزاف مستمرة عبر اتفاقيات وتوازنات تجارية غير متكافئة، تقودها دول في صدارة اللائحة كإسبانيا وفرنسا.
من جهة أخرى، تأتي مفارقة السيادة الوطنية لتفجر تناقضا مفاهيميا وقانونيا صارخا؛ فالتاريخ والمورفولوجيا الجغرافية يشهدان بوضوح أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان سليبتان. وهنا يتجلى ألم المفارقة التاريخية ومرارتها؛ إذ إن الأصل والواجب الوطني يقتضيان أن تكون الهجرة والزحف نحو سبتة ومليلية بهدف تحريرهما واستعادة السيادة السليبة، لا أن نلجأ إليهما لنعيش فيهما تحت وطأة الاحتلال! فكيف فضل الحالمون بالهروب رقعة سليبة ومحتلة على وطن يفترض أنه مستقر وآمن؟ ويا له من تاريخ أسود ومظلم، فمتى يضيء ونستعيد فيه وعينا الوطني والسيادي؟ وفي سياق هذا التناقض، يطرح السؤال السياسي الحارق نفسه: كيف يوصم مواطن مغربي بـ »المهاجر غير الشرعي » وهو يطأ أرضا هي في الأصل جزء لا يتجزأ من تراب وطنه؟ إن مطاردة المواطنين على أرضهم وتأطير وجودهم بمصطلحات الهجرة الأوربية يشكل مساسا بجوهر قيمة السيادة وبندبة تاريخية لم تتندمل بعد.
ويرتبط هذا التناقض بمسألة دور المغرب الإقليمي؛ فلماذا أسند الاتحاد الأوربي للمغرب دور « الدركي » الحارس المانع للمهاجرين من جنوب الأرض إلى شمالها؟ وهو وحده يتحمل كلفة حماية الحدود الجنوبية لإفريقيا لمنع عبور المهاجرين؟ إن استمرار هذا التوجه يضع بلدنا في موقف حرج يجمع بين الاستنزاف الأمني والمالي، والضغط الاجتماعي الداخلي، والتخلي الضمني عن ورقة السيادة في التعامل مع الملفات الاستراتيجية.
إن مسألة الهروب الجماعي ليست حدثا عابرا أو مجرد أزمة عبور مئات الأشخاص نحو سبتة المحتلة، بل هي إشكالية معقدة ومركبة؛ تخفي وراءها قضايا أعمق ترتبط بالتنمية المستدامة، وعدالة توزيع الثروة، والسيادة الوطنية، وطبيعة العلاقات الدولية المبنية على موازين القوى.
ولتجاوز هذه البنية المعقدة من الأزمات، لم يعد مجديا الركون إلى المقاربات الأمنية الظرفية أو الاستمرار في لعب دور « حارس الحدود » بالوكالة. إن الحل الحقيقي يكمن في إرساء تعاقد سياسي واجتماعي جديد يعيد الاعتبار للمواطن ويضع كرامته في صلب السياسات العمومية. وتنمويا، يتطلب الأمر قطيعة شجاعة مع اقتصاد الريع والاحتكار، وإطلاق نموذج تنموي شامل يستثمر في الرأسمال البشري عبر إصلاح جذري لمنظومة التعليم وتوفير فرص شغل تضمن العدالة المجالية. وسياسيا، يجب على المغرب إعادة صياغة شراكاته مع الفضاء الأوروبي بمنطق الندية والمصالح المشتركة، رافضا ابتزاز المساعدات مقابل لعب دور « الدركي »، مع الإبقاء على ملف سبتة ومليلية مفتوحا كقضية تصفية استعمار. إن إنقاذ أبناء الوطن من قوارب الموت ومتاهات الأسلاك الشائكة لا يتم بإحكام إغلاق الحدود، بل بفتح أبواب الأمل وبناء وطن يتسع للجميع، وطن يكون فيه البقاء مكسبا والرحيل خسارة.
