بين البحر والغربة… سؤال الوطن
محمد إسماعيلي
ما شهده محيط سبتة المحتلة يتجاوز حدود الخبر العابر والحادثة الموسمية؛ إنه مشهد يفتح باب التأمل، ويدعو إلى قراءة هادئة، بعيدة عن الانفعال، ومتحررة من المزايدات السياسوية وجلد الذات. فحين يندفع مئات، وربما آلاف المواطنين، معظمهم من الشباب، وبينهم نساء وأطفال وقاصرون، وحتى رضع وأمهات، نحو البحر والأسوار والأسلاك، فإن الأمر يتجاوز قضية الهجرة غير النظامية ليصبح سؤالا عميقا عن علاقة الإنسان بوطنه، وعن صورة المستقبل في وعي جيل كامل.
لقد جاء هذا المشهد في مرحلة تسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة بأقل من شهرين، وهي ظرفية تمنح الحدث أهمية سياسية لا تخفى، دون أن تبرر القفز إلى استنتاجات متعجلة أو الانجرار وراء قراءات مؤامراتية. فالقيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن في توقيته بقدر ما تكمن في الدلالات التي يختزنها، وفي الرسائل التي يبعث بها، وهي رسائل تستوجب قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدة عن الاختزال في البعد الأمني وحده.
مَن يقرر أن يلقي بنفسه في البحر او يقفز من فوق الأسوار الإسمنتية والأسلاك الشائكة، وهو يعلم أن احتمالات الغرق أو السقوط القاتل قائمة في كل لحظة، لا يكون قد اتخذ قرارا عاديا. ذلك القرار يسبقه صراع طويل مع النفس، وخيبات متراكمة، وأبواب أغلقت الواحد تلو الآخر. فالإنسان بطبعه لا يغادر وطنه لأنه يكره ترابه، وإنما يغادر حين يشعر أن أحلامه تضيق، وأن مستقبله أصبح رهينة انتظار لا نهاية له.
الهجرة ليست جديدة على المغاربة، فقد كانت عبر عقود طويلة جسرا للرزق، ومصدرا للخبرة، وساهم مغاربة العالم في دعم الاقتصاد الوطني وتحويلاته المالية والاستثمار ونقل المعرفة. غير أن الفرق كبير بين هجرة يختارها الإنسان بحرية، وهجرة يفرضها الإحساس بانسداد الأفق. الأولى قرار، والثانية اضطرار.
ولذلك، يبدأ السؤال الحقيقي من تلك اللحظة التي بدا فيها البحر، في نظرهم، أكثر رحمة من اليابسة؛ أما الوصول إلى سبتة فليس سوى النتيجة الأخيرة لمسار أطول وأعمق.
قد تختلف دوافع الأفراد؛ فمنهم من يبحث عن عمل، ومنهم من يحلم بتحسين وضعه الاجتماعي، ومنهم من تأثر بصور النجاح التي تصله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنهم من دفعته أوضاع أسرية أو نفسية أو اقتصادية معقدة. لكن اجتماع هذا العدد الكبير من الناس في لحظة واحدة يكشف أن القضية أعمق من مجرد قصص فردية.
وليس ما جرى في محيط سبتة المحتلة حدثًا معزولًا أو الأول من نوعه؛ فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية المحتلتين، شارك فيها مغاربة من مختلف الأعمار، وفي مقدمتهم الشباب، إلى جانب مهاجرين من بلدان إفريقية عدة. وقد عرفت سنتا 2021 و2024 أحداثًا مأساوية سقط خلالها قتلى وجرحى، وفُقد آخرون أثناء محاولات اجتياز الحواجز البرية والبحرية. ويؤكد تكرار هذه المشاهد على امتداد السنوات أن القضية ليست طارئة ولم تعد مجرد حالات فردية أو ظرفية عابرة، وإنما أصبحت ظاهرة تستوجب قراءة عميقة لأسبابها، ومعالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، إلى جانب تدبير أبعادها الأمنية والإنسانية، وتعكس أزمة تتجدد كلما ظلت أسبابها العميقة قائمة
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار ما تحقق في المغرب خلال العقود الأخيرة من مشاريع كبرى وبنيات تحتية واستثمارات استراتيجية عززت مكانة البلاد إقليميا وقاريا. فهذه منجزات حقيقية ينبغي الحفاظ عليها والبناء عليها. غير أن التنمية لا تكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن آثارها وصلت إلى حياته اليومية، وأنها فتحت له باب العمل، وحسنت جودة التعليم والصحة، ووسعت دائرة تكافؤ الفرص، وقلصت الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فالتنمية في وعي المواطن البسيط تُقاس بما يصل إليه من أثر في حياته اليومية، بما يراه ويلامسه كل صباح، أكثر مما تُقاس بما تَعرضه التقارير من مؤشرات. فالمواطن ينظر إليها بقدرته على إيجاد عمل كريم، وتأمين سكن لائق، وضمان تعليم جيد لأبنائه، والحصول على علاج يحفظ كرامته، والإحساس بأن جهده يمكن أن يغير مصيره.
إن أخطر ما يهدد أي مجتمع هو اهتزاز الثقة في المستقبل، فالبطالة وغلاء المعيشة لا تبقى مجرد صعوبات اقتصادية عندما تتحول إلى شعور عام بفقدان الأمل. وحين يرى الشباب أن النجاح ينتظرهم خارج الوطن، وأن الهجرة أصبحت أقرب الطرق إلى تحقيق أحلامهم، فإن ذلك يشير إلى حاجة ملحّة لمراجعة عميقة.
ومع ذلك، فإن من الظلم أيضا تصوير الضفة الأخرى وكأنها الفردوس المفقود. فالغربة ليست صورة جميلة على شاشة الهاتف، ولا ابتسامة لحظة الوصول. إنها بداية امتحان طويل، مليء بالغموض والإجراءات القانونية، وصعوبات الاندماج، والعمل الشاق، والحنين، والقلق، وإمكانات الإبعاد أو العودة. فكثير ممن يعبرون الطريق نحو الضفة الأخرى يكتشفون أن الوصول يحمل أسئلة جديدة، وأن الرحلة الحقيقية تبدأ بعد عبور الحدود. لذلك تظل الهجرة قضية إنسانية ووطنية تستحق الإصغاء إلى أصحابها وفهم أسبابها، بعيدا عن التقديس أو الإدانة أو تحويل مآسي الناس وأحلامهم إلى أوراق في سجالات السياسة
إن المسؤولية هنا جماعية. مسؤولية الدولة في تعميق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وربط التنمية بالإنسان قبل الحجر. ومسؤولية الحكومة في تقييم سياساتها بجرأة، والاستماع إلى نبض المجتمع، والتواصل الصريح مع المواطنين. ومسؤولية الأحزاب في تقديم مشاريع واقعية تستعيد ثقة الشباب، بدل الاكتفاء بالشعارات الموسمية. كما أن للأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني، أدوارا لا تقل أهمية في حماية الأمل داخل النفوس.
تُقاس نهضة الأوطان بما تبنيه من طرق وموانئ ومطارات ومصانع وملاعب، لكنها تترسخ بما تبنيه في الإنسان. فالثقة والانتماء هما الأساس الذي يستند إليه كل عمران. وحين يشعر المواطن أن وطنه يفتح أمامه فرصاً عادلة للحياة، ويجعل الكفاءة معياراً لتولي المسؤولية، ويصون الكرامة باعتبارها حقاً للجميع، يتحول الاستقرار من مجرد شعار إلى واقع تعيشه الأمة.
إن البحر سيظل بحراً، وستظل بين ضفتيه أحلامٌ ومآسٍ تتكرر. غير أن المسافة الأشد قسوة هي التي تمتد بين الإنسان ووطنه حين يخبو الأمل، وتتراجع الثقة، ويتباطأ الإصلاح.
ويبقى البحر شاهداً صامتاً على أحلام الذين يعبرونه، ويبقى الوطن هو السؤال الذي لا يكف عن العودة. فكيف نجعل شباب المغرب يحلمون بالنجاح داخل وطنهم، قبل أن يحلموا بالنجاة خارجه؟ ذلك هو التحدي الحقيقي… وذلك هو الامتحان الذي لا يحتمل التأجيل.
2026\07\31
