حزب التقدم والاشتراكية في عهد بنعبد الله: من مشروع التجديد إلى أزمة الخلافة.

حزب التقدم والاشتراكية في عهد بنعبد الله: من مشروع التجديد إلى أزمة الخلافة.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

مقدمة.

منذ مايو 2010، يقود محمد نبيل بنعبد الله حزب التقدم والاشتراكية، خلفاً لإسماعيل العلوي، بعدما حصل على 332 صوتاً مقابل 243 لمنافسه سعيد سعدي. ما بدا آنذاك محطة تجديد في مسيرة الحزب اليساري العريق، تحول مع مرور السنوات إلى أزمة وجودية تهدد مكانته في الساحة السياسية المغربية، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لعام 2026.

مسيرة أربع ولايات: من التداول إلى الترسيخ.

انتخب بنعبد الله أميناً عاماً للمرة الأولى في المؤتمر الوطني الثامن (مايو 2010)، ثم أعيد انتخابه في المؤتمر التاسع (يونيو 2014)، والمؤتمر العاشر (مايو 2018)، قبل أن يجدد له الحزب الثقة لولاية رابعة في المؤتمر الحادي عشر (نوفمبر 2022) بـ 413 صوتاً من أصل 432. أربع ولايات متتالية تعني 16 عاماً من القيادة الفردية لحزب كان يُفترض أن يكون نموذجاً في التداول الديمقراطي.

المفارقة أن بنعبد الله نفسه عبر أكثر من مرة عن رغبته في المغادرة، لكنه ظل متمسكاً بالقيادة بحجة « الخوف من انحراف سفينة الرفاق عن الطريق » في غياب مرشح قادر على التوافق. هذا التناقض بين القول والفعل شكل إحدى أبرز إشكاليات إدارته للحزب.

غياب التداول الداخلي واحتجاجات القاعدة.

لم تمر الولاية الرابعة بسلام. فقبل انعقاد المؤتمر الحادي عشر، أطلقت مبادرة داخلية عرفت باسم « سنواصل الطريق »، عارضت التجديد لبنعبد الله. وأظهر استطلاع للرأي أجرته المبادرة أن 97.4% من المنخرطين في الحزب رفضوا ولايته الرابعة، وبلغت النسبة 99.1% لدى غير المنخرطين. وجاءت مبررات الرفض مركزة على: تكريس غياب الديمقراطية الداخلية (89%)، وتكريس عزوف الشباب عن الأحزاب (88%)، وعدم المساهمة في تجديد نخب الحزب (50%).

ورغم هذا المد الاحتجاجي، مضى الحزب في إعادة انتخابه، في مشهد عزز الانطباع بأن قرارات الحزب تُتخذ في قمة هرمه، لا في قاعدته.

أزمة الخلافة: غياب البديل كذريعة للاستمرار.

جوهر الأزمة لا يكمن فقط في تمسك بنعبد الله بالسلطة، بل في غياب بنية تنظيمية قادرة على إنتاج بديل. فقبل المؤتمر الحادي عشر، لم يعبر أي قيادي عن رغبته في الترشح، باستثناء عضو المكتب السياسي سعيد الفكاك، الذي سبق أن نافسه في محطات سابقة دون أن يحظى بدعم كاف.

هذا الفراغ في القيادة البديلة جعل بنعبد الله يبدو كـ »حل اضطراراي » لا اختياري، مما أضعف أي نقاش جاد حول التداول. وكما صرحت مصادر قيادية، فإن « أي رغبة فردية في الترشح تصطدم بواقع يفرض نفسه، ويتعلق بإيمان أغلبية الأعضاء بعدم وجود مرشح منافس يمكنه الحفاظ على وحدة الرفاق ».

« الدخلاء » وأصحاب النفوذ: تحدي الهوية.

من أبرز الانتقادات التي توجه لبنعبد الله هي ظاهرة « غزو الدخلاء » للحزب، أي استقطاب شخصيات ذات ثقل مالي أو قبلي على حساب الكوادر التاريخية. وهذه الظاهرة ليست جديدة في الساحة السياسية المغربية، لكنها تكتسب حدة خاصة في حزب يساري يُفترض أن يكون مناضلاً من أجل العدالة الاجتماعية.

يحاول الحزب موازنة الأمور عبر الإعلان عن لائحة انتخابية تضم 6 نساء و8 شباب دون 35 سنة، في محاولة لضخ دماء جديدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الإجراءات الشكلية كافية لمواجهة تآكل المصداقية الذي يعانيه الحزب؟

قراءة في المستقبل: هل « بعدي الطوفان »؟

عبارة « بعدي الطوفان » التي استخدمتها في تساؤلي أعلاه تعكس مخاوف حقيقية. فالحزب يواجه تحديات وجودية:

● تآكل القاعدة الشعبية في ظل عزوف الشباب عن العمل الحزبي.

● فقدان البوصلة الأيديولوجية بين الانخراط في التحالفات الحكومية والمحافظة على الهوية اليسارية.

● أزمة ثقة بين القيادة والقاعدة، كما أظهرته الاحتجاجات على الولاية الرابعة.

ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن بنعبد الله « حافظ على قدر كبير من استقلالية الحزب، وعلى قدرة التنظيم على إصدار مواقف جريئة تجاه عدد من القضايا ». وهذا يشير إلى أن الرجل ليس مجرد عقبة، بل كان في مراحل سابقة عاملاً في استمرارية الحزب.

خلاصة.

ما آلت إليه أوضاع حزب التقدم والاشتراكية تحت قيادة بنعبد الله منذ 2010 هو نتاج أزمة مركبة: فردية في القيادة، وفشل في بناء مؤسسات قادرة على التداول، وضعف في استقطاب الكفاءات الشابة، وتناقض بين الخطاب اليساري والممارسة السياسية. ورحيل بنعبد الله، مهما كان ضرورياً، لن يكون كافياً ما لم يواكبه إصلاح جذري في البنية التنظيمية وآليات صنع القرار. وإلا، فالمخاطرة كبيرة بأن يتحول الحزب إلى مجرد ظل لماضيه، في مشهد قد يكون « الطوفان » فيه أشد مما يتصوره البعض.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *