ملعب السياسة ومرجّع الكرة: تشابهٌ في الزي وافتراقٌ في التحكيم.
قراءة في المشهد المغربي.
بقلم محمد خوخشاني.
كان زمنٌ ليس ببعيدٍ، نفرّق فيه بوضوح بين أرضية الملعب وساحة البرلمان. هناك كرةٌ تتدحرج وهتافاتٌ تتعالى، وهناك خطاباتٌ وبرامج وصناديقُ اقتراع. لكن في المغرب، كما في غيرِه، تلاشت الحدود، واختلط الحابل بالنابل. صارت الإطارات الحزبية مجرد شعاراتٍ كروية، والزعماء السياسيون مدربين يُطالبون باللقب أي المقاعد الوزارية، والناخبون جماهيرَ تُعبّئها الوعودُ الحماسية كما تُعبّئ ركلةُ ركنية المدرجات.
فلنمضِ في هذا التشبيه حتى نهايته، ولنرى ما الذي تكشفه مرآة الرياضة عن السياسة المغربية. فإذا كان العالمان يتشابهان أكثر فأكثر، فإن فجوةً جوهريةً ما زالت قائمة، وهي موجعة: في كرة القدم على الأقل، القوانين موجودة ومشاهدة، أما في السياسة فالغموض هو القانون.
1. ميركاتو التزكيات vs. ميركاتو اللاعبين.
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يشتعل سوق « التزكيات » داخل الأحزاب، تماماً كسوق الانتقالات الصيفية في الأندية. فما هي التزكية سوى « عقد اللاعب » الذي يخوّل للمرشح حمل راية الحزب في دائرة معينة. نرى النواب يغيرون ألوانهم السياسية كما يغيّر اللاعبون قمصانهم، ليس عن قناعة، بل بحثاً عن « البطولات » (الوزارات أو المقاعد المضمونة).
في كرة القدم المغربية، يخضع الميركاتو لقوانين صارمة: فترات تسجيل محددة من طرف الجامعة، عقود ثلاثية، وغرامات على المخالفين. لا يمكن للاعب أن يرتدي قميص فريق جديد في منتصف الموسم دون احترام الإجراءات. لكن في السياسة، « ميركاتو » التزكيات يُمارس في غرف مظلمة بمقرات الأحزاب، بعيداً عن أعين الجماهير، ودون أيِّ « فار » رقابي يراقب الصفقات. الناخب، ذلك المشجع الساذج، لا يُستشار أبداً في تركيب « فريقه » المفضل.
2. المدربون والرؤساء: فوزي لقجع نموذجاً.
فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، يجسّد بامتياز هذا التداخل. وجوده في حزب الأصالة والمعاصرة أثار سؤالاً جوهرياً: هل يكفي النجاح في تدبير قطاع رياضي لتبرير الطموح الحكومي؟
يتشابه المدرب السياسي مع مدرب الكرة في شيء واحد: كلاهما يُحكم عليه بالنتائج (الاستطلاعات، الفوز في الانتخابات، أو الانتصارات في المباريات). وكما يُقال، « النتائج هي التي تصنع صورة المسؤول، والانتصارات تمنحه شرعية رمزية واسعة ». لكن هنا ينتهي التشابه. فالمدرب بعد الخسارة يُقال، وقد يجد فريقاً آخر. أما القائد السياسي فيتحمّل مسؤولية قرارات تمسّ حياة المواطنين اليومية، وهو ملزم بالمساءلة أمام الشعب. غير أن وسائل الإعلام تعامل الفريقين بنفس الطريقة: ننتظر من رئيس الحزب أن « يضخ دينامية جديدة »، كما ننتظر من مدرب كروي أن يُعيد ترتيب التشكيلة. لكن الرهانات، في العمق، لا تُقاس.
3. قوانين اللعبة: أين هي في السياسة؟
خطت كرة القدم المغربية خطوة نوعية في سبتمبر 2025، حين وقّعت الجامعة والعصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية على « ميثاق للأخلاقيات » يقوم على ثلاث ركائز أساسية: الشفافية، والنزاهة، والمسؤولية. الهدف المعلن هو « استئصال الممارسات التي أعاقت تطور الكرة الوطنية: البيروقراطية، وسوء التدبير، وغياب الالتزام الهيكلي ». وكان حجر الزاوية في هذا الميثاق هو الشفافية المالية والميزانياتية.
هذه الخطوة، مهما كانت محدودة، تقول الكثير. تقول إن كرة القدم عانت من أزمة ثقة، وأن القائمين عليها شعروا بالحاجة الملحّة إلى تدوين قواعد واضحة والتوقيع عليها. إنه تقدّم بلا شك.
لكن في الحقل السياسي، أين الميثاق؟ وحتى وإن وُجد كما هو الشأن عند حزب التقدم والاشتراكية، فالمقتضيات تظل غامضة وغير واضحة. أين القواعد الشفافة التي تحكم التزكيات، وتمويل الحملات، وتناوب النخب؟ الانتقادات تتوالى: آلية التزكية غالباً ما تُعتبر « معتمة »، حيث يطغى « السباق نحو الربحية الانتخابية » على « مبررات الكفاءة في التدبير ». تعجز الأحزاب عن إنتاج كفاءات قادرة على « مواكبة الأوراش الكبرى » وقيادتها. بل إن الشفافية التي نطالب بها كرة القدم — ونادراً ما نجدها — هي نفسها الغائبة عن النقاش السياسي. الجامعة الملكية تتعرض لانتقادات بسبب غموضها التواصلي، لكن على الأقل هناك صحفيون يفضحونها، وميثاق يُلزمها، وهيئات تحاسبها. أما في السياسة، فمن يراقب « التزكية »؟ ومن يعاقب « الميركاتو » الحزبي المشبوه؟
4. المدرجات والصناديق.
في العمق، أصبحت كرة القدم المغربية أداة للدبلوماسية والوحدة الوطنية. جعل منها الملك محمد السادس « رافعة استراتيجية » لتعزيز مكانة المملكة. وهذا ليس صدفة: كرة القدم تجمع، وتخلق الروابط، وتقدّم انتصارات تتجاوز الانقسامات. إنها، بطريقة ما، السياسة الناجحة.
لكن السياسة، بطبيعتها، تفرّق. تواجه. تجبر على التوفيق بين مصالح متضاربة. تفضح. ولكونها أصعب، فهي بالتالي تطلب مزيداً من الشفافية، لا أقل منها.
والمؤلم أن نعترف بأن كرة القدم — ذلك الملعب الذي نتقاتل فيه بقوانين ثابتة، تحت أنظار آلاف المشجعين والحكام — أصبحت اليوم أكثر تنظيماً، وتأطيراً، ووضوحاً من الشأن السياسي. الجامعة وقّعت ميثاق أخلاقيات، أما الأحزاب فلا تزال تبحث عنه على استحياء.
الخاتمة: صوت الصافرة وخرس التحكيم.
نعم، أوجه الشبه مذهلة. نستثمر في المرشحين كما نستثمر في اللاعبين. نغيّر الانتماءات كما نغيّر القمصان. ننصّب « مدربين » على رأس الأحزاب على أمل أن يقودوا الفريق إلى النصر. الشعارات تتشابه، والمواقف تتطابق، وأجهزة الاتصال هي ذاتها.
لكن ثمة فرقٌ قاتل: في ملعب كرة القدم، الحكم يملك صافرةً، وبطاقة حمراء، وتقنية « الفار ». القوانين مكتوبة ومعروفة وقابلة للطعن. في ساحة السياسة المغربية، الحكم غالباً ما يكون غائباً، والقوانين تُتفاوض في ظلال « التزكيات »، والتسلل لا يُحتسب أبداً، والجماهير (الناخبون) تظل تهتف في العتمة، دون أن تعرف من يدير المباراة حقاً.
في كرة القدم، نعرف متى نخسر، ونعرف من المسؤول عن الهزيمة. أما في السياسة، فلا أحد يعرف من يحكم، والخسارة تُرمى دائماً على « التحكيم » دون محاسبة، لأن قوانينها هناك… مسروقة من أعين الجماهير التي تدفع ثمن التذكرة (الضرائب) دون أن ترى حتى كرةَ اللعب.
