حزب التقدم والاشتراكية أمام امتحان الحكومة المقبلة: المشاركة أم ماذا بعد المشاركة؟

حزب التقدم والاشتراكية أمام امتحان الحكومة المقبلة: المشاركة أم ماذا بعد المشاركة؟
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

مباشرة بعد تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة المقبلة، انطلقت المشاورات الأولية مع الأحزاب الممثلة في البرلمان. وقد باشرت رئيسة الحكومة المكلّفة لقاءاتها، فاستقبلت في البداية حزب التجمع الوطني للأحرار ثم حزب الاستقلال، فيما ينتظر أن تشمل المشاورات باقي الأحزاب بحسب ترتيب نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وفي الوقت الذي أعلن فيه حزب العدالة والتنمية، من خلال مؤسساته، اختياره موقع المعارضة، فإن السؤال يبقى مفتوحاً بالنسبة إلى عدد من الأحزاب الأخرى، ومن بينها حزب التقدم والاشتراكية الذي لم يحسم، في لحظة كتابة هذه السطور، موقفه النهائي من المشاركة في الحكومة المقبلة.

ولعل هذا الانتظار ليس بالضرورة علامة تردد. فقد أعلن نبيل بنعبدالله، عقب الانتخابات، أن اتخاذ موقف من التحالفات سابق لأوانه وأن الأمر من اختصاص المؤسسات الحزبية.

لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح، بعيداً عن الأشخاص والحسابات الظرفية، هو: ما الذي يمكن أن يعنيه دخول حزب التقدم والاشتراكية حكومة فاطمة الزهراء المنصوري؟ وما الذي يمكن أن يعنيه رفضه المشاركة؟

لقد سبق لحزب التقدم والاشتراكية أن شارك في عدد من حكومات العهد الجديد، من حكومة التناوب التوافقي إلى حكومتي إدريس جطو وعباس الفاسي، ثم حكومة عبد الإله بنكيران. وحدها حكومة عزيز أخنوش المنتهية ولايتها كانت خارج مسار مشاركته الحكومية.

ومن ثم، فإن المشاركة في حد ذاتها ليست غريبة عن تاريخ الحزب، ولا تتناقض بالضرورة مع هويته السياسية. بل إن السؤال الحقيقي يبدأ بعد اتخاذ قرار المشاركة.

فإذا دخل حزب الكتاب حكومة المنصوري، فهل ستكون المشاركة من أجل أن يكون داخل الحكومة فقط؟ أم من أجل أن يكون له تأثير فعلي في السياسات العمومية والقرارات والاختيارات؟

هنا تبرز مفارقة تستحق التأمل.

في الرياضة، كثيراً ما يُردد القول: «المهم هو المشاركة»؛ فلا بأس بالخسارة ما دام المرء قد شارك.

لكن هل يمكن أن تصبح هذه القاعدة هي الأخرى، سياسياً، فلسفة حزب التقدم والاشتراكية في نهاية عهد نبيل بنعبدالله؟

«المهم أن نشارك، أما ما الذي سيترتب عن مشاركتنا، فذلك أمر آخر»؟

إن كان الأمر كذلك، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بحقيبة وزارية أو بعدد الوزراء، وإنما بمستقبل حزب له تاريخ طويل في الحياة السياسية المغربية.

فالمشاركة الحكومية ليست مجرد حضور في الصفوف الحكومية. إنها، في النظام السياسي، تحمل المسؤولية عن اختيارات وقرارات وبرامج. ومن يدخل الحكومة يصبح، بدرجات مختلفة، شريكاً في نتائجها، وفي نجاحاتها وإخفاقاتها، وفي ما ستتركه من آثار على حياة المواطنين.

ولهذا كان لافتاً أن نبيل بنعبدالله نفسه، قبل الانتخابات، قدم المشاركة الحكومية باعتبارها مرتبطة بالالتزامات التي سيجري الاتفاق بشأنها، مؤكداً أن الحزب لا يريد أن يكون مجرد «دور مساعد» داخل الأغلبية.

وهنا يصبح الاختبار الحقيقي للحزب واضحاً:

هل سيدخل حكومة المنصوري لأنه وجد فيها برنامجاً يقترب من مشروعه السياسي؟ أم لأنه لا يريد أن يكون خارج الحكومة؟

الفرق بين السؤالين كبير.

في الحالة الأولى، تكون المشاركة نتيجة تفاوض سياسي حول برنامج وأولويات والتزامات محددة. أما في الحالة الثانية، فقد تتحول المشاركة إلى غاية في ذاتها، وهو ما قد يفتح الباب أمام تساؤلات صعبة داخل الحزب وخارجه حول معنى المعارضة السابقة، وحدود الاستقلالية السياسية، وما الذي تغير بين الأمس واليوم.

وبالمقابل، فإن اختيار المعارضة ليس، في حد ذاته، دليلاً على قوة سياسية أو على وضوح أكبر. المعارضة أيضاً تحتاج إلى مشروع، وخطاب، وممارسة برلمانية، وقدرة على اقتراح البدائل ومراقبة الحكومة ومحاسبتها.

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال:

المشاركة أم المعارضة؟

بل:

أي مشاركة؟ ولماذا؟ وبأي شروط؟ وأي معارضة؟ وبأي مشروع؟

ذلك أن المصداقية السياسية لا تُقاس بموقع الحزب داخل الحكومة أو خارجها فقط، وإنما بقدرته على تفسير اختياراته، والوفاء بما يعلنه، والحفاظ على حد أدنى من الانسجام بين الخطاب والممارسة.

وحزب التقدم والاشتراكية، بحكم تاريخه وتجربته، لا تنقصه الخبرة الحكومية. فقد عرف مواقع السلطة كما عرف مواقع المعارضة. ولذلك فإن دخوله حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لن يكون حدثاً عادياً بالنسبة إلى الحزب؛ سيكون محطة أخرى في مساره السياسي، وقد يكون أيضاً مناسبة لطرح سؤال أعمق حول هويته وموقعه في المشهد السياسي المغربي الجديد.

لقد دخل الحزب الانتخابات بطموح كبير، فقد تحدث أمينه العام قبل الاقتراع عن إمكانية تجاوز خمسين مقعداً، وعن ضرورة امتلاك قوة برلمانية تسمح للحزب بالتأثير في الأغلبية المقبلة، لا أن يكون مجرد رقم إضافي فيها.

لكن النتيجة كانت 19 مقعداً، أي أقل من حصيلة 2021 البالغة 22 مقعداً.

وهنا تحديداً تصبح المشاركة الحكومية أكثر حساسية.

فإذا قرر الحزب المشاركة، فإن المطلوب منه ألا يكتفي بالقول: لقد عدنا إلى الحكومة، وإنما أن يجيب عن سؤال الناخب: ماذا ستضيفون إليها؟ وماذا ستغيرون فيها؟ وما الذي ستدافعون عنه داخلها؟

أما إذا قرر عدم المشاركة، فعليه أيضاً أن يشرح: ما الذي يمنعكم اليوم من المشاركة في حكومة المنصوري، بينما شارك الحزب في حكومات سابقة متعددة؟ وما البديل السياسي الذي ستقدمونه من موقع المعارضة؟

في الحالتين، لا مفر من المحاسبة السياسية.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لحزب عريق ليس أن يشارك في الحكومة أو أن يعارضها، وإنما أن يفقد المعنى السياسي لاختياره.

فالأحزاب لا تعيش بالمقاعد وحدها، ولا بالحقائب الوزارية وحدها، ولا بالبيانات الصحفية وحدها. إنها تعيش أيضاً بذاكرة مناضليها، وبثقة ناخبيها، وبقدرتها على إقناع الرأي العام بأن قراراتها ليست مجرد استجابة للظرف، وإنما جزء من مشروع سياسي واضح.

ولهذا فإن السؤال الذي سيظل مطروحاً على حزب التقدم والاشتراكية، وعلى قيادة نبيل بنعبدالله تحديداً، ليس فقط:

هل ستشاركون في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري؟

بل السؤال الأهم:

إذا شاركتم، فماذا ستفعلون بهذه المشاركة؟

ففي الرياضة قد يكون المهم أن تشارك.

أما في السياسة، فالمهم ليس فقط أن تكون داخل الملعب، وإنما أن يعرف الناخب لماذا دخلت، وماذا تريد أن تحقق، وماذا ستفعل إذا لم تستطع تحقيقه.

وهنا، ربما، يكمن الفرق بين المشاركة في الحكومة والمشاركة في المسؤولية عن الحكم.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *