ملف التشغيل.. أولوية الأولويات أمام الحكومة المقبلة بالمغرب
جمال الدبن بوقار:
التشغيل رهان وطني ومسؤولية جماعية
يُعدّ التشغيل من أهم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، ومن أبرز الملفات التي ستحدد مدى قدرة الحكومة المقبلة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، وخاصة الشباب والخريجين والنساء والباحثين عن فرص عمل مستقرة وكريمة.
إن التشغيل ليس مجرد إجراء حكومي أو التزام انتخابي، بل هو ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتحسين مستوى عيش الأسر، وتوسيع قاعدة الإنتاج والاستثمار.
ومن هذا المنطلق، فإن ملف التشغيل يجب أن يشكل أولوية الأولويات في البرنامج الحكومي المقبل، وأن ينتقل من مرحلة الوعود والتدابير الظرفية إلى استراتيجية وطنية متكاملة، بأهداف واضحة، ومؤشرات دقيقة، وآليات فعالة للتنفيذ والتقييم.
أولاً: التشغيل يحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة
إن معالجة إشكالية البطالة لا يمكن أن تتم من خلال برامج الإدماج المهني وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تتطلب بناء اقتصاد قادر على خلق فرص الشغل بصورة مستدامة.
ويستدعي ذلك الربط بين الاستثمار والإنتاج والتكوين والتشغيل، مع توجيه السياسات العمومية نحو القطاعات التي تتوفر على إمكانات حقيقية للنمو وخلق القيمة المضافة.
كما يقتضي الأمر تطوير آليات استباقية لتحديد حاجيات سوق الشغل، وفهم التحولات التي تعرفها المهن، وتكييف منظومة التكوين مع المهارات التي تحتاج إليها المقاولات.
فالتحدي لا يتمثل فقط في البحث عن مناصب شغل للشباب، بل أيضاً في تطوير نسيج اقتصادي قادر على إحداث هذه المناصب والمحافظة عليها.
ثانياً: المقاولات الصغرى والمتوسطة رافعة أساسية للتشغيل
لا يمكن الحديث عن سياسة فعالة للتشغيل دون إعطاء مكانة مركزية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها مكوناً أساسياً من مكونات النسيج الاقتصادي الوطني.
إن دعم هذه المقاولات يجب ألا يقتصر على التمويل أو إحداث المشاريع، بل ينبغي أن يشمل مواكبتها في مجالات الاستراتيجية والتسويق والتدبير التجاري والتنظيم والموارد البشرية والتحول الرقمي.
فالمقاولة التي تستطيع تحسين إنتاجيتها، وتوسيع أسواقها، وتطوير منتجاتها وخدماتها، وتعزيز قدرتها التنافسية، تصبح أكثر قدرة على الاستثمار والتوسع وخلق فرص عمل جديدة.
ولهذا، فإننا بحاجة إلى سياسة وطنية تجعل من نمو المقاولات واستمراريتها وتطورها أحد المحركات الرئيسية للتشغيل.
كما ينبغي تطوير برامج خاصة بالمقاولات التي تواجه صعوبات في النمو، ومساعدتها على تجاوز الاختلالات التنظيمية والتجارية التي تحد من قدرتها على التوسع.
ثالثاً: الانتقال من التكوين إلى الكفاءة القابلة للتشغيل
من بين التحديات التي تستدعي اهتمام الحكومة المقبلة مسألة التوافق بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل.
فالحصول على شهادة لا ينبغي أن يكون نهاية المسار، بل بداية لامتلاك كفاءات مهنية وعملية تسمح بالاندماج في الحياة الاقتصادية.
ويقتضي ذلك تعزيز التكوين التطبيقي، وتطوير التكوين بالتناوب، وتوسيع فرص التدريب داخل المقاولات، وإشراك المشغلين في تحديد المهارات المطلوبة.
كما ينبغي الاهتمام بالكفاءات السلوكية والمهنية، مثل التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات والتكيف مع التغيير والانضباط وتحمل المسؤولية.
إن بناء جسور فعالة بين مؤسسات التكوين والمقاولات من شأنه أن يساهم في تقليص الفجوة بين الكفاءات المتاحة والحاجيات الفعلية لسوق الشغل.
رابعاً: المقاولة وريادة الأعمال خياران للتنمية والتشغيل
لا يمكن أن تقتصر سياسة التشغيل على إعداد الباحثين عن العمل لولوج المناصب المتاحة، بل ينبغي أن تعمل أيضاً على تشجيعهم على خلق أنشطة اقتصادية ومشاريع قابلة للاستمرار.
غير أن دعم ريادة الأعمال لا يعني الاكتفاء بتشجيع الشباب على إنشاء المقاولات؛ بل يتطلب توفير المواكبة والتوجيه والتكوين والتأطير، وتسهيل الولوج إلى التمويل والأسواق، ومساعدة حاملي المشاريع على تطوير نماذج اقتصادية واقعية.
فنجاح المشروع المقاولاتي لا يُقاس بمجرد إحداثه، بل بقدرته على الاستمرار وتحقيق القيمة المضافة وتطوير النشاط، وربما خلق فرص شغل إضافية مع مرور الوقت.
ومن هنا، تبرز أهمية الجمعيات ومراكز الكفاءات ومؤسسات المواكبة في تحويل المبادرات الفردية إلى مشاريع اقتصادية أكثر قابلية للنجاح.
خامساً: التشغيل مسؤولية مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع
إن مواجهة تحديات التشغيل تتطلب تعبئة مختلف الفاعلين، من حكومة وقطاع خاص ومؤسسات تكوين وجامعات وجماعات ترابية وجمعيات مهنية ومدنية.
وتستدعي هذه التعبئة بناء شراكات عملية تحدد مسؤوليات كل طرف، وتربط البرامج بالأهداف والنتائج.
وفي هذا الإطار، يمكن لجمعيات ومراكز الكفاءات أن تساهم في:
* مواكبة الشباب في تحديد مشاريعهم المهنية.
* تطوير الكفاءات الشخصية والمهنية المطلوبة في سوق الشغل.
* دعم حاملي المشاريع في إعداد وتطوير مبادراتهم المقاولاتية.
* تقوية العلاقة بين الباحثين عن العمل والمقاولات.
* المساهمة في التكوين والتوجيه والتأطير.
* المشاركة في تقييم البرامج والمبادرات الموجهة للتشغيل والمقاولة.
كما ينبغي أن تحظى التنمية الجهوية باهتمام خاص، من خلال استثمار المؤهلات الاقتصادية لكل جهة، وتشجيع الاستثمار المحلي، وخلق فرص شغل أقرب إلى المواطنين.
سادساً: ما الذي ننتظره من الحكومة المقبلة؟
بصفتي رئيس جمعية مركز الكفاءات للتشغيل والمقاولة، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي وضع التشغيل في صلب الأولويات الحكومية، من خلال برنامج عملي يقوم على خمس التزامات أساسية:
1. اعتماد استراتيجية وطنية مندمجة للتشغيل تربط بين الاستثمار والتكوين والنمو الاقتصادي واحتياجات سوق الشغل.
2. إطلاق برنامج قوي لمواكبة نمو المقاولات الصغرى والمتوسطة من أجل تحسين أدائها وقدرتها على التوسع وخلق فرص عمل مستدامة.
3. تطوير منظومة التكوين والتأهيل المهني بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وحاجيات المشغلين.
4. تعزيز دعم المقاولة وريادة الأعمال من خلال مواكبة مستمرة، وتبسيط المساطر، وتحسين شروط الولوج إلى التمويل والأسواق.
5. إرساء منظومة شفافة لتقييم النتائج تعتمد مؤشرات دورية حول فرص الشغل المحدثة، وجودتها، واستمراريتها، ومدى استفادة الشباب والنساء ومختلف الجهات.
إن أهمية هذه الالتزامات تكمن في تحويل التشغيل من هدف معلن إلى نتيجة قابلة للقياس والتقييم والمساءلة.
خاتمة: التشغيل أولوية الأولويات
إن المغرب في حاجة إلى رؤية جديدة تجعل من التشغيل مسؤولية مشتركة ونتيجة مباشرة لاقتصاد منتج، ومقاولات نامية، وكفاءات مؤهلة، واستثمار قادر على خلق القيمة.
ولا يمكن تحقيق ذلك دون الانتقال من معالجة البطالة بعد وقوعها إلى بناء منظومة اقتصادية تستبق الحاجيات، وتدعم نمو المقاولات، وتؤهل الشباب، وتشجع الابتكار والمبادرة.
إن الحكومة المقبلة مطالبة بجعل التشغيل في قلب قراراتها الاقتصادية والاجتماعية، لأن نجاح السياسات العمومية لا يقاس فقط بعدد البرامج التي يتم إطلاقها، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة المواطنين وفتح آفاق حقيقية أمامهم.
إن الاستثمار في الكفاءات، ومواكبة المقاولات، وتشجيع المبادرة الاقتصادية، ليست ملفات منفصلة؛ بل هي حلقات مترابطة في استراتيجية وطنية قادرة على خلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المستدامة.
ومن موقعنا في جمعية مركز الكفاءات للتشغيل والمقاولة، نؤكد أن بناء مغرب يوفر فرصاً أوسع للشغل يستدعي تعبئة جماعية، ورؤية واضحة، وشراكات فعالة، والتزاماً حقيقياً بتحويل الكفاءات والمبادرات إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
التشغيل ليس مجرد ملف ضمن الملفات الحكومية، بل هو أولوية الأولويات ورهان التنمية والاستقرار والمستقبل.
