نبيل بنعبد الله على رأس وزارة التربية الوطنية: حزب التقدم والاشتراكية أمام امتحان الأمازيغية.
من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس إلى المدرسة المغربية: أي طموح تقدمي للنهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين؟
بقلم، محمد خوخشاني.
تفتح مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة الجديدة، التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، صفحة سياسية جديدة تطرح أسئلة تتجاوز مجرد توزيع الحقائب الوزارية. فحين يتعلق الأمر بوزارة التربية الوطنية، فإن النقاش لا ينحصر في إصلاح المدرسة أو تدبير الموارد البشرية والمناهج، بل يمتد إلى قضايا الهوية والتعدد اللغوي والإنصاف الثقافي، وفي مقدمتها موقع اللغة الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية المغربية.
ويكتسي هذا النقاش أهمية إضافية في ضوء إسناد حقيبة التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي سبق له أن تابع دراسته بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس، المعروف اختصاراً باسم «إينالكو» (INALCO). وهو معهد متخصص في دراسة اللغات والحضارات، بما يطرحه ذلك من أسئلة حول العلاقة بين المعرفة اللغوية والثقافية وبين السياسات العمومية التي ينبغي أن تضمن الاعتراف بالتعدد اللغوي وصيانته وتطويره.
لكن الأهم ليس المسار الدراسي للوزير في حد ذاته، بل ما إذا كان سيتحول إلى رافعة لتطوير سياسة تعليمية تمنح اللغة الأمازيغية المكانة التي يقرها الدستور والقانون، وتترجم الاعتراف الرسمي بها إلى ممارسة يومية داخل المدرسة المغربية.
الأمازيغية: من الاعتراف الدستوري إلى تحدي التنزيل.
ينص الفصل الخامس من دستور سنة 2011 على أن اللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة دون استثناء. وقد جاء القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، ليحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في التعليم ومجالات الحياة العامة ذات الأولوية.
ويؤكد هذا الإطار القانوني أن تعليم الأمازيغية حق لجميع المغاربة، وأن إدماجها في منظومة التربية والتكوين ينبغي أن يشمل، بصورة تدريجية، مختلف الأسلاك التعليمية، من التعليم الأولي والابتدائي إلى التعليم الثانوي والتكوين المهني.
غير أن المسافة بين النص القانوني والتنفيذ الفعلي تظل موضوعاً أساسياً للنقاش العمومي. فالتحدي لا يتعلق فقط بإدراج الأمازيغية في البرامج أو توفير الكتب المدرسية، بل بضمان وجود مدرسات ومدرسين مؤهلين، وتوفير التكوين الأساسي والمستمر، وإرساء استمرارية بيداغوجية تسمح للتلميذات والتلاميذ بتعلم اللغة وتطوير كفاياتهم فيها عبر مختلف المراحل الدراسية.
ومن ثم، فإن تقييم السياسة العمومية في هذا المجال ينبغي أن يستند إلى معطيات دقيقة ومحينة بشأن عدد المؤسسات التي تدرس فيها الأمازيغية، ونسبة المستفيدين، والموارد البشرية المخصصة لها، ومدى تقدم تعميمها أفقياً بين المؤسسات وعمودياً عبر الأسلاك التعليمية.
المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية: رصيد مؤسساتي ينبغي تثمينه.
لا يمكن تناول مستقبل تدريس الأمازيغية وإشعاع ثقافتها دون التوقف عند الدور الذي يضطلع به المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الذي أُحدث سنة 2001 في أعقاب الخطاب الملكي بأجدير، وأُسندت إليه مهمة المساهمة في الحفاظ على الثقافة الأمازيغية والنهوض بها في مختلف تعبيراتها، والعمل، بتعاون مع المؤسسات الحكومية المعنية، على إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية وتعزيز حضورها في الفضاء الاجتماعي والثقافي والإعلامي.
وقد راكم المعهد خبرة مهمة في البحث اللغوي والثقافي، وإعداد المعاجم والوسائل الديداكتيكية والحوامل البيداغوجية، والمساهمة في إعداد الكتب المدرسية وتكوين الأطر التربوية. كما شكلت الشراكة التي جمعته بوزارة التربية الوطنية، منذ الاتفاق الموقع في 26 يونيو 2003، إطاراً للتعاون من أجل إدماج اللغة والثقافة الأمازيغيتين في المناهج والمقررات المدرسية.
وقد أشار المعهد، في وثائقه المتعلقة بمنجزاته وانتظاراته، إلى مساهمته في إعداد الكتب المدرسية الخاصة بتعليم الأمازيغية في التعليم الابتدائي، وإنتاج وسائل تربوية، وإعداد مجزوءات للتكوين الأساسي والمستمر لفائدة المدرسين والمفتشين والمكونين، فضلاً عن الإسهام في تطوير الدراسات الأمازيغية بالجامعات المغربية.
وهذا الرصيد يقتضي اليوم تعزيز التعاون بين المعهد والوزارة، وتحيين آليات التنسيق بينهما، وربط الخبرة العلمية واللغوية بالقرار التربوي والموارد المالية والبشرية اللازمة للتنفيذ. فالمعهد يوفر الخبرة المتخصصة، بينما تتحمل الوزارة المسؤولية السياسية والإدارية والتدبيرية عن تدريس الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية.
إن إشعاع الثقافة الأمازيغية لا يتحقق بالاحتفاء الرمزي وحده، بل يحتاج إلى حضور فعلي في المدرسة والإعلام والفضاء الثقافي والحياة اليومية. ومن هنا، فإن الشراكة بين المعهد والوزارة ينبغي أن تتحول إلى برنامج عمل واضح، بأهداف محددة وآجال زمنية ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم.
ما المطلوب من وزارة التربية الوطنية؟
في ضوء هذا الإطار الدستوري والقانوني والمؤسساتي، يمكن تحديد عدد من الأولويات العملية التي تستحق أن تكون في صلب السياسة التعليمية المقبلة:
أولاً، وضع خطة واضحة لتعميم تدريس الأمازيغية. ينبغي أن تحدد هذه الخطة مراحل التنفيذ، والفئات المستفيدة، والآجال الزمنية، مع نشر حصيلة دورية تسمح للرأي العام بتتبع التقدم المحرز.
ثانياً، توفير الموارد البشرية المؤهلة. لا يمكن تعميم التدريس دون التوظيف الكافي للمدرسات والمدرسين، وتطوير التكوين الأساسي والمستمر، والاستفادة من الكفاءات المتخصصة في الدراسات الأمازيغية.
ثالثاً، ضمان الاستمرارية بين الأسلاك التعليمية. فنجاح تدريس اللغة في التعليم الابتدائي يظل محدوداً إذا لم يجد التلميذ فرصاً لمواصلة تعلمها في التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، وفق ما ينص عليه القانون التنظيمي.
رابعاً، إدماج الثقافة الأمازيغية في المناهج. فاللغة ليست مجرد قواعد ومفردات، وإنما تحمل تاريخاً وذاكرةً وأدباً وفنوناً ومعارف متوارثة. ومن شأن التعريف بهذه المكونات أن يعزز معرفة الأجيال الجديدة بتعدد روافد الهوية المغربية.
خامساً، تخصيص الموارد المالية اللازمة. لا يكفي إعلان الأهداف؛ بل ينبغي رصد الاعتمادات الضرورية للكتب والوسائل التعليمية والتكوين والتوظيف والتتبع والتقييم، مع توضيح أوجه صرفها ونتائجها.
سادساً، إشراك الفاعلين المعنيين. يتطلب تطوير تدريس الأمازيغية تعاون الوزارة والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والجامعات والأطر التربوية والجمعيات الثقافية والباحثين، في إطار مؤسساتي يضمن التنسيق وتبادل الخبرات.
حزب التقدم والاشتراكية: بين المرجعية التقدمية والمسؤولية الحكومية.
إن دخول حزب التقدم والاشتراكية إلى الحكومة يطرح، بدوره، سؤال الانسجام بين مرجعيته المعلنة والممارسة الحكومية. فالحزب الذي يستند إلى خطاب تقدمي واجتماعي مطالب، من حيث المبدأ، بأن يجعل قضايا الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص جزءاً من أولوياته، بما فيها المساواة في الاستفادة من التعليم والاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي للمغاربة.
ولا يعني ذلك أن مسؤولية تدبير هذا الملف تقع على حزب واحد، أو أن النهوض بالأمازيغية يمكن اختزاله في شخص الوزير. فالأمر يتعلق بسياسة عمومية تتطلب التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، واستمرارية العمل بصرف النظر عن تغير المسؤولين والحكومات.
لكن إسناد وزارة التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله يضعه أمام مسؤولية سياسية واضحة: تقديم تصور عملي لتطوير المدرسة المغربية، يتضمن موقعاً محدداً للغة الأمازيغية في البرامج والتكوين والموارد البشرية والميزانية. أما دراسته السابقة بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، فلا ينبغي أن تتحول إلى معيار للحكم المسبق على أدائه، وإنما يمكن أن تكون مناسبة لطرح أسئلة مشروعة حول رؤيته للتعدد اللغوي والثقافي، على أن تجيب عنها القرارات والبرامج والنتائج الفعلية.
من الوعود إلى مؤشرات الإنجاز.
إن المطلوب اليوم ليس إطلاق وعود عامة جديدة، بل البناء على ما تحقق من عمل علمي وتربوي ومؤسساتي، وتصحيح أوجه القصور التي تعيق تعميم تدريس الأمازيغية. ويقتضي ذلك تحديد أهداف قابلة للقياس، ونشر معطيات محينة، وتوضيح المسؤوليات، وإخضاع النتائج للتقييم المنتظم.
كما أن تثمين عمل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لا يعني إعفاء الوزارة من مسؤوليتها، مثلما أن مسؤولية الوزارة لا تقلل من أهمية الخبرة التي راكمها المعهد. إن نجاح الورش يتوقف على التكامل بين المعرفة المتخصصة والقرار السياسي والقدرة على التنفيذ.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح التجربة الجديدة بعدد التصريحات أو الرموز أو الشعارات، بل بما سيجده التلميذ المغربي داخل القسم: مدرساً مؤهلاً، وكتاباً مدرسياً ملائماً، وفرصة فعلية لتعلم اللغة الأمازيغية ومواصلة دراستها، واعترافاً بثقافة تشكل أحد الروافد الأساسية للهوية المغربية.
ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر وزارة التربية الوطنية، وهو أيضاً أحد المعايير التي يمكن من خلالها قياس مدى ترجمة المرجعية التقدمية المعلنة إلى سياسات عمومية ملموسة، تضمن المساواة في الحقوق اللغوية والثقافية لجميع المواطنات والمواطنين.
