نبيل بنعبد الله على رأس وزارة التربية الوطنية: منصب وزاري أم هدية مسمومة؟

نبيل بنعبد الله على رأس وزارة التربية الوطنية: منصب وزاري أم هدية مسمومة؟
شارك

بقلم محمد خوخشاني

بعد سبع سنوات طويلة قضاها في صفوف المعارضة، خمس منها في مواجهة حكومة عزيز أخنوش، تُرى هل اعتبر الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية أن الوقت قد حان للعودة إلى كراسي السلطة، ولو اقتضى الأمر أن يتولى شخصياً قيادة قطاع استراتيجي بالغ الحساسية والصعوبة؟

من المعارضة إلى المسؤولية الحكومية: عودة رجل خبر دهاليز السلطة

لماذا أصر نبيل بنعبد الله، إذن، على العودة شخصياً إلى الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري؟

إنه سؤال مشروع، لا سيما عندما نستحضر المسار السياسي للرجل الذي يتولى قيادة حزب التقدم والاشتراكية منذ سنة 2010، والذي يستعد، بعد أربع ولايات متتالية على رأس الحزب، لدخول مرحلة جديدة من مساره السياسي.

فبعد أكثر من عشرين سنة من المشاركة الحكومية المتراكمة لحزبه، كان من الممكن أن تشكل سنوات الابتعاد عن السلطة فرصة لحزب التقدم والاشتراكية من أجل التفكير بجدية في تجديد هياكله، وإعداد جيل جديد من القيادات، ونقل المسؤوليات إلى كفاءات شابة، وصياغة مشروع سياسي قادر على إعادة الروح إلى العمل الحزبي والنضال الميداني.

لكن هيهات! فليس جميع المسؤولين السياسيين يتقاسمون بالضرورة التصور نفسه بشأن التقاعد السياسي، أو تجديد النخب، أو تسليم المشعل إلى الأجيال الصاعدة.

فبالنسبة إلى البعض، يشكل مغادرة الحكومة فرصة للتفرغ لإعادة بناء الحزب، وتكوين أطر جديدة، وإعداد خلف قادر على تحمل المسؤولية. أما بالنسبة إلى آخرين، فيبدو أن العودة إلى المسؤوليات الحكومية تظل إغراء يصعب التخلي عنه.

ومن هذا المنظور، فإن تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ربما مثّل بالنسبة إلى نبيل بنعبد الله فرصة سياسية بالغة الأهمية.

فرصة لاستعادة المسؤوليات التنفيذية، واسترجاع الحضور على المستوى الوطني، والحفاظ على النفوذ السياسي، في وقت لا مفر فيه من طرح مسألة خلافته على رأس حزب التقدم والاشتراكية.

أم أن الأمر يتعلق، بالنسبة إلى رجل قضى ستة عشر عاماً في قيادة الحزب نفسه، بأكثر من مجرد التفكير في مستقبل تنظيمه السياسي، ليشمل أيضاً البحث عن أفضل صيغة ممكنة لترتيب خروجه من الأمانة العامة؟

بطبيعة الحال، لا يمكن التعامل مع الدوافع الشخصية لأي مسؤول سياسي باعتبارها حقائق ثابتة من دون أدلة. غير أن الاختيارات التي يتخذها، والمسؤوليات التي يطالب بها، والنتائج المترتبة عن قراراته، تظل جميعها موضوعاً مشروعاً للتحليل والنقد السياسيين.

وهنا تحديداً يبدأ التساؤل.

فإذا كان نبيل بنعبد الله قد اختار العودة شخصياً إلى الحكومة، فلا بد أنه كان يدرك أن الحقائب الوزارية ليست متشابهة، وأن بعضها يتيح لصاحبه فرصة الإكثار من التدشينات والإعلانات والظهور الإعلامي، بينما يضع بعضها الآخر أمام مشكلات بنيوية عميقة لا تستطيع أكثر الخطابات بلاغة أن تجد لها حلولاً سحرية.

ووزارة التربية الوطنية تنتمي، دون شك، إلى الفئة الثانية.

«وداعاً يا عجلتي وبقرتي وخنزيري وحضانتي» … السياسة ليست دائماً حكاية تنتهي نهاية سعيدة

ترك لنا الشاعر الفرنسي جان دو لافونتين، من خلال خرافته الشهيرة «بائعة الحليب وقدر الحليب»، حكمة لا تزال صالحة لكل زمان: قد تنهار أكثر المشاريع إغراءً عندما تصطدم الطموحات بواقع الحياة.

وإذا أسقطنا هذه الحكمة على الوضع السياسي لنبيل بنعبد الله، اكتسبت دلالة خاصة.

فالعودة إلى الحكومة بعد سنوات من المعارضة قد تبدو بمثابة تتويج للمسار السياسي. لكن الحصول على حقيبة وزارية لا يعني بالضرورة الفوز بالمعركة.

فالأمر يتوقف أولاً على طبيعة المسؤولية التي توضع بين يديك.

وفي الحالة التي نحن بصددها، لا يتعلق الأمر بقطاع ثانوي يمكن إخفاء مشكلاته خلف بعض الإعلانات المثيرة. إننا أمام وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة والتكوين المهني والتأهيل، بما يرتبط بهذه المجالات من مسؤوليات تمس مستقبل ملايين التلاميذ، وظروف عمل مئات الآلاف من العاملين في قطاع التعليم، وانتظارات الأسر، والحاجيات المستقبلية للاقتصاد الوطني.

إنها ليست مجرد حقيبة إدارية، بل مسؤولية تاريخية.

فالوزير الذي يتولى هذا القطاع يرث مشكلات تراكمت على مدى عقود، وإصلاحات تفاوتت نتائجها، وانتظارات اجتماعية مرتفعة، ومطالب بتحقيق نتائج ملموسة لا يمكن تلبيتها بمجرد إطلاق التصريحات وإعلان النوايا.

ولذلك، فإن الرسالة واضحة: في مجال التربية والتعليم، لا يكفي الطموح السياسي. بل لا بد من الكفاءة، والمنهجية، والصبر، والمعرفة الدقيقة بواقع المؤسسات التعليمية، والأهم من ذلك كله، امتلاك رؤية تتجاوز بكثير الاستحقاقات الانتخابية.

حظاً موفقاً، إذن، لمن اعتقد ربما أنه عثر في هذه الحقيبة على منصة جديدة لتعزيز حضوره السياسي!

منظومة تعليمية تواجه اختلالات بنيوية عميقة

لفهم السبب الذي يجعل المهمة بعيدة عن أن تكون نزهة وزارية، يكفي النظر إلى الصعوبات التي لا تزال تواجه منظومة التربية والتكوين في المغرب.

فالتقييمات الدولية، ولا سيما البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ المعروف اختصاراً بـ«بيزا»، تكشف عن استمرار أوجه القصور في اكتساب التعلمات الأساسية.

وقد أظهرت نتائج دورة 2022 أن نسبة محدودة من التلاميذ المغاربة البالغين خمسة عشر عاماً استطاعت بلوغ الحد الأدنى من الكفاءة في الرياضيات والقراءة والعلوم.

وتظل هذه النتائج مؤشراً على حجم التحدي الذي يواجه كل وزير يتولى مسؤولية إصلاح المدرسة المغربية.

غير أن هذه الأرقام لا تحكي القصة كاملة؛ إذ ينبغي أيضاً مراعاة تطور الولوج إلى التعليم، واتساع قاعدة المستفيدين منه، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية التي تؤثر في فرص التعلم.

لكن حقيقة أساسية تظل قائمة:

إن تمكين مزيد من الأطفال من الالتحاق بالمدرسة أمر ضروري، غير أن ضمان اكتسابهم فعلياً للمعارف والمهارات اللازمة لا يقل أهمية عن ذلك.

وهنا يكمن أحد أول التحديات المطروحة أمام أي وزير للتربية الوطنية.

كيف يمكن تحسين التعلمات الأساسية؟ وكيف يمكن تقليص الفجوة بين أبناء الأسر الميسورة وأبناء الأسر محدودة الدخل؟ وكيف يمكن ضمان ألا تصبح منطقة الميلاد، أو المستوى الاقتصادي للأسرة، أو البعد الجغرافي عن المؤسسات التعليمية، عوامل تحدد مسبقاً فرص النجاح المدرسي؟

إن هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد تعديل البرامج الدراسية أو الإعلان عن إصلاح جديد.

بل تتطلب سياسة منسجمة لتكوين المدرسين، ومواكبة الممارسات التربوية، وتقييم المكتسبات، وتحسين ظروف التعلم، والحد من الفوارق بين الجهات والأقاليم.

وعلى الوزير، بالتالي، أن يتعامل مع أسباب التعثر الدراسي ونتائجه في آن واحد، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة مظاهره السطحية.

حظاً سعيداً، مرة أخرى، لمن ظن أنه عثر في هذه الوزارة على مجرد سلم جديد للارتقاء السياسي!

معضلة الموارد البشرية: لا مدرسة ناجحة من دون مدرسين مؤهلين

إذا كان هناك مجال تتصادم فيه النوايا الحسنة بسرعة مع حائط الواقع، فهو مجال الموارد البشرية.

فلا يمكن لأي سياسة تعليمية أن تحقق نجاحاً مستداماً من دون مدرسين بأعداد كافية، وتكوين جيد، ومواكبة مستمرة، واعتراف حقيقي بأهمية دورهم.

وتشكل صعوبات التوظيف، والحاجيات الخاصة بالمؤسسات القروية، والتفاوتات بين المناطق، وظروف ممارسة مهنة التدريس، والتوترات المرتبطة بالأنظمة الأساسية، ملفات متعددة يتعين على الوزير إيجاد أجوبة عملية عنها.

فلا يكفي الإعلان عن أن المدرس يوجد في قلب الإصلاح. بل ينبغي توفير الشروط التي تمكنه من أداء رسالته على الوجه المطلوب.

ويتطلب ذلك إعادة النظر في التكوين الأساسي والمستمر، وتعزيز التأطير التربوي، وتثمين الخبرات المكتسبة في الميدان، وإرساء حوار اجتماعي منتظم وبناء.

غير أن الحوار مع النقابات التعليمية قد يتحول إلى مهمة بالغة الحساسية، لأنه يقتضي التوفيق بين مطالب مهنية مشروعة، وإمكانات مالية محدودة، والتزامات سابقة، وضرورة ضمان استمرارية المرفق العمومي.

فالوزير الذي يفضل منطق المواجهة على حساب التشاور قد يجد نفسه أمام تعثر الإصلاحات التي يسعى إلى تنفيذها. وفي المقابل، فإن الوزير الذي يكثر من تقديم التنازلات دون إدراجها ضمن استراتيجية مالية وتنظيمية مستدامة قد يواجه اختلالات إضافية.

وهكذا، فإن المهمة تتطلب توازناً دقيقاً: الإصغاء دون تقديم وعود مستحيلة، والتفاوض دون التخلي عن الأهداف التربوية، واتخاذ القرارات دون الاستخفاف بالمهنيين المعنيين.

لا يمكن إصلاح المدرسة ضد المدرسين، ولا يمكن إصلاحها من دونهم؛ بل ينبغي إصلاحها معهم، من خلال تمكينهم من الوسائل الضرورية للنجاح.

وهذا المطلب وحده كفيل بأن يشغل جزءاً مهماً من جدول أعمال الوزارة.

شبح الإصلاحات المتعاقبة: لماذا تعثر وزراء سابقون في المهمة؟

عرفت المنظومة التعليمية المغربية، على مدى عقود، تعاقب رؤى استراتيجية وبرامج استعجالية ومخططات إصلاح وخرائط طريق.

وقد حققت بعض المبادرات تقدماً ملموساً، في حين لم تبلغ مبادرات أخرى جميع الأهداف المسطرة لها. كما اصطدمت مشاريع متعددة بصعوبات التنفيذ، وضعف التنسيق بين المتدخلين، وعدم القدرة على ضمان الاستمرارية المطلوبة.

ويشكل القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، وخارطة الطريق 2022-2026، محطات مرجعية أساسية في هذا المسار.

ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن فقط في غياب النصوص أو الاستراتيجيات، بل أيضاً في القدرة على ضمان استمراريتها، وتمويلها، وانخراط الفاعلين فيها، وتقييم نتائجها بصورة موضوعية.

فمع كل تغيير على رأس الوزارة، يبرز إغراء ترك البصمة الخاصة، أو الإعلان عن منهجية جديدة، أو تغيير الأولويات، أو تقديم جدول زمني يسمح للوزير الجديد بتمييز فترة توليه المسؤولية عن فترات أسلافه.

لكن المدرسة ليست مقاولة يمكن إعادة تنظيمها بالكامل كلما تغير المسؤول عن إدارتها.

فالأطفال الذين يلتحقون اليوم بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي لن ينهوا مسارهم المدرسي إلا بعد نحو اثنتي عشرة سنة، وقد يحتاجون إلى سنوات إضافية إذا تابعوا دراستهم الجامعية.

وهذا يعني أن القرارات التربوية المتخذة اليوم ستظهر نتائجها بعد مرور أكثر من ولاية حكومية واحدة.

لذلك، فإن السياسة التعليمية تتطلب استمرارية مؤسساتية لا ينبغي للتغييرات الحكومية أن تعرقلها.

فهل ينبغي للوزير الجديد الحفاظ على التدابير الناجحة التي اعتمدها أسلافه، وتصحيح ما أخفق منها، أم إطلاق توجهات جديدة؟

الجواب المنطقي هو القيام بالأمور الثلاثة، شريطة إخضاع السياسات لتقييم جدي، وتحديد الأولويات بدقة، وعدم الخلط بين تغيير المنهجية والتغيير المستمر للوجهة.

كما سيكون عليه مقاومة ضغط معروف في الحياة السياسية، يتمثل في الرغبة في إعلان نتائج فورية في قطاع تتطلب إصلاحاته العميقة سنوات طويلة.

وهنا تحديداً يتجلى الفرق بين مسؤول منشغل بصورته الإعلامية ووزير مصمم على بناء سياسة عمومية مستدامة.

مدرسة بسرعتين: اختبار حقيقي لمبدأ تكافؤ الفرص

يتعلق الملف الشائك الآخر بالتفاوتات بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي، وبين المؤسسات الحضرية والقروية، وبين المناطق التي تتوفر على التجهيزات اللازمة وتلك التي تعاني نقصاً في البنيات التحتية، وبين الأسر القادرة على تمويل حاجيات أبنائها والأسر التي تكافح من أجل توفير أبسط متطلبات تمدرسهم.

إن الولوج إلى تعليم جيد يشكل أحد الرهانات الأساسية للعدالة الاجتماعية.

فعندما تختار الأسر القادرة مادياً التعليم الخصوصي بسبب ضعف ثقتها في جودة التعليم العمومي، بينما تظل الأسر محدودة الدخل أكثر ارتباطاً بأداء المدرسة العمومية، يصبح خطر إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية قائماً منذ السنوات الأولى من حياة الأطفال.

وتبرز التحليلات الاقتصادية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن المغرب أهمية الظروف الاجتماعية والاقتصادية في المسارات الدراسية ونتائج التعلم.

ومن هنا، سيجد الوزير نفسه أمام سؤال سياسي واجتماعي حساس: كيف يمكن استعادة الثقة في المدرسة العمومية دون الدخول في مواجهة مصطنعة مع التعليم الخصوصي؟

إن الجواب يمر عبر تحسين البنيات التحتية، وتوفير التجهيزات التعليمية، والحد من الاكتظاظ حيثما كان ذلك ضرورياً، وتعزيز التأطير التربوي، وتحسين توزيع الموارد بين المؤسسات.

كما يتطلب إيلاء عناية خاصة للمدارس الواقعة في المناطق القروية والجبلية والنائية، حيث يمكن لصعوبات النقل، والبعد عن الخدمات الأساسية، ونقص الأطر التربوية أن تهدد استمرارية تمدرس الأطفال.

فتكافؤ الفرص لا يعني تطبيق التدابير نفسها بصورة آلية في جميع المناطق، بل يقتضي أحياناً تخصيص موارد أكبر للمناطق التي تواجه صعوبات أشد.

وسيكون على الوزير، بالتالي، اتخاذ قرارات بشأن الأولويات والاستثمارات، وتتبع النتائج، وتقديم الحساب.

وهي قرارات قد لا تثير التصفيق الفوري، لكنها ستحدد جانباً مهماً من مصداقية الوزارة.

الهدر المدرسي: كيف نمنع المدرسة من إنتاج الإقصاء بنفسها؟

كيف يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون مواجهة الهدر المدرسي بجدية؟

وراء كل طفل يغادر المدرسة قبل استكمال مساره الدراسي قصة إنسانية قد تتداخل فيها الصعوبات الاقتصادية، والبعد الجغرافي عن المؤسسة التعليمية، والتعثر في التعلمات، وضعف المواكبة، وغياب آفاق تشجع على الاستمرار.

ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بسياسة موحدة تنتظر حتى يصل التلميذ إلى مرحلة متقدمة من التعثر قبل التدخل.

بل ينبغي رصد المؤشرات المبكرة، ومواكبة الأسر، وتعزيز برامج الدعم، واقتراح مسارات تتلاءم مع احتياجات التلاميذ وقدراتهم.

كما ينبغي تحسين التنسيق بين التعليم العام والتوجيه المدرسي والتكوين المهني.

ففي كثير من الأحيان، يُنظر إلى التكوين المهني باعتباره مساراً ثانوياً يلجأ إليه من لم ينجحوا في التعليم العام. وهذه صورة نمطية ينبغي العمل على تجاوزها.

فالمهن التقنية والصناعية والحرفية والرقمية، والمهن المرتبطة بالتحولات الاقتصادية الجديدة، تستحق تكويناً جيداً، وتجهيزات ملائمة، واعترافاً اجتماعياً يتناسب مع أهميتها.

وينبغي أن يساعد التوجيه المدرسي الشباب على اكتشاف مؤهلاتهم وإمكاناتهم، لا أن يحاصرهم مبكراً في مسارات مفروضة عليهم.

وهنا تحديداً تبرز أهمية اتساع نطاق المسؤوليات المرتبطة بالحقيبة الوزارية المسندة إلى نبيل بنعبد الله، بما يمثله ذلك من فرصة ومن صعوبة في الوقت نفسه.

فالتنسيق بين التعليم المدرسي والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل يقتضي تجاوز الحواجز الإدارية، وبناء جسور حقيقية بين مختلف المسارات التعليمية والتكوينية.

وسيكون على الوزير أن يثبت قدرته على تحويل هذا التنوع المؤسساتي إلى منظومة منسجمة، بدلاً من الاكتفاء بتدبير مجموعة من الإدارات والبرامج المنفصلة.

التكوين المهني والتأهيل: إعداد الشباب لمهن المستقبل

لا ينبغي أن يقتصر دور التكوين المهني على تخريج حاصلين على شهادات لا تتطابق مؤهلاتهم بالضرورة مع الحاجيات الفعلية لسوق الشغل.

بل يتعين عليه استشراف التحولات الاقتصادية، والتطورات الرقمية، ومتطلبات الانتقال الطاقي، والتغيرات التي تعرفها المهن.

وهذا يستدعي تعزيز الروابط بين مؤسسات التكوين والمقاولات والهيئات المهنية والفاعلين المحليين والجهويين.

لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي: إن تكييف التكوين مع حاجيات الاقتصاد لا يعني اختزال المدرسة في مصنع لإنتاج اليد العاملة.

فالتعليم مطالب أيضاً بتكوين مواطنين قادرين على التفكير، وفهم العالم، وممارسة التفكير النقدي، والمشاركة في الحياة الديمقراطية.

ويكمن التحدي في التوفيق بين هذين الهدفين: تمكين الشباب من المعارف والمهارات التي تساعدهم على الاندماج المهني، مع تطوير استقلاليتهم الفكرية وشعورهم بالمسؤولية.

ويضاف إلى ذلك ضرورة تقليص الفجوة بين الشهادات المحصل عليها وفرص الشغل المتاحة، دون تحميل المنظومة التعليمية وحدها مسؤولية بطالة الشباب.

فخلق فرص العمل يرتبط كذلك بالنمو الاقتصادي، والاستثمار، وجودة مناخ الأعمال، والسياسات العمومية المعتمدة في قطاعات أخرى.

لذلك، لن يكون في وسع الوزير العمل بفعالية بمعزل عن بقية القطاعات الحكومية، بل سيكون مطالباً بالتنسيق مع الجهات المكلفة بالتشغيل والاقتصاد والصناعة والتعليم العالي.

إنها مسؤولية أخرى تتطلب أكثر من مجرد امتلاك ناصية الخطابة.

التعليم الأولي: لا يمكن بناء السقف قبل وضع الأساسات

يشكل التعليم الأولي بدوره أحد المكونات الأساسية للحقيبة الوزارية.

فالسنوات الأولى من حياة الطفل تؤدي دوراً مهماً في تنمية اللغة والقدرات المعرفية والمهارات الاجتماعية.

ومن شأن تعميم الولوج إلى تعليم أولي جيد أن يسهم في تقليص الفوارق التي تظهر منذ دخول المدرسة الابتدائية.

لكن فتح الأقسام وحده لا يكفي. فلا بد من مربين مؤهلين، وفضاءات ملائمة، ومناهج تربوية مناسبة، وآليات للتقييم تسمح بالتحقق من جودة الاستقبال والتعلم.

وهكذا، ينبغي أن يقترن التعميم الكمي للتعليم الأولي باهتمام مماثل بالجودة.

فإذا كانت الأساسات ضعيفة، فإن الصعوبات قد تستمر طوال المسار الدراسي.

وسيكون على الوزير ضمان الانسجام بين التعليم الأولي والابتدائي، وتحسين تكوين الأطر، والحد من التفاوتات في الولوج إلى هذه المرحلة بين مختلف الفئات الاجتماعية والمناطق.

إنه استثمار طويل الأمد لن تظهر نتائجه الكاملة خلال ولاية تشريعية واحدة.

لكن ذلك يقتضي من المسؤول السياسي أن يفضل النتائج المستدامة على النجاحات الإعلامية السريعة.

إصلاح لخمس سنوات أم استراتيجية لجيل كامل؟

لعل هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي أن يجيب عنه نبيل بنعبد الله.

هل تحتاج المنظومة التعليمية المغربية إلى إصلاح جديد يضاف إلى الإصلاحات السابقة، أم إلى استراتيجية وطنية مستقرة تمتد على مدى زمني كافٍ لإحداث تحولات عميقة؟

في تقديري، يتجاوز الرهان خمس سنوات من الولاية الحكومية، لأنه يتعلق بمستقبل جيل كامل.

وينبغي لأي استراتيجية تعليمية طموحة أن تشرك المدرسين والنقابات والباحثين وأولياء التلاميذ والمسؤولين الترابيين والفاعلين الاقتصاديين ومكونات المجتمع المدني.

كما ينبغي أن تستند إلى أهداف قابلة للقياس، وموارد مالية محددة، وجدول زمني واقعي، وآليات مستقلة لتقييم النتائج.

ومن الضروري أيضاً تنظيم حصائل دورية علنية تتيح للمواطنين معرفة ما تحقق، وما بقي إنجازه، والأسباب التي حالت دون تحقيق بعض الأهداف.

والأهم من ذلك كله، ينبغي تجنب تحويل كل تغيير وزاري إلى مناسبة يعتبر فيها الوزير الجديد إرث سلفه عقبة يجب التخلص منها حتى يفرض بصمته الخاصة.

فالتربية الوطنية ليست ملكاً لحزب أو وزير أو أغلبية حكومية، بل هي ملك للأمة بأسرها.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تستمر التوجهات الكبرى للسياسة التعليمية رغم تغير الحكومات، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة لتصحيح الاختلالات والاستفادة من التجارب السابقة.

وإذا كان نبيل بنعبد الله يريد أن يترك أثراً مستداماً، فعليه أن يستوعب حقيقة لا تنسجم دائماً مع منطق التواصل السياسي: إن نجاح الإصلاح التعليمي لا يقاس بعدد الندوات الصحفية المنظمة، بل بما يتعلمه التلاميذ فعلياً، وبالفرص المتاحة للأطفال المحرومين، وبقدرة المدرسة على إعداد الشباب لمستقبلهم.

نبيل بنعبد الله: خطيب بارع أم بَنّاء للمدرسة المغربية؟

إن الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية مسؤول سياسي متمرس، يعرف آليات اشتغال الحكومة، وموازين القوى البرلمانية، وإكراهات التفاوض السياسي.

ويمكن لهذه التجربة أن تشكل نقطة قوة.

لكن الخبرة السياسية، مهما طالت، لا تضمن تلقائياً الإلمام بجميع الإشكالات البيداغوجية، أو بتدبير الموارد البشرية في قطاع التعليم، أو بقيادة تحول تربوي واسع النطاق.

لذلك، لا يتمثل السؤال في معرفة ما إذا كان نبيل بنعبد الله يمتلك تجربة سياسية تؤهله لتولي منصب وزاري، بل في تحديد الكيفية التي سيعتمدها لاكتساب الكفاءات الضرورية، وتعبئتها، وتنظيم عملها بما يضمن نجاح مهمته.

هل سيحيط نفسه بكفاءات متخصصة ومعترف بها؟ هل سيحسن الإصغاء إلى المدرسين والباحثين؟ هل سيتوفر على الشجاعة الكافية لإخضاع اختياراته لتقييم موضوعي؟ وهل سيقبل التخلي عن بعض الإعلانات المغرية إذا أثبتت الوقائع أنها لا تحقق النتائج المطلوبة؟

والأهم من ذلك كله، هل سيمتلك ما يكفي من الثبات لمواصلة الإصلاحات التي قد لا تظهر نتائجها إلا بعد مغادرته الحكومة؟

إن هذه الأسئلة، لا مجرد تصريحاته، هي التي ينبغي أن يُقيَّم على أساسها أداؤه.

فالمخاطرة الحقيقية تكمن في الخلط بين إتقان الخطاب السياسي والقدرة على إحداث تحول مستدام في مؤسسة معقدة مثل المدرسة.

في قطاع التعليم، تستطيع الخطابات تعبئة الناس، والإعلانات طمأنتهم، والوعود بث الأمل في نفوسهم. لكن النتائج وحدها هي التي تحسم في نهاية المطاف.

وهذه النتائج تقاس داخل الفصول الدراسية والمؤسسات التعليمية، وبمستوى مكتسبات التلاميذ، وبالفرص الحقيقية المتاحة أمام الشباب.

عش الدبابير أم الكمين السياسي أم الهدية المسمومة؟

ها نحن إذن أمام جوهر المسألة.

قد تتحول حقيبة التربية الوطنية، بالنسبة إلى نبيل بنعبد الله، إلى مسؤولية أقل راحة مما كان يتصور.

ليس لأن تدبيرها مستحيل، بل لأن المشكلات التي تختزنها قديمة ومتشابكة وحساسة سياسياً واجتماعياً.

سيكون على الوزير التعامل مع انتظارات اجتماعية مرتفعة، وموارد محدودة بالضرورة، وإكراهات إدارية، ومطالب مهنية، وفوارق مجالية، ونفاد صبر الأسر التي تنتظر تحسناً ملموساً في جودة تعليم أبنائها.

كما سيكون مطالباً بتحقيق نتائج في قطاع تتطلب تحولاته العميقة وقتاً طويلاً، بينما تفرض الحياة السياسية آجالاً أقصر بكثير.

وسيُحاسب على النتائج الدراسية، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين ظروف التدريس، وجودة التعليم الأولي، وفعالية التكوين المهني، وقدرة المدرسة العمومية على تقليص الفوارق الاجتماعية.

وبعبارة أخرى، لن يكون بإمكانه الاكتفاء بما يجيده كثير من المسؤولين السياسيين: الإعلان والتعليق والوعد والتواصل الإعلامي.

بل سيكون مطالباً بالعمل، والقياس، والتصحيح، وتقديم الحساب.

وربما سيكتشف عندئذ أن الصعوبة الحقيقية في وزارة بهذا الحجم الاستراتيجي لا تكمن في الحصول على الحقيبة، بل في تحمل المسؤوليات المترتبة عنها.

خاتمة: السلطة طموح سياسي، والمدرسة مسؤولية تاريخية

إذا كان نبيل بنعبد الله قد أراد شخصياً العودة إلى المسؤوليات الحكومية، فإن عليه اليوم أن يثبت أن اختياره يتجاوز مجرد حسابات التموضع السياسي.

فالفرصة متاحة أمامه لإثبات أن المسؤول السياسي المتمرس يستطيع توظيف خبرته لخدمة إصلاح يتجاوز مصالح حزبه وحدود مساره الشخصي.

لكن ينبغي ألا نخطئ في تحديد طبيعة المعركة.

فالرهان الحقيقي لا يتعلق ببقاء الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية في المشهد السياسي، ولا بعدد الحقائب التي حصل عليها حزبه، ولا بالموقع الذي سيحتله في التوازنات الداخلية المستقبلية لتنظيمه.

إن الرهان الحقيقي هو مستقبل ملايين الأطفال والشباب المغاربة.

إنه حق كل تلميذ، بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي أو مكان إقامته، في الاستفادة من تعليم ذي جودة.

وهو كرامة المدرسين وسائر العاملين في قطاع التربية والتكوين.

وهو قدرة المدرسة العمومية على أن تظل وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بدلاً من أن تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج التفاوتات.

وهو، أخيراً، إمكانية بناء استراتيجية تعليمية لا يعاد النظر فيها جذرياً كلما تغير الوزير.

لذلك، اسمح لي، السي نبيل بنعبد الله، أن أوجه إليك نصيحة ودية، لكنها تنطوي على قدر كبير من الصرامة السياسية: لا تدع أضواء السلطة ومظاهرها تغريك. فهذه الحقيبة ليست كأساً للتباهي، بل مسؤولية ينبغي تحملها.

لقد أمضيت سنوات طويلة في دهاليز السياسة، وها أنت اليوم أمام مجال مختلف، لا يمكن التفاوض على نتائجه بالسهولة نفسها التي تُعقد بها التسويات الحزبية.

إذا نجحت، فسيكون المستفيد الأول هم التلاميذ والأسر والمدرسون، ثم المجتمع المغربي بأسره.

أما إذا أخفقت، فإن العواقب لن تقتصر عليك شخصياً أو على حزبك.

أما إن كانت هذه الوزارة هدية مسمومة، أو عش دبابير، أو كميناً سياسياً حقيقياً، فالأيام وحدها كفيلة بكشف ذلك.

لكن أمراً واحداً يظل مؤكداً:

إن المدرسة المغربية لا تحتاج إلى وزير إضافي يعدها بمستقبل أفضل، بل تحتاج إلى مسؤول قادر على تحويل الوعود إلى نتائج، والإصلاحات إلى تقدم ملموس قابل للقياس، والطموح السياسي إلى إرث مستدام.

وفي هذه المهمة، السي نبيل، قد لا تكون موضع حسد بقدر ما ستكون موضع اختبار حقيقي.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *