خلفيات بلاغَي الديوان الملكي ضد نبيل بنعبد الله والعدالة والتنمية: هل انتهت مرحلة التوتر؟

خلفيات بلاغَي الديوان الملكي ضد نبيل بنعبد الله والعدالة والتنمية: هل انتهت مرحلة التوتر؟
شارك

قراءة سياسية في تحولات العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية، على ضوء نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، وعودة نبيل بنعبد الله إلى الحكومة، والتباين الانتخابي بين التقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية.

بقلم، محمد خوخشاني.

عرف المشهد السياسي المغربي، منذ إقرار دستور 2011، تحولات مهمة في طبيعة العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية، ولا سيما الأحزاب التي شاركت في الحكومات المتعاقبة، أو اختارت ممارسة المعارضة من خارج الأغلبية الحكومية.

وفي هذا السياق، يكتسي صدور بلاغين عن الديوان الملكي، أولهما في شتنبر 2016 على خلفية تصريحات نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وثانيهما في مارس 2023 بشأن موقف الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية من استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، أهمية سياسية ودستورية خاصة.

غير أن التطورات التي أعقبت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 تطرح تساؤلات جديدة حول مآلات تلك التوترات، خصوصاً بعد تعيين نبيل بنعبد الله وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، من جهة، والعودة الانتخابية الملحوظة لحزب العدالة والتنمية من جهة أخرى.

فهل انتهت فعلاً مرحلة التوتر بين المؤسسة الملكية وهذين الفاعلين السياسيين؟ وهل نحن أمام إعادة ترتيب للعلاقات السياسية، أم أن الأمر يتعلق ببساطة باستمرار التعددية الحزبية في إطار الاختصاصات الدستورية لكل مؤسسة؟

أولاً: بلاغ شتنبر 2016: نبيل بنعبد الله في مواجهة الديوان الملكي.

صدر بلاغ الديوان الملكي في 13 شتنبر 2016، على خلفية تصريحات أدلى بها نبيل بنعبد الله، بصفته أميناً عاماً لحزب التقدم والاشتراكية، أشار فيها إلى فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك، باعتباره من الوجوه المرتبطة بما كان يسمى آنذاك ظاهرة «التحكم» في الحياة السياسية.

وقد جاء البلاغ شديد اللهجة، معتبراً أن تلك التصريحات تتضمن اتهامات غير مقبولة للمؤسسة الملكية ومستشاريها، وتوظف موقع المؤسسة الملكية في صراعات سياسية وحزبية.

لكن هناك تفصيلاً أساسياً ينبغي عدم إغفاله: البلاغ لم يكن موجهاً ضد حزب التقدم والاشتراكية، بل حرص صراحة على التمييز بين تصريحات أمينه العام والموقف من الحزب، مشيداً بمكانته التاريخية وإسهامه في الحياة السياسية الوطنية.

وهذا يعني أن الموقف الملكي المعلن كان موجهاً إلى تصريحات شخص سياسي محدد، وليس قراراً بإقصاء الحزب أو قطع العلاقة معه.

ثانياً: بلاغ مارس 2023: حزب العدالة والتنمية في مواجهة الاختصاصات الملكية.

في 13 مارس 2023، صدر بلاغ آخر عن الديوان الملكي، هذه المرة على خلفية بيان للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية انتقد استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، وربط الموقف من هذه القضية بالتطورات السياسية في المنطقة.

وأكد البلاغ أن السياسة الخارجية للمملكة تدخل ضمن الاختصاصات الدستورية للملك، وأن القضية الفلسطينية تظل من الثوابت الأساسية للسياسة الخارجية المغربية.

كما انتقد توظيف قضية استراتيجية وسيادية في المزايدات الحزبية والسياسية الداخلية.

ومرة أخرى، لم يتضمن البلاغ قراراً بحل الحزب أو منعه من المشاركة السياسية أو إقصائه من المؤسسات المنتخبة.

وبذلك، فإن البلاغين، رغم اختلاف سياقهما والجهة المعنية بهما، يعكسان تأكيد المؤسسة الملكية على حدود الاختصاصات السياسية والحزبية، وعلى ضرورة احترام المرجعيات الدستورية في تدبير الملفات الاستراتيجية.

ثالثاً: انسحاب التقدم والاشتراكية من حكومة سعد الدين العثماني سنة 2019.

لا يمكن فهم المسار السياسي لنبيل بنعبد الله وحزبه دون استحضار قرار الانسحاب من حكومة سعد الدين العثماني في أكتوبر 2019.

فبعد تجربة حكومية امتدت منذ سنة 2012، أولاً في حكومة عبد الإله بنكيران، ثم في حكومة سعد الدين العثماني، اختار حزب التقدم والاشتراكية مغادرة الأغلبية الحكومية.

وقد استند القرار إلى مجموعة من الاعتبارات السياسية، من أبرزها:

● ضعف الانسجام والتنسيق بين مكونات الأغلبية الحكومية.

● غياب النفس السياسي والإصلاحي عن العمل الحكومي.

● محدودية تأثير الحزب في التوجهات والقرارات الحكومية.

● عدم الاستجابة الكافية للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.

● تحول المشاورات الحكومية إلى نقاش حول توزيع الحقائب والمواقع الوزارية أكثر من انصرافها إلى مراجعة السياسات العمومية.

وقد صادقت اللجنة المركزية للحزب على قرار الانسحاب، في خطوة عكست رغبة القيادة في إعادة تموقع الحزب واستعادة مساحة من استقلالية القرار السياسي.

وكان ذلك أيضاً مؤشراً على حدود التحالف الحكومي بين حزب ذي مرجعية إسلامية وحزب يساري تقدمي، رغم استمراره لعدة سنوات.

رابعاً: انتخابات 23 شتنبر 2026: مفارقة انتخابية بين الحزبين.

لعل هذا الجانب هو الأكثر إثارة للاهتمام في قراءة التطورات السياسية الأخيرة.

فالمقارنة بين نتائج الانتخابات التشريعية لسنتي 2021 و2026 تكشف عن مسارين انتخابيين متباينين تماماً بالنسبة إلى الحزبين.

ففي انتخابات 8 شتنبر 2021، حصل حزب التقدم والاشتراكية على 22 مقعداً بمجلس النواب، مقابل 13 مقعداً فقط لحزب العدالة والتنمية، الذي تعرض آنذاك لتراجع انتخابي كبير.

لكن انتخابات 23 شتنبر 2026 أفرزت نتائج مختلفة؛ إذ تراجع حزب التقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 مقعداً، أي بفقدانه ثلاثة مقاعد مقارنة بالاستحقاق السابق، في الوقت الذي حقق فيه حزب العدالة والتنمية قفزة انتخابية لافتة، بعدما انتقل من 13 إلى 54 مقعداً، بزيادة 41 مقعداً.

وهكذا، لم يعد الحزب الذي كان يتوفر على تمثيلية برلمانية أكبر سنة 2021 هو نفسه الذي حقق التقدم الأبرز في انتخابات 2026.

وتزداد أهمية هذه المفارقة عندما نستحضر الموقع الحكومي الذي اختاره كل حزب.

فحزب التقدم والاشتراكية شارك في الأغلبية الحكومية الجديدة، التي ضمت أيضاً أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بينما اختار حزب العدالة والتنمية البقاء في المعارضة، رغم ارتفاع عدد مقاعده بشكل ملموس.

وهنا تظهر مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها: حزب شارك في الحكومة، وحصل على حقيبة وزارية استراتيجية، لكنه سجل تراجعاً في تمثيليته البرلمانية؛ وحزب اختار المعارضة، وتمكن من مضاعفة حضوره الانتخابي أكثر من أربع مرات مقارنة بنتائج 2021.

معضلة الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية.

ثمة تفصيل آخر يزيد من دلالة هذه المفارقة.

فحصول حزب التقدم والاشتراكية على 19 مقعداً فقط لم يكن كافياً لتشكيل فريق نيابي مستقل وفق العتبة المطلوبة، وهي عشرون عضواً.

ولذلك، لم يكن الحزب قادراً بتمثيليته الانتخابية الأصلية على استيفاء هذا الشرط، واضطر إلى الاستعانة بثلاثة نواب فائزين باسم حزبين آخرين: نائبين عن جبهة القوى الديمقراطية، ونائبة عن حزب الديمقراطيين الجدد.

وبالتحاق هؤلاء النواب بفريق التقدم والاشتراكية، ارتفع عدد أعضائه إلى 22 نائباً، مما مكنه من استعادة تشكيل فريقه النيابي بمجلس النواب.

وهذا المعطى لا يتعلق بمجرد إجراء تنظيمي، بل يحمل دلالة سياسية بشأن حجم التمثيلية التي أفرزتها صناديق الاقتراع للحزب، ومدى حاجته إلى الاستعانة ببرلمانيين من خارج صفوفه الانتخابية الأصلية للمحافظة على موقعه كفريق نيابي.

وهكذا، فإن الحزب الذي دخل الحكومة أصبح فريقه البرلماني يضم ثلاثة نواب لم يفوزوا باسمه، في حين استطاع حزب العدالة والتنمية، الذي لم يدخل الحكومة، أن يرفع تمثيليته من 13 إلى 54 نائباً.

وتلك مفارقة تستحق التحليل بعيداً عن الأحكام المسبقة، لأنها تطرح سؤالاً حول العلاقة بين المشاركة الحكومية والعائد الانتخابي، وبين اختيار المعارضة وإمكانية استعادة الثقة الشعبية.

خامساً: عودة نبيل بنعبد الله إلى الحكومة وتولي حقيبة التربية الوطنية.

في 16 أكتوبر 2026، عادت شخصية نبيل بنعبد الله إلى الواجهة الحكومية، بعدما تم تعيينه وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، ضمن الحكومة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري.

إن هذا التعيين، بعد عشر سنوات من بلاغ الديوان الملكي الذي انتقد تصريحاته، يطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً حول تطور العلاقة بين الرجل والمؤسسة الملكية.

لكن ينبغي التمييز بين أمرين: الانتقاد الذي وجه إلى تصريح سياسي في مرحلة معينة، وبين أهلية الشخص للمشاركة في حكومة لاحقة وفق المساطر الدستورية والمؤسساتية.

فلا يوجد في بلاغ 2016 ما يفيد أن نبيل بنعبد الله أصبح ممنوعاً من تحمل مسؤوليات حكومية مستقبلاً.

ومن ثم، فإن عودته إلى الحكومة لا تشكل بالضرورة تراجعاً عن موقف سابق، بقدر ما تعكس إمكانية استمرار الحياة السياسية والمؤسساتية رغم الاختلافات التي قد تقع بين الفاعلين السياسيين والمؤسسة الملكية.

ومع ذلك، فإن إسناد قطاع التربية الوطنية إلى الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية يضعه أمام مسؤولية سياسية وتدبيرية كبيرة، خصوصاً أن التعليم والتكوين المهني يشكلان من أهم أوراش الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب.

سادساً: هل انتهى غضب المؤسسة الملكية من نبيل بنعبد الله والعدالة والتنمية؟

هنا نصل إلى جوهر التساؤل.

هل يمكن اعتبار تعيين نبيل بنعبد الله وزيراً، وعودة العدالة والتنمية إلى البرلمان بـ54 مقعداً، دليلاً على انتهاء مرحلة التوتر مع المؤسسة الملكية؟

من الناحية السياسية والمؤسساتية، يمكن القول إن الوقائع الجديدة لا تشير إلى وجود إقصاء دائم لأي من الحزبين.

لكن لا يمكن الجزم بأن المؤسسة الملكية كانت غاضبة من الحزبين بالمعنى الذي يفترض وجود خصومة سياسية مستمرة، أو أن التعيينات والنتائج الانتخابية الجديدة تعني حصول مصالحة سياسية غير معلنة.

فبلاغ 2016 كان موجهاً إلى تصريحات نبيل بنعبد الله، مع التمييز الصريح بينه وبين حزبه، وبلاغ 2023 تناول موقف الأمانة العامة للعدالة والتنمية من قضية مرتبطة بالسياسة الخارجية.

أما اليوم، فإن حزب التقدم والاشتراكية يشارك في الأغلبية الحكومية، بينما يمارس العدالة والتنمية المعارضة البرلمانية.

وهذا التباين لا يعني أن أحد الحزبين يحظى برضا المؤسسة الملكية والآخر لا يحظى به، بل يعكس اختلاف اختياراتهما السياسية وموقعهما في التوازنات الحزبية والمؤسساتية.

سابعاً: المشاركة الحكومية أم المعارضة؟ أيهما يعيد بناء الثقة الشعبية؟

إن المقارنة بين الحزبين تفتح نقاشاً أوسع حول جدوى المشاركة الحكومية بالنسبة إلى الأحزاب السياسية المغربية.

فالمشاركة في الحكومة تمنح الحزب فرصة المساهمة المباشرة في صياغة السياسات العمومية وتحمل مسؤولية تنفيذها، لكنها تجعله أيضاً مسؤولاً أمام الناخبين عن نتائج الحصيلة الحكومية.

أما المعارضة، فتتيح للحزب مساحة لمراقبة العمل الحكومي وانتقاد اختيارات الأغلبية وتقديم البدائل، لكنها تفرض عليه في المقابل إثبات قدرته على تقديم مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي مقنع.

وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار ارتفاع تمثيلية العدالة والتنمية دليلاً قاطعاً على أن المعارضة وحدها هي التي أنتجت هذا التحول، كما لا يمكن اعتبار تراجع التقدم والاشتراكية دليلاً قاطعاً على أن مشاركته الحكومية هي السبب المباشر وراء فقدانه ثلاثة مقاعد.

إن ذلك يتطلب دراسة المعطيات الانتخابية، والبرامج، والحصيلة الحكومية، والسلوك التصويتي، والتحولات التي عرفتها القواعد الانتخابية لكل حزب.

لكن المقارنة تظل ذات أهمية سياسية، لأنها تبرز أن الحصول على حقيبة وزارية لا يعني بالضرورة تعزيز الرصيد الانتخابي، وأن البقاء في المعارضة لا يمنع الحزب من استعادة جزء من حضوره الشعبي والبرلماني.

خاتمة: من منطق الخصومة إلى منطق المؤسسات.

إن التطورات السياسية التي أعقبت بلاغَي الديوان الملكي لسنتي 2016 و2023، وما أفرزته انتخابات 23 شتنبر 2026، تفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية.

فنبيل بنعبد الله عاد إلى الحكومة، رغم الانتقاد الملكي الذي تعرض له قبل عشر سنوات، وحزب العدالة والتنمية استعاد جزءاً مهماً من تمثيليته البرلمانية، رغم البلاغ الملكي الذي تناول موقف أمانته العامة سنة 2023.

وفي المقابل، فإن حزب التقدم والاشتراكية، الذي اختار المشاركة في الأغلبية الحكومية، وجد نفسه أمام تراجع انتخابي، واضطر إلى الاستعانة بثلاثة برلمانيين فائزين باسم حزبين آخرين لاستكمال العدد اللازم لتشكيل فريقه النيابي.

أما العدالة والتنمية، الذي اختار المعارضة، فقد انتقل من 13 مقعداً إلى 54 مقعداً.

إن هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال يتجاوز مسألة غضب المؤسسة الملكية أو رضاها عن هذا الحزب أو ذاك.

فهل أصبح مستقبل الأحزاب السياسية المغربية رهين قدرتها على التوفيق بين المشاركة في تدبير الشأن العام والمحافظة على استقلالية قرارها السياسي، أم أن استعادة الثقة الانتخابية تقتضي، في بعض الحالات، الابتعاد عن المسؤولية الحكومية والعودة إلى موقع المعارضة؟

إن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الوزراء الذين يحصل عليهم الحزب، ولا بعدد المقاعد التي يفوز بها في الانتخابات، بل بمدى قدرته على تمثيل المواطنين، واحترام التزاماته، والدفاع عن اختياراته، وممارسة أدواره الدستورية باستقلالية ومسؤولية.

ولعل الدرس الأهم من هذه التطورات هو أن العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية ينبغي أن تؤطرها قواعد دستورية واضحة، وأن يظل الاختلاف في المواقف السياسية أمراً طبيعياً داخل المؤسسات، بعيداً عن منطق الإقصاء أو الخصومة الدائمة.

فهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين القصر والأحزاب السياسية، أم مجرد فصل جديد من فصول إعادة ترتيب التوازنات داخل الحقل السياسي المغربي؟

ملحوظة : صورة الزعيمين أسفله ستنال حظها من التحليل السيميائي لاحقا.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *