مشروع قانون المالية المغربي: بين التوافق الحكومي، والالتزامات الانتخابية، وانتظارات المواطنين.

مشروع قانون المالية المغربي: بين التوافق الحكومي، والالتزامات الانتخابية، وانتظارات المواطنين.
شارك

قراءة سياسية واقتصادية في نقاط الالتقاء والاختلاف بين مكونات الأغلبية الحكومية، ومدى ترجمة برامجها الانتخابية إلى إجراءات مالية ملموسة تستجيب للأولويات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة.

بقلم، محمد خوخشاني.

إن التحليل المعروض على أنظاركم يتجاوز القراءة التقنية لمشروع قانون المالية 2027، ليمس جوهر العلاقة بين العمل الحكومي والالتزامات الانتخابية، وبين التوازنات الماكرو اقتصادية من جهة، والانتظارات الاجتماعية للمواطنين من جهة أخرى.

فمشروع قانون المالية ليس مجرد جدول للإيرادات والنفقات، بل هو وثيقة سياسية بامتياز؛ إذ يكشف عن الأولويات الفعلية للحكومة، وعن القطاعات التي اختارت منحها الأسبقية، وعن مدى استعدادها لتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم.

وفي الحالة المغربية، تكتسي هذه القراءة أهمية إضافية بالنظر إلى تعدد المرجعيات السياسية للأحزاب المشكلة للأغلبية، وما يفترضه ذلك من ضرورة التوفيق بين الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، دون أن يتحول التوافق الحكومي إلى مجرد تسوية بين القيادات الحزبية على حساب انتظارات المواطنين.

أولاً: ما الذي نعرفه عن مشروع قانون المالية لسنة 2027؟

حتى يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، يوجد المشروع رقم 60.26 في مرحلة المناقشة البرلمانية، ولم يصبح بعد قانوناً نهائياً. وقد صادق عليه مجلس الحكومة في 20 أكتوبر، ثم قدمه وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، أمام البرلمان في 23 أكتوبر، لتبدأ المناقشة العامة داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب يوم 28 أكتوبر. وتتيح هذه المرحلة للفرق البرلمانية اقتراح تعديلات قبل استكمال مسطرة المصادقة.

وتفيد الوثائق المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة الاقتصاد والمالية بأن المشروع مرفق بتقارير تتناول الإطار الاقتصادي والمالي، والدين العمومي، والمؤسسات والمقاولات العمومية، والموارد البشرية، والنفقات الجبائية، والاستثمار العمومي وتوزيعه الجهوي. وهي وثائق ضرورية لفهم الاختيارات المالية للحكومة، بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات السياسية.

ومن أبرز المؤشرات المالية المعلنة:

– 482.42 مليار درهم: الموارد العادية المتوقعة للميزانية العامة.

– 138.03 مليار درهم: اعتمادات الأداء المخصصة للاستثمار.

– 34,454 منصباً مالياً: المناصب المبرمجة في المشروع.

– 62 مليار درهم: الغلاف الذي تراهن الحكومة على تخصيصه لأولوياتها الاجتماعية خلال السنة الأولى من ولايتها، وفق ما نقلته الصحافة عن عرض الوزير.

وتشكل هذه الأرقام مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الأثر الاجتماعي للمشروع؛ إذ ينبغي معرفة كيفية توزيع الاعتمادات، والفئات المستفيدة منها، ومدى قدرة القطاعات الحكومية على تحويلها إلى خدمات وفرص شغل فعلية.

ثانياً: ما النقط التي يُنتظر أن تحظى بتوافق الأغلبية والمعارضة؟

من الضروري التمييز بين التوافق على الأهداف العامة، والتوافق على الوسائل المالية لتحقيقها. فقد تتفق الأغلبية والمعارضة على ضرورة تحسين التعليم والصحة، مثلاً، بينما تختلفان بشأن حجم الاعتمادات المخصصة لهما، ومصادر التمويل، والنتائج المنتظرة.

1. الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية

من المرجح أن يشكل تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية وتوسيع الحماية الاجتماعية مجالاً واسعاً للتوافق من حيث المبدأ، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحياة المواطنين.

وقد أشاد فريق الأصالة والمعاصرة بزيادة ميزانيتي التعليم والصحة، كما ثمّنت فرق من الأغلبية الإجراءات الاجتماعية الواردة في المشروع. في المقابل، أثارت المعارضة تساؤلات بشأن كفاية التدابير المعلنة ومدى قدرتها على حماية القدرة الشرائية.

لكن التوافق الحقيقي لا يقاس بمجرد قبول زيادة الميزانيات، بل بمدى انعكاسها على:

– تقليص الاكتظاظ في المدارس وتحسين جودة التعليم.

– تقليص فترات الانتظار في المستشفيات وتحسين الولوج إلى العلاج.

– توفير الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة للمرافق العمومية.

– الحد من اضطرار الأسر إلى اللجوء إلى الخدمات الخاصة بسبب ضعف العرض العمومي.

2. التشغيل وإدماج الشباب

يصعب تصور خلاف سياسي حول ضرورة خلق فرص الشغل، خاصة في ظل البطالة التي يعاني منها الشباب. ولذلك يُنتظر أن يكون التشغيل أحد الملفات التي تتقاطع حولها مواقف الفرق البرلمانية.

غير أن الاختلاف قد يبرز حول طبيعة الوظائف التي ينبغي خلقها: هل الأولوية للمناصب العمومية، أم لتحفيز المقاولات والاستثمار المنتج، أم للتكوين المهني، أم لدعم المبادرات الاقتصادية للشباب؟

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة لأن إحداث 34,454 منصباً مالياً في القطاع العام لا يعني أن المشروع سيوفر العدد نفسه من فرص الشغل الجديدة في الاقتصاد الوطني كله، كما أن المناصب المبرمجة لا تصبح وظائف فعلية إلا بعد استكمال إجراءات إحداثها وشغلها.

3. العدالة المجالية والاستثمار في الجهات

من المنتظر أن يحظى مبدأ تقليص الفوارق المجالية بتأييد واسع، لكن الخلاف قد يتعلق بتوزيع الاستثمارات بين الجهات، ومدى استفادة المناطق الأقل تجهيزاً، والقرى، والأحياء الهامشية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستُوزع الاستثمارات وفق حاجات السكان ومستوى الخصاص في البنيات الأساسية، أم ستظل مرتبطة أساساً بقدرة الجهات على جذب المستثمرين وتعبئة الموارد؟

الخلاصة: قد تتوافق الأغلبية والمعارضة على ضرورة تحسين الخدمات العمومية والتشغيل والتنمية المجالية، لكن لا يمكن اعتبار ذلك توافقاً نهائياً على المشروع قبل الاطلاع على التعديلات المقترحة ومآلها في المناقشة البرلمانية.

ثالثاً: أين يمكن أن تظهر الاختلافات بين الفرق البرلمانية؟

إذا كان التوافق ممكناً حول الأهداف الكبرى، فإن الاختلافات ستتركز غالباً حول توزيع الأعباء المالية، ومدى كفاية التدابير الاجتماعية، والخيارات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة.

1. القدرة الشرائية: هل تكفي التخفيضات الضريبية لمواجهة الغلاء؟

يتضمن المشروع تدابير لتخفيف العبء الضريبي على الأجراء، من خلال إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل وتوسيع بعض الإعفاءات. غير أن مدى استفادة مختلف شرائح الدخل من هذه الإجراءات يظل موضع نقاش.

وقد نبه محللان اقتصاديان استطلعت آراءهما صحيفة هسبريس إلى أن تخفيض الضريبة يمكن أن يوفر متنفساً للأسر، لكنه قد لا يكون كافياً لمعالجة الأسباب البنيوية لارتفاع الأسعار، ولا سيما تكاليف النقل والتوزيع والوساطة التجارية وضعف المنافسة في بعض الأسواق. كما أثيرت مخاوف بشأن احتمال استفادة أصحاب الدخول المرتفعة أكثر من بعض التدابير الضريبية.

ومن هنا يمكن أن يتركز النقاش البرلماني حول ثلاثة أسئلة:

– هل يستفيد أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة من تخفيضات ضريبية ملموسة؟

– هل توجد إجراءات كافية للحد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية؟

– هل ستواكب التخفيضات الضريبية مراقبة الأسواق وتعزيز المنافسة والحد من الممارسات التي ترفع الأسعار؟

فالمواطن الذي يواجه ارتفاع كلفة المعيشة لا يقيس نجاح السياسة المالية بحجم التخفيض الضريبي وحده، بل بما يتبقى له من دخل بعد أداء مصاريف السكن والغذاء والنقل والعلاج والتعليم.

2. المعاشات والدعم الاجتماعي المباشر

يتضمن المشروع توجهات ترمي إلى تحسين أوضاع بعض الفئات الاجتماعية، من بينها الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات، ومضاعفة معاش الأرامل، وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر.

وتحظى هذه التدابير بأهمية خاصة بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل والمتقاعدين والأرامل، لكن الخلاف يمكن أن يتعلق بشروط الاستفادة، والجدول الزمني للتنفيذ، ومدى كفاية المبالغ المخصصة لمواجهة تكاليف المعيشة.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

1. الإعلان عن رفع المساعدات أو المعاشات.

2. تحديد تاريخ دخول الإجراءات حيز التنفيذ والفئات التي ستستفيد منها.

3. قياس التحسن الفعلي الذي سيطرأ على مستوى معيشة الأسر.

فليس كل رفع اسمي للدخل زيادةً مكافئة في القدرة الشرائية، خصوصاً عندما تستمر الأسعار في الارتفاع.

3. الاستثمار العمومي مقابل النفقات الاجتماعية

تراهن الحكومة على الاستثمار العمومي باعتباره وسيلة لتحفيز النمو وخلق فرص الشغل. لكن هذا الاختيار يطرح سؤالاً حول مدى التوازن بين الاستثمار في البنيات التحتية والمشروعات الكبرى، والاستثمار المباشر في الإنسان.

فالمشروع الذي يخصص اعتمادات مهمة للاستثمار قد يساهم في التنمية على المدى المتوسط والبعيد، لكنه لن يحقق بالضرورة الأثر الاجتماعي نفسه الذي تحققه زيادة عدد الأطباء والمدرسين، وتحسين خدمات المستشفيات والمدارس، وتوفير فرص العمل اللائق.

ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة المطلقة بين الاستثمار والخدمات الاجتماعية؛ فكلاهما ضروري. وإنما يتعلق الأمر بمدى قدرة الحكومة على ضمان أن يتحول الاستثمار إلى إنتاج وثروة وفرص شغل، بدلاً من أن يظل أثره محدوداً في بعض القطاعات أو المجالات الجغرافية.

4. الإصلاح الضريبي: من يتحمل العبء الأكبر؟

يمثل النظام الضريبي أحد المجالات التي يمكن أن تتباين فيها المواقف السياسية.

فبينما تدافع الحكومة عن تخفيف العبء الضريبي على بعض الفئات وتحسين مناخ الاستثمار، يمكن للمعارضة أن تطالب بتوزيع أكثر إنصافاً للأعباء، ومحاربة التهرب الضريبي، ومراجعة الامتيازات الجبائية التي لا تحقق نتائج اقتصادية واجتماعية واضحة.

ويجب هنا التمييز بين الإعفاءات التي تشجع الاستثمار المنتج وتخلق فرص العمل، وتلك التي لا يظهر لها أثر ملموس في الاقتصاد أو التشغيل.

والسؤال الذي يستحق النقاش ليس فقط: كم ستفقد الخزينة من موارد نتيجة الإعفاءات؟ بل أيضاً: ما المقابل الاقتصادي والاجتماعي الذي ستحصل عليه الدولة والمجتمع؟

5. ما حدود التوافق بشأن مكافحة الفساد والريع؟

تتضمن أولويات البرنامج الحكومي الجديد مكافحة الفساد والريع وتضارب المصالح، وهي موضوعات حاضرة في المرجعيات السياسية للأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية.

غير أن التوافق على هذه المبادئ لا يكفي للحكم على مدى تجسيدها في مشروع قانون المالية؛ إذ يتطلب الأمر تدابير تنفيذية واضحة، وآليات للمراقبة والتقييم، وربط الامتيازات والتحفيزات بنتائج قابلة للقياس.

كما أن مشروع قانون المالية ليس وحده الأداة القانونية المناسبة لمعالجة جميع هذه الملفات، لأن بعضها يحتاج إلى قوانين مستقلة أو إصلاحات مؤسساتية وتنظيمية.

ومن ثم، ينبغي تقييم مدى التزام الحكومة بمكافحة الريع والفساد من خلال مجموع الإجراءات التشريعية والمالية التي ستتخذها، لا من خلال الخطاب السياسي المصاحب للمشروع وحده.

—

رابعاً: إلى أي حد يتوافق مشروع قانون المالية مع البرامج الانتخابية للأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية؟

يتعلق الأمر بأحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.

وللإجابة بدقة، يجب التمييز بين التوافق مع البرنامج الحكومي، والتوافق مع البرامج الانتخابية الأصلية لكل حزب، ثم الترجمة المالية الفعلية للالتزامات الواردة فيها.

فليس كل التزام ورد في برنامج حكومي قد خُصصت له اعتمادات كافية في قانون المالية، كما أن بعض الالتزامات تحتاج إلى قوانين أو قرارات قطاعية مستقلة حتى تدخل حيز التنفيذ.

1. حزب الأصالة والمعاصرة: حضور قوي للالتزامات الاجتماعية

تظهر المقارنة بين البرامج الانتخابية والبرنامج الحكومي أن عدداً من التزامات الأصالة والمعاصرة انتقل إلى الوثيقة الحكومية، ومن أبرزها:

– رفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً إلى 1,000 درهم.

– الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3,000 درهم.

– تحمل الدولة فاتورة الكهرباء في حدود 100 درهم شهرياً بالنسبة إلى الأسر المستوفية لشروط الاستفادة.

– دعم الأمازيغية من خلال صندوق خاص بقيمة ملياري درهم.

كما نُقلت إلى البرنامج الحكومي التزامات مرتبطة بالشباب والتكوين والإدماج المهني.

لكن إدراج هذه الالتزامات في البرنامج الحكومي لا يعني بالضرورة أن جميعها ستتحقق خلال سنة 2027. فبعضها يمتد على كامل الولاية الحكومية، أي بين 2026 و2031، ويحتاج إلى تمويل تدريجي ومؤشرات واضحة للتنفيذ.

التقييم: حضور واضح للمرجعية الاجتماعية للحزب، على أن يُقاس مستوى الوفاء الفعلي بمدى تخصيص الاعتمادات اللازمة والالتزام بالآجال المعلنة.

2. حزب الاستقلال: محاربة الريع وتعزيز السيادة الاقتصادية

تمكن حزب الاستقلال من إدراج عدد من التوجهات المنسجمة مع برنامجه، ولا سيما محاربة الريع والفساد وتضارب المصالح، وتعزيز السيادة الاقتصادية والصناعية.

ومن بين الالتزامات التي أبرزتها المقارنة بين البرامج الانتخابية والبرنامج الحكومي رفع حصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الصفقات العمومية إلى 30%، إلى جانب تدابير مرتبطة بالتنمية القروية وبعض القطاعات الاستراتيجية.

غير أن اختبار هذا التوجه يقتضي معرفة ما إذا كانت المقاولات الصغيرة والمتوسطة ستتمكن فعلاً من الولوج إلى الصفقات العمومية، والاستفادة من التمويل، ومواجهة آجال الأداء والصعوبات الإدارية.

كما أن محاربة الريع لا تتحقق بمجرد إدراجها ضمن الأولويات الحكومية، بل تتطلب قواعد شفافة للمنافسة، ومراقبة تضارب المصالح، وربط الامتيازات العمومية بالمصلحة العامة.

التقييم: حضور معتبر لمرجعية الاستقلال، خصوصاً في الخطاب المتعلق بمحاربة الريع والسيادة الاقتصادية؛ أما النتائج فستظل رهينة بآليات التنفيذ.

3. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: الاختبار الاقتصادي والاجتماعي

يتعلق أحد أبرز رهانات الاتحاد الاشتراكي بمدى انعكاس مرجعيته الاجتماعية على الخيارات الاقتصادية والمالية للحكومة.

فقد أشار تحليل المقارنة بين البرامج إلى أن الحزب دافع عن أهداف أكثر طموحاً في بعض المؤشرات، من بينها تحقيق نمو سنوي يبلغ 6%، وخفض عجز الميزانية إلى أقل من 3%، وتقليص الدين العمومي إلى أقل من 60% من الناتج الداخلي الإجمالي.

أما البرنامج الحكومي، فقد تبنى هدف نمو في حدود 5%، واحتفظ بهدف ضبط العجز في حدود 3%، مع اعتماد مسار للدين العمومي ينتهي إلى مستوى يقارب 62% في أفق 2031.

وهذا الاختلاف مهم؛ لأنه يكشف أن التفاوض بين الأحزاب لم يؤد إلى نقل جميع الأهداف الانتخابية حرفياً إلى البرنامج الحكومي.

ويبقى السؤال الأساسي: هل ستترجم المشاركة الحكومية للاتحاد الاشتراكي إلى تحسينات ملموسة في التشغيل، والأجور، والخدمات العمومية، والعدالة الضريبية، أم سيظل تأثير مرجعيته الاجتماعية محدوداً أمام الاعتبارات المالية والاقتصادية؟

التقييم: توافق جزئي مع البرنامج الأصلي للحزب، مع وجود تعديلات واضحة في بعض الأهداف الكمية، خصوصاً النمو والدين العمومي.

4. حزب التقدم والاشتراكية: حضور بعض المطالب، واستمرار سؤال العدالة الاجتماعية

بالنسبة إلى حزب التقدم والاشتراكية، تبرز المقارنة إدراج بعض المقترحات التي تتقاطع مع برنامجه، من بينها تحسين معاشات الأرامل وتعزيز قدرات تحلية المياه.

لكن المقارنة نفسها تشير إلى أن الحزب لم يحصل على كل المطالب التي وردت في برنامجه الانتخابي. ومن الأمثلة التي أثارت الانتباه عدم إدراج الوعد بإحداث مليون منصب شغل، وعدم اعتماد الضريبة على الثروة ضمن الالتزامات الحكومية المعلنة.

ويكتسي هذا الأمر أهمية سياسية خاصة، لأن الحزب يدخل التجربة الحكومية بمرجعية يسارية تعطي أهمية للعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة.

ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل فقط في وجود بعض التدابير التي تتوافق مع برنامجه، بل في معرفة مدى قدرته على التأثير في الاختيارات المالية الكبرى، والدفاع عن الفئات الهشة والأجراء والمتقاعدين، والمساهمة في الحد من الفوارق الاجتماعية.

التقييم: توافق جزئي وانتقائي؛ إذ جرى استيعاب بعض المقترحات، بينما لم تنتقل التزامات أخرى إلى البرنامج الحكومي.

هل يمكن إعطاء نسبة مئوية لتوافق المشروع مع البرامج الانتخابية؟

لا أرى أن إعطاء نسبة مئوية دقيقة، في الوقت الحالي، سيكون أمراً علمياً أو سياسياً سليماً.

فالقول إن المشروع يتوافق مثلاً مع 70% من برامج الأحزاب الأربعة يتطلب أولاً تحديد جميع الالتزامات الانتخابية القابلة للقياس، ثم فحص ما أُدرج منها في البرنامج الحكومي، وما خُصص له فعلياً من اعتمادات في مشروع قانون المالية، وما يتطلب قوانين أو إجراءات أخرى.

كما يجب التمييز بين وعد ورد بصيغة عامة، مثل محاربة الفساد، والتزام كمي محدد، مثل إحداث عدد معين من مناصب الشغل.

ومع ذلك، تسمح المقارنة الأولية باستخلاص نتيجة سياسية واضحة: التوافق بين الأحزاب الأربعة موجود على مستوى البرنامج الحكومي، لكنه توافق انتقائي، لا يعني التطابق الكامل بين برامجها الانتخابية الأصلية.

والأهم أن الحكم النهائي على الوفاء بالالتزامات ينبغي أن يستند إلى ما سيُنفذ فعلياً، لا إلى مجرد وجود الوعود في الوثائق الرسمية.

—

خامساً: هل استجاب مشروع قانون المالية للانتظارات المستعجلة للمواطنين؟

في تقديري، هذه هي النقطة الأكثر أهمية في تقييم المشروع؛ لأن نجاح السياسة المالية لا يُقاس فقط بمدى احترام التوازنات المالية، بل كذلك بقدرتها على تحسين الظروف المعيشية للسكان.

وتتمثل أبرز الانتظارات المستعجلة في المغرب في خمس ملفات مترابطة.

1. القدرة الشرائية ومواجهة الغلاء

يأتي هذا الملف في مقدمة الأولويات، لأن ارتفاع تكاليف المعيشة يؤثر بصورة مباشرة في الأسر محدودة الدخل والطبقة المتوسطة.

ويقدم المشروع بعض التدابير التي يمكن أن تخفف الضغط المالي على الأسر، خصوصاً من خلال مراجعة الضريبة على الدخل وتعزيز الدعم الاجتماعي.

لكن التحليل الاقتصادي المنشور في هسبريس يوم 28 أكتوبر 2026 يشير إلى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، قد تمنح الأسر متنفساً محدوداً ومرحلياً، من دون معالجة الأسباب البنيوية للغلاء، ومنها تكاليف الوساطة التجارية والتوزيع وضعف المنافسة في بعض الأسواق.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن تطرحه الفرق البرلمانية على الحكومة:

كيف يمكن أن يستفيد المواطن من زيادة دخله إذا كانت الزيادة نفسها تلتهمها أسعار المواد الغذائية والسكن والنقل والخدمات الأساسية؟

إن معالجة القدرة الشرائية تستلزم الجمع بين الدعم الموجه إلى الفئات المستحقة، والإصلاح الضريبي المنصف، وتعزيز المنافسة، وتحسين مسالك توزيع المنتجات، ومراقبة الممارسات غير المشروعة في الأسواق.

2. التشغيل: هل تكفي المناصب المالية المعلنة؟

يشكل التشغيل ثاني أكبر التحديات، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات.

ويعلن المشروع عن إحداث 34,454 منصباً مالياً، وهو إجراء مهم بالنسبة إلى الإدارات والقطاعات التي تحتاج إلى موارد بشرية إضافية. لكن هذا الرقم ينبغي ألا يُخلط بينه وبين العدد الإجمالي لفرص الشغل التي سيخلقها الاقتصاد خلال السنة.

فالاستجابة لأزمة التشغيل تتطلب سياسة متكاملة تشمل:

– تحسين جودة التكوين وربطه بالحاجات الحقيقية للاقتصاد.

– تشجيع المقاولات المنتجة القادرة على خلق وظائف مستقرة.

– دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتيسير ولوجها إلى التمويل.

– تطوير التكوين المهني والتدرج نحو المهن المطلوبة.

– تقييم برامج التشغيل على أساس الوظائف الفعلية التي أُحدثت واستمرت.

إن المواطن العاطل عن العمل لا ينتظر الإعلان عن برامج جديدة فقط، بل ينتظر فرصة حقيقية تضمن له الاستقلال الاقتصادي والاندماج الاجتماعي.

3. الصحة والتعليم: هل تتحول الاعتمادات إلى خدمات أفضل؟

تظل الصحة والتعليم من أكثر المجالات تأثيراً في الحياة اليومية للأسر.

وقد حظيت الزيادة في ميزانيتي القطاعين بإشادة من فريق الأصالة والمعاصرة، كما شكل تعزيز الخدمات الاجتماعية أحد محاور النقاش البرلماني حول المشروع.

لكن المطلوب هو الانتقال من منطق زيادة الاعتمادات إلى منطق قياس النتائج.

ففي الصحة، ينبغي أن يشعر المواطن بتحسن في الولوج إلى العلاج، وتوفر الأدوية، وتقليص فترات الانتظار، وتوزيع الموارد البشرية بصورة أكثر عدالة بين الجهات.

وفي التعليم، ينبغي أن تظهر النتائج في جودة التعلمات، وتقليص الهدر المدرسي، وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات التعليمية، وتعزيز تكافؤ الفرص بين أبناء الأسر الميسورة ومحدودة الدخل.

ومن وجهة نظري، لا يكفي أن نعرف كم أنفقت الدولة على هذين القطاعين؛ بل يجب أن نعرف أيضاً ماذا تغير في حياة المواطن بعد هذا الإنفاق.

4. المعاشات والحماية الاجتماعية

يمثل تحسين معاشات المتقاعدين والأرامل وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر خطوة مهمة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على موارد محدودة وثابتة.

غير أن نجاح هذه التدابير يقتضي ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، ووضوح شروط الاستفادة، واحترام آجال التنفيذ، ومراعاة تطور الأسعار.

كما ينبغي تقييم الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الفقر والهشاشة، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإجمالية للميزانيات المرصودة.

فالمعيار الحقيقي ليس عدد البرامج الاجتماعية التي أُعلنت، وإنما عدد الأسر التي تحسنت أوضاعها بالفعل بفضلها.

5. العدالة المجالية: ماذا عن المدن والقرى الأقل استفادة من الاستثمار؟

يكتسي هذا الملف أهمية خاصة في الجهات التي تعاني من نقص التجهيزات والخدمات وفرص العمل.

ولا بد من تقييم التوزيع الجهوي للاستثمار العمومي، ومدى استفادة المناطق القروية والمدن المتوسطة والمجالات التي لم تتمكن من استقطاب استثمارات كافية.

فالتنمية لا ينبغي أن تُقاس فقط بحجم المشروعات الكبرى، بل كذلك بقدرتها على تقليص الفوارق في الولوج إلى الماء والصحة والتعليم والنقل وفرص الشغل.

وهنا يمكن أن تتحول المناقشة البرلمانية إلى فرصة لمطالبة الحكومة بنشر معطيات واضحة حول توزيع الاستثمارات بحسب الجهات، والنتائج المنتظرة من كل مشروع، والآجال المحددة لإنجازه.

—

سادساً: ما الذي ينبغي أن تطالب به المعارضة خلال المناقشة؟

في تقديري، سيكون من المفيد أن تتجاوز المعارضة السجال السياسي العام، وأن تقدم تعديلات قابلة للتنفيذ ومقترحات بديلة تستند إلى أرقام ومعطيات واضحة.

ويمكن تلخيص أهم المطالب التي تستحق النقاش في ستة محاور:

أولاً: حماية القدرة الشرائية من خلال إجراءات تستهدف الأسر محدودة الدخل والطبقة المتوسطة، مع تعزيز المنافسة والحد من اختلالات الأسواق.

ثانياً: العدالة الضريبية عبر تقييم أثر الإعفاءات والتحفيزات الجبائية، وتعزيز محاربة التهرب الضريبي، والتأكد من أن الإصلاحات تحقق توزيعاً أكثر إنصافاً للأعباء.

ثالثاً: التشغيل المنتج من خلال ربط الحوافز الممنوحة للمقاولات بأهداف واضحة في خلق فرص الشغل المستدامة.

رابعاً: جودة الخدمات العمومية عن طريق ربط الزيادات في ميزانيتي الصحة والتعليم بمؤشرات قابلة للقياس والتقييم.

خامساً: العدالة المجالية من خلال ضمان توزيع أكثر إنصافاً للاستثمارات، وإعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني من خصاص في التجهيزات والخدمات الأساسية.

سادساً: الشفافية والمساءلة عبر مطالبة الحكومة بتقديم تقارير دورية حول تنفيذ الالتزامات المالية والاجتماعية، مع توضيح الفارق بين الاعتمادات المبرمجة والنتائج المحققة.

ومن المهم أيضاً ألا تتحول المعارضة إلى مجرد قوة رافضة للمشروع، كما لا ينبغي للأغلبية أن تعتبر كل انتقاد تشكيكاً في العمل الحكومي. فالمناقشة البرلمانية الجادة هي التي تسمح بتعديل الاختيارات وتحسينها قبل المصادقة النهائية.

سابعاً: خلاصة التقييم السياسي

يمكن استخلاص ثلاث نتائج رئيسية من القراءة الأولية لمشروع قانون المالية لسنة 2027.

النتيجة الأولى: هناك توافق على مستوى الأولويات العامة، لكنه لا يحسم الخلاف حول وسائل التنفيذ.

فالتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتنمية المجالية ملفات تحظى بأهمية لدى مختلف الفرق البرلمانية. لكن الاختلافات تظهر عند تحديد الموارد، وتوزيع الأعباء، وطبيعة التدخل الحكومي، ومدى الاعتماد على الاستثمار الخاص أو الإنفاق العمومي.

النتيجة الثانية: التوافق الحكومي لا يعني الوفاء الكامل بالبرامج الانتخابية للأحزاب الأربعة.

لقد جرى استيعاب عدد من الالتزامات التي تعكس المرجعيات السياسية للأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، لكن المقارنة تكشف أيضاً عن تنازلات وتعديلات في بعض الأهداف الكمية، وعن وعود لم تنتقل إلى البرنامج الحكومي.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام هذه الأحزاب هو إثبات أن مشاركتها في الأغلبية ستتيح لها التأثير في السياسات العمومية، لا الاكتفاء بالدفاع عن حصيلتها داخل الحكومة.

النتيجة الثالثة: المشروع يقدم بعض الاستجابات الاجتماعية، لكن الحكم على مدى كفايتها يظل سابقاً لأوانه.

فالتخفيضات الضريبية والدعم الاجتماعي وتحسين بعض المعاشات وإحداث المناصب المالية إجراءات يمكن أن تحقق منافع ملموسة. غير أن استمرار الضغوط المرتبطة بالأسعار والتشغيل وجودة الخدمات العمومية يجعل من الضروري تقييمها على أساس نتائجها الفعلية.

ولذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان المشروع يتضمن تدابير اجتماعية أم لا، بل ما إذا كانت هذه التدابير كافية، ومنصفة في توزيع منافعها، وقابلة للتنفيذ ضمن الآجال المعلنة.

كلمة أخيرة

إن مشروع قانون المالية ليس امتحاناً تقنياً لوزير المالية وحده، بل هو امتحان سياسي للحكومة بأكملها، واختبار لمدى قدرة الأغلبية على التوفيق بين مرجعياتها المختلفة، ومدى قدرة المعارضة على تقديم بدائل واقعية، واختبار أخير لمدى صدقية الالتزامات التي قدمتها الأحزاب للمواطنين خلال الانتخابات.

فالمواطن لا ينتظر فقط ميزانية متوازنة، بل ينتظر حياة أكثر استقراراً، وتعليماً أفضل، وعلاجاً متاحاً، وشغلاً لائقاً، وعدالة ضريبية ومجالية يشعر بآثارهما في حياته اليومية.

وإذا نجحت الحكومة في تحويل الأرقام والاعتمادات إلى نتائج ملموسة، أمكن اعتبار مشروع قانون المالية خطوة نحو استعادة الثقة في العمل السياسي. أما إذا ظلت الوعود أكبر من النتائج، فإن التوافق الحكومي، مهما بدا متماسكاً داخل البرلمان، لن يكون كافياً لإقناع المواطن بجدوى السياسات المتبعة.

والفيصل في النهاية ليس ما تقوله الحكومة عن مشروعها، ولا ما تقوله المعارضة في انتقادها له، بل ما سيحدث فعلاً في حياة المغاربة بعد دخول قانون المالية حيز التنفيذ.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *