تداعيات من حكمة صبي

تداعيات من حكمة صبي
شارك

ثريا الطاهري  .

        وتبقى الدقيقة وقفة للتأمل بالأساس ، لقد حدث – ذات يوم – وأنا في حوار اخوي مع إحدى جارتي عند مدخل العمارة التي أسكنها بمدينة الدار البيضاء ،أن جاء طفل صغير لا يتجاوز عمره – حسب ما اعتقد – ست سنوات، تميزه خفة دمه الحاضرة بشكل جلي، ويزينه جمال روحه البهي ، واناقته الطفولية فاقت كل تصور – ما شاء الله – فنظر الي وقال : دقيقة واحدة خالتو ،ثم تمسك بأمه موشوشا في اذنها، فما كان منها إلا ان تبسمت وهي توجه سبابتها إليه ، ثم التفت إلي قائلا : شكرا خالتو واختفى في بهو العمارة، فعرفت بعد ذلك أنه طلب منها الإذن ليلعب بعض الوقت  مع ابن الجيران.  وما أثار انتباهي ،هو كلمة « الدقيقة  » .أجل  لقد عرفت قيمة الدقيقة من طفل صغير، بعدما كنت أرددها مرارا  وبدون أن افكر في معانيها ، حين يناديني أحدهم وأنا منشغلة بأمر ما، قائلة : انتظر دقيقة من فضلك.

          فالدقيقة في حياة الإنسان لا يُدرك سرها، لكنها قد تصنع الفارق في كل شيء في حياتنا  ، فالكثير منا قد لا يولي لهذه الدقيقة أي اهتمام ، ولا يركز إلا  على الساعات أو الايام، غافلا او متغافلا  عن الانتباه الى الدقيقة ،وبقليل من التعقل نجد ان حساب الوقت  او بالأصح قراءته  ينبغي ان تكون بالدقيقة قبل الساعة. وان نفكر فيما يمكن أن ننجزه خلالها ، ناظرين إلى الوقت بعين الدقيقة قبل كل شيء ، فإدارة الدقيقة والتحكم فيها باتزان  قد تغير من التوجه او المصير، ليس في المجال العلمي أو التكنولوجي فحسب ،بل في/ خلال كل مناحي الحياة اليومية بمختلف تشعباتها.

         وعليه ينبغي أن لا ننسى « الدقيقة  »  في كل ما نحن مقبلون على انجازه أو ما نريد القيام به ،أو حتى ما نحن بصدد اتخاذه  من اجراءات ،  وعندما نصل إلى لحظة اتخاذ القرار، ينبغي ان نعط لأنفسنا دقيقة للتأمل والتريث والاتزان فهي، ستون ثانية لا غير، قد تتغير فيها امور كثيرة ، وتنحرف زاويتها ب 180درجة او اكثر، شريطة أن نستحضر منظومة القيم الكونية والمبادئ الإنسانية والمُثل الفضلى، ونتخلى عن كل أنانية قد نركبها دون شعور منا، وبعيدا عن كل رياء عاطفي أو اجتماعي،  وفي نفس  الوقت ساعين من خلال كل ذلك إلى التحلي بالموضوعية والعقلانية . فدقيقة واحدة كفيلة بجعلنا أكثر تمسكا بإنسانيتنا ،وأكثر بعدا عن أي غرور يحف بنا، وقد يتغير مجرى حياتنا وحياة من يدور في فلكنا.

         ان كثيرا من الأمور أو الوقائع، يمكن أن تحدث أو يتغير منحاها  بسرعة فائقة خلال هذه  » الستون ثانية  » التي نتحدث عنها ،وقد يكون الواحد منا مظلوما أو صاحب حق ، سرعان  ما يضيع ويتلاشى بتهور  او  عدم اتزان خلال دقيقة واحدة . وحتى وإن كنا نريد أن نتخذ موقفا ما، او نبتغي عتاب  شخص ما، ففي الدقيقة التي نستحضر فيها ومن خلالها مبدأ التعقل والتريث ، يمكن أن نجد – للمعني بالأمر –  عذرا ،ولموقفه تفسيرا منطقيا ، يسمح لنا بتغيير تام لموقفنا . وفي هذه الدقيقة  قد تخمد اللوعة الداخلية ، وتجف السيول الحارقة ، وتختفي الأفكار المزعجة  ،فيعود لنا التوازن المفتقد ، والتركيز الضائع ،فننهل من حوض القيم الكونية ، والمبادئ الانسانية ، وتمنحنا – تلكم الدقيقة –  التسامح  والرضا عن النفس حين نلتمس – للموقف – الأعذار والمبررات التاويه بين دقائق الأمور.

        وتبقى الدقيقة الواحدة هي الادراك  الحقيقي للوقت المناسب، وهي المسافة القصيرة التي قد نصنعها ، بهدف تعرف اسباب اي تصرف اتجاهنا، ولعل اسعد الناس قلوبا هم من عرفوا القيمة الحقيقية للدقيقة ، وتغافلوا عن كل التصرفات المستعجلة  او الفجائية التي غالبا ما يعقبها الندم.

         دقيقة واحدة يمكن أن تحسن تصرفاتنا  وتجودها ، وتزيد  في عطائنا،  بل وحتى في اعمارنا  ، دقيقة واحدة تغير من منظومة اختياراتنا  ومسلكياتنا وسلوكاتنا ، فتصحح من اعوجاج كنا  سنسير في دروبه المتشعبة عن غير وعي بمنزلقاته  .

         وعطفا على ما تقدم ،وتأسيسا عليه ، ينبغي ان نستحضر « الدقيقة  » قبل أن نفقد من نحب، أو نعادي من لا يستحق منا ذلك ، فنفكر باتزان حتى  نتخذ القرار  الصائب بعيدا  عن كل تسرع ناتج عن  التهور او الرعونة ، حتى لا نندم  على ما اقترفناه  او اتخذناه من قرارات ، ثم اوليس « في كل عجلة ندامة » كما يقال . ففي الدقيقة ستون ثانية، ومن خلالها  تكون لدينا فرصة ثانية….بداية جديدة…. الامر الذي يستوجب منا  تأخير قراراتنا ، مشاعرنا  ولو لدقيقة، للتروي والاتزان واستحضار  المنطق ، فقد لا تمنحنا الحياة عامة ،والظروف خاصة ،دقيقة أخرى لنعبر  من خلالها  قنطرة  التؤدة  والتروي ،ونسقط في متاهات الندم، مضيعين فرصة الاستفادة من الزمن الفاصل بين اللحظتين ، قبل الوصول إلى نقطة النهاية ، ونتخذ القرارات ونحن في حالة من الغضب . فالدقيقة فارقة في  كل مساراتنا  ، وقد تنقلب فيها  النقم نعما من الله، والمحن منحا، والعسر يسرا.

       ويستحضرني هنا ماحكاه أحد القضاة عن قضية طلاق زوجين ، فقد حدث ان  أصرت الزوجة  على الطلاق من زوجها ، يقول القاضي ، فأجلت الطلاق للجلسة الثانية ، وهما في قمة الانزعاج يريدان إنهاء حياتهم الزوجية، ثم اجلتها لمرات عديدة  – يضيف القاضي – إلى أن كانت الجلسة الأخيرة، فطلبت من الزوج الجالس أمامي أن يذكر عشر حسنات لزوجته في ورقة دون أن أقرأها، وبعد ذلك طلبت من الزوجة قراءتها في سرها ففعلت والابتسامة تزداد على وجهها والخجل يكسرها والزوج دائم الابتسامة، ونفس الشيء طلبته من الزوجة اتجاه زوجها، – يقول القاضي  – ولم يكن سوانا في القاعة  ،فخرجت لدقيقة ولما عدت سمعت همسا يعاتب حبا قد كان ، وبعدها قلت :هل أثبت الطلاق يا سيدتي ويا سيدي؟فقالا :لا…..لا…… والف لا .

          كم نحن بحاجة لأخد العبرة  مما رواه هذا القاضي، ولدقيقته الحاسمة في اتخاد القرار .

 وسأختم بقولي :  ليس العد بزيادة رقم  ما ،وسأطوي الوقت ولن انكوي بجمر الدقائق أبدا.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.