الممارسة الانتخابية لصاحبه الدكتور التهامي بن حدش..

الممارسة الانتخابية لصاحبه الدكتور التهامي بن حدش..
شارك

محمد الدرويش رئيس مؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم.

  » تتولد عن كل حياة اجتماعية صراعات بين الأشخاص والمجموعات، إما بحكم تعارض المصالح أو اختلاف الأهداف حول مستقبل الجماعة.  وستعيش مختلف المجتمعات الإنسانية عهودا طويلة، قبل أن تهتدي إلى وسيلة لتدبير الصراعات بطريقة سلمية وحتى لا تتحول إلى صراعات مسلحة. »

من مقدمة كتاب

الممارسة الانتخابية لصاحبه الدكتور التهامي بن حدش الاستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، المؤلف قدمت له الدكتورة رقية مصدق من جامعة محمد الخامس كلية الحقوق السويسي.

تضيف المقدمة:

 هكذا ستعوض لغة صناديق

الاقتراع تدريجيا لغة الأسلحة، والمعارك الانتخابية الثورات العنيفة في المجتمعات الغربية، قبل أن تنتقل هذه الوسيلة الحضارية لتدبير الصراع السياسي، وضمان الانتقال الهادئ للسلطة إلى عدد من الدول في مختلف القارات.  وبذلك أصبحت الاستشارات الشعبية تشكل، عبر انتخابات منتظمة وحرة وشفافة، الوسيلة المثلى للتعبير عن سيادة الشعب، وغدت مصدر المشروعية للحاكمين في الديمقراطيات التمثيلية، حيث لا يمكن أن تتأسس سلطة سياسية إلا عن طريق الانتخابات، باعتبار أن مركز السلطة مرتبط بنتيجة هذه الانتخابات..

بالفعل قد يظهر أن الانتخابات، وهذا صحيح إلى حد بعيد، تقود إلى تقسيم الرأي العام، حيث تتم المواجهة بين أحزاب سياسية ومرشحين وبرامج مختلفة بل ومتناقضة، تنتهي باختيار مرشحين وإقصاء آخرين بدون شفقة. لكن الانتخابات تؤدي أيضا وظيفة لا تقل أهمية بالرغم من أنها خفية، وتتمثل في توحيد المواطنين حول الاختيارات الواجب القيام بها بشكل مشترك، وجمع الأمة حول مصير واحد وتقوية التماسك الاجتماعي، ويمكن أن نضيف كذلك أنها تؤدي إلى تعميق الشعور بالانتماء إلى المجموعة أو الأمة باعتبارها مجموعة لا تتجزأ وفوق الأفراد ».

إن تلك الاعتبارات هي التي يمكن أن تفسر، لماذا يتفق جل  » الديمقراطيين » على أن الشعب هو من يملك السلطة، ويستفيد من هذه السلطة التي يعتبر موضوعا لها، بينما يبقى الاختلاف قائما حول الفكرة التي يكونها كل طرف عن مفهوم الشعب، الأمر الذي يعتبر من أحد الأسباب التي تؤدي إلى وجود تفسيرات متعددة لمفهوم الديمقراطية.

وإذا كان المفهوم الذي يؤخذ به فيما يعرف بالديمقراطيات الغربية ينبني على فكرة المجتمع المتعدد، والذي يعني أن الشعب يتكون من أفراد وجماعات، يختلفون حسب وضعياتهم الاجتماعية أو حسب طموحاتهم أو أفكارهم أو عقائدهم، فإن هذا المفهوم سيجد بعض الصعوبات في اعتماده من طرف معظم الدول خارج الديمقراطيات الغربية، رغم إعلان أنظمة هذه الدول اعتمادها للديمقراطية..

كما أن المفهوم الذي سيتبناه القادة السياسيون، المغاربيون على الخصوص، هو مفهوم « الأسس الموحدة للسلطة وممارسة هذه السلطة عن طريق الإجماع » كتعبير عن الوحدة المتجذرة للمواطنين..

وفي ظل هذا المفهوم يبقى تنظيم الاستشارات في هذه الأنظمة، التي ترفض الاختلاف والمنافسة المفتوحة على السلطة، ولا يلتزم حكامها بنتائجها الآلية التي سيلتف هؤلاء الحكام حولها، مرتبطا بضمان استمرارية النظام.

إن قرار تنظيم مثل هذه الاستشارات الانتخابية، بالنسبة لهذه الأنظمة، ليس عملا اعتباطيا ولا عفويا من طرف حكام هذه الأنظمة، لأنهم ينتظرون منها عن حق أو باطل، ربحا معينا، يتمثل في مجموعة من الوظائف التي يمكن حصرها فيما يلي:

 – تدعيم مشروعية النظام إزاء الخارج؛

– إعادة بناء الطبقة المهيمنة في علاقاتها مع السلطة المركزية؛

– إعطاء مشروعية داخلية للحاكمين عبر شرعية شكلية؛

– تبرير الخطاب السياسي والشعارات والتفسيرات المتعلقة بسياسة الحاكمين عبر تعبئة المواطنين؛

– إعطاء طابع رسمي للتوافقات التي تحدث في قمة النظام وحسم الصراعات وموازين القوى بين الفئات الحاكمة؛

– وقد تكون الانتخابات وسيلة لإبعاد أحزاب سياسية معارضة بطريقة هادئة كما هو الأمر في إفريقيا.

وبصرف النظر عن الاختلافات بين هذه الدول، سواء العربية -الإسلامية أو الإفريقية، والتي لن تعرف نظام الاقتراع الا بعد الحركة الاستعمارية الكبرى بداية القرن العشرين، فإن المغرب سيكون من بين هذه الدول، التي ستشهد بشكل محتشم تطبيق هذا النظام خلال عهد الحماية.

وبالرغم من أهمية الأشواط التي قطعها المغرب منذ الاستقلال في تحديث نظامه السياسي، حيث نتذكر كيف أنه تبني نظام التعددية السياسية، والتي كانت تعد اختيارا متقدما وشاذا، في محيط كان تأسيس الحزب الوحيد يعبر عن الدخول في بناء الدولة الحديثة، وفي مرحلة كان اعتماد مثل هذا النظام يعبر عن انعتاق الشعوب من سيطرة الاستعمار، فإنه لا مناص مع ذلك من الإقرار بأن النظام السياسي المغربي، الذي ظل يتميز على غرار النظم العربية،  » علی اختلاف أشكالها ونزعاتها، بمركزية السلطة ومحورية دور القائد السياسي

ومحدودية المشاركة السياسية وشكلية المؤسسات التمثيلية »، لم ينجح في « إحداث قطيعة بين « التقليدي » وبين « الحداثي  » داخل جهاز الدولة ومفهوم السلطة.

فبالرغم من إجماع النخبة السياسية المغربية على مبدأ الانتخاب كوسيلة لقياس تمثيلية القوى السياسية، فإن من الملاحظ أن الممارسة الانتخابية لم تكن في معظم الحالات مطابقة لإعلانات الحاكمين، ولا تتوفر فيها مواصفات شروط الانتخابات الديموقراطية.

معظم الباحثين، إما أنهم يقرون بصعوبة الإجابة القطعية عن تنافسية أو عدم تنافسية الانتخابات المغربية أو يعتبرون أنها نصف تنافسية، « حيث لا يؤدي التنافس الانتخابي إلى إعادة النظر في موازين الحكم المركزية بل ينحصر في محيط النظام » بينما يؤكد آخرون كالأستاذ عبد الرحمان القادري، بشأن الانتخابات بالمغرب، أنه باستثناء انتخابات 29 ماي 1960 الجماعية، وبنسبة أقل انتخابات 17 ماي 1963 التشريعية، فإن معظم التجارب الانتخابية لم تتوفر فيها شروط الشفافية والحرية والنزاهة والمصداقية المطلوبة.

ويعتقد خالد الناصري من جهته، أنه عوض الحديث عن تنافسية الانتخابات، سيكون من الأنسب الحديث عن « مرض التزييف الانتخابي » من جانب السلطة، وعن « الوظيفة الخطابية » للاستشارات الانتخابية بالنسبة للأحزاب السياسية التي تصر على المشاركة، رغم علمها المسبق والقاطع بان الديمقراطية ستكون غائبة خلال هذه الاستشارات.

إلى جانب هؤلاء نجد قلة من الباحثين تناولوا المسألة الانتخابية بالمغرب، دون الاهتمام بواقع الأشياء، واكتفوا بالنتائج الرسمية كما لو كانت صادرة عن مؤسسة مستقلة. وعلى أي، فهذه التعثرات التي ذكرناها تتظافر كلها، لتفسر لنا عدم تحقيق تراكمات في مجال النزاهة الانتخابية خلال عقود من الممارسة، كان من الممكن لو تحققت أن تجعل الانتخابات المغربية أقرب إلى الانتخابات في الديموقراطيات المستقرة وأن تمنح أحزاب الحركة الوطنية الحق في تناوب منبثق عن صناديق الاقتراع.

إن استقراء فاحصا للممارسة السياسية، يجعلنا نقف عند أهم الاختلالات والتعثرات التي عرفتها الممارسة الانتخابية منذ الاستقلال. بيد أننا سنعمد إلى تحليلها في سياق الصراعات حول السلطة السياسية، التي انطلقت منذ الاستقلال بين الملك وأحزاب الحركة الوطنية، إما للمحافظة على السلطة السياسية أو للاستيلاء عليها مرورا بالمشاركة فيها، والتي كان يهيمن عليها صراع الشرعية والمشروعية.

إن جدلية الصراع حول مشروعية السلطة القائمة والشرعية الديموقراطية يفسر إلى حد بعيد، تأجيل الممارسة الانتخابية بعد الاستقلال إلى غاية الستينيات، والتعثرات التي عرفتها بعد ذلك. فتراجع الصراع حول مشروعية السلطة القائمة، وبالتالي تراجع التطلع إلى الاستيلاء على السلطة السياسية، وتقدم الالتفاف حول تحديد قواعد الشرعية الدستورية والديموقراطية بهدف إعادة النظر في تنظيم السلط والعلاقات بينها، لم يغير بصفة جذرية من معالم الممارسة الانتخابية، حيث ظلت هذه الممارسة تخضع لثوابت تتمثل في ضغط الاستمرارية وحدود التجديد. وكل من هذه الثوابت له أبعاد تتوزع في نظرنا على الجانب القانوني والجانب السياسي والجانب الإجرائي.

إن ضغط الاستمرارية يتمثل في استمرار تحكم الملكية في قواعد الممارسة الانتخابية بالرغم من تراجع الصراع حول المشروعية. فعلى الرغم من إقرارها لمبدأ التعددية الحزبية، فإن المدلول الحقيقي للانتخابات بالنسبة إليها، هو أن تعدد الأحزاب السياسية والمرشحين، يمنح الناخبين حق الاختيار، والذي لا يجب بأي حال من الأحوال أن يعبر عن اختيار إيديولوجي، لأن ما هو مطلوب من المواطنين، ليس هو أن يختاروا بين عدة توجهات ممكنة ولكن، بناء على انشغالاتهم، الأشخاص الذين يبدون لهم الأقدر على مساعدة الملك في تحقيق الأهداف الأساسية للأمة.

ويتمثل استمرار تحكم الملكية في تحديد قواعد الممارسة الانتخابية، قانونيا، في هيمنتها على تحديد الإطار الدستوري والانتخابي للممارسة الانتخابية، وسياسيا، في خلق أحزاب سياسية بديلة لمواجهة أحزاب الحركة الوطنية، وإجرائيا، في تحكم الملكية في مسار العملية الانتخابية.

أما حدود التجديد، فتتمثل في استمرار تهميش أحزاب الحركة الوطنية، بالرغم من استقرار التنازع حول تحديد قواعد الشرعية الدستورية والديموقراطية، الذي سيهيمن على الممارسة الانتخابية، والذي ستتحول الانتخابات بفعله إلى وسيلة، تسمح للنظام بأن يعطي صورة ديمقراطية عن نفسه يريد فرضها على الرأي العام الداخلي والخارجي، وعلى الخصوص الدول الغربية التي سترضى ببعض المظاهر الديمقراطية لتبرر مساعدتها للنظام.

وتتمثل حدود التجديد، قانونيا، في محدودية انخراط أحزاب الحركة الوطنية في مسار الإصلاحات الدستورية والانتخابية، وسياسيا، في نذرة المحاولات الوحدوية بين مكوناتها.،

وإجرائيا، في استمرار تهميشها وضعف تمثيليتها في المؤسسات المرتبطة بتنظيم وتتبع العملية الانتخابية أو المنبثقة عنها..

 الكتاب من منشورات فكر طبع بدعم من قطاع الثقافة وجامعة سيدي بن محمد بن عبد الله بمطبعة ابي رقراق بالرباط..

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *