خارج أوهام الوعي: عبد الله العروي وسؤال التخلف التاريخي
محمد السميري
مقدمة إشكالية
يحتلّ عبد الله العروي موقعاً فريداً في الفكر العربي المعاصر، ليس فقط بسبب غزارة إنتاجه، بل أساساً بسبب طبيعة الأسئلة التي صاغها والمنهج الذي دافع عنه بإصرار على امتداد أكثر من نصف قرن. فقد سعى العروي، منذ الإيديولوجيا العربية المعاصرة (1967)، إلى نقل سؤال التخلف من مجال السجال الأخلاقي والثقافوي إلى مجال التحليل التاريخي البنيوي. غير أن هذا المشروع ظل، في جزء كبير منه، عرضة لسوء الفهم: فاعتُبر أحياناً دعوة إلى التغريب، وأحياناً أخرى تبريراً للاستسلام أو حتمية تاريخية تُقصي الإرادة الإنسانية.
ينطلق هذا المقال من إشكالية مركزية: كيف يمكن فهم أطروحة العروي حول التخلف والتاريخانية فهماً تفسيرياً يقرّبها من القارئ غير المتخصص دون أن يفقدها صرامتها الأكاديمية؟ وكيف يتحدد نقده لمالك بن نبي داخل هذا الإطار؟ ثم كيف يسمح المنظور التاريخاني بفهم أعطاب المجتمعات العربية الحديثة بعيداً عن التفسير النفسي أو الأخلاقي؟
التخلف كواقع تاريخي لا كحكم قيمي
يصرّ العروي على أن التخلف ليس نقيضاً أخلاقياً للتقدم، ولا دليلاً على فساد القيم أو انحطاط الثقافة، بل هو وضع تاريخي محدّد. فالمجتمع المتخلف، في تعريفه، هو ذاك الذي لم تنجح بنياته في استيعاب منطق العصر الحديث، أي تحويل المعرفة العلمية إلى قوة إنتاجية، وتنظيم السلطة بالقانون، وضبط العلاقات الاجتماعية بمنطق العقلانية الحديثة. يقول العروي صراحة إن التخلف «ليس نقصاً في النوايا ولا في الذكاء، بل نقص في الشروط التاريخية»¹.
ولتوضيح هذا المعنى بيداغوجياً، يمكن تشبيه المجتمع الحديث بورشة مترابطة: التعليم يوفّر المعرفة، الدولة تنظمها بالقانون، والاقتصاد يحوّلها إلى إنتاج. إذا تعطّل أحد هذه العناصر، تعطلت الورشة كلها، مهما حسنت نوايا العاملين فيها. بهذا المعنى، يصبح الحديث عن «أزمة وعي» أو «أزمة أخلاق» مجرد تشخيص سطحي يتجاهل البنية العميقة للمشكل.
نقد التفسير النفسي: القابلية للاستعمار نموذجاً
ضمن هذا الأفق، يتحدد نقد العروي لأطروحة مالك بن نبي حول «القابلية للاستعمار». فبينما يرى بن نبي أن الاستعمار لا يتم إلا بوجود استعداد نفسي وثقافي لقبوله، يعترض العروي على جعل هذا العامل سبباً أولياً. فهو لا ينكر وجود آثار نفسية للاستعمار، لكنه يرفض قلب العلاقة السببية. فالانكسار النفسي، في التحليل التاريخاني، نتيجة للهزيمة وفقدان المبادرة، لا سبباً لها.
يقدّم العروي مثالاً تاريخياً دالاً حين يقارن بين الاحتلال الألماني لفرنسا في الحرب العالمية الثانية والاستعمار الأوروبي في العالم العربي. فالمجتمع الفرنسي، رغم الهزيمة العسكرية، لم يتحول إلى مجتمع مستعمَر بنيوياً، لأنه كان متمكناً من شروط الإنتاج والتنظيم، وقادراً على استعادة المبادرة. أما المجتمعات العربية، فقد دخلت زمن الاستعمار وهي تعاني أصلاً من تفكك الدولة وضعف التنظيم الاقتصادي، ما جعل الاحتلال يكشف هشاشتها بدل أن يكون سببها المباشر².
التمكن من الأرض وفقدان المبادرة التاريخية
من المفاهيم المحورية عند العروي مفهوم «التمكن من الأرض». وهو مفهوم يُساء فهمه غالباً بوصفه تعبيراً عن الوطنية أو السيادة الرمزية، بينما يقصده العروي بمعنى أدق: القدرة الفعلية على تنظيم المجال الاقتصادي والاجتماعي واستثماره بعقلانية. الأرض قد تكون ملكاً لجماعة ما، لكنها لا تكون «متمكَّناً منها» إلا إذا توفرت المعرفة والتقنيات والمؤسسات التي تجعلها منتجة.
يمكن تقريب الفكرة بمثال بسيط: فلاح يمتلك أرضاً شاسعة لكنه يفتقر إلى أدوات الحرث الحديثة، ونظام السقي، ومعرفة السوق. الأرض في حوزته، لكنه عاجز عن تحويلها إلى مصدر قوة. هكذا يفسر العروي كيف فقدت المجتمعات العربية، عبر مسار تاريخي طويل، قدرتها على المبادرة، أي على التحكم في شروط وجودها داخل التاريخ العالمي³.
الإيديولوجيا بوصفها تعويضاً عن العجز
حين يعجز المجتمع عن الفعل التاريخي الفعّال، يلجأ – في تحليل العروي – إلى ما يسميه «التعويض الإيديولوجي». وقد حلل هذه الظاهرة في كتابه المبكر الإيديولوجيا العربية المعاصرة، حيث بيّن أن التيارات السلفية والليبرالية والتقنوقراطية، رغم اختلاف شعاراتها، تشترك في كونها ردود فعل على التخلف لا حلولاً له. فهي إما تهرب إلى الماضي، أو تستعير خطاب الحداثة شكلياً، أو تختزل التقدم في التقنية دون تغيير البنية.
يشرح العروي هذا المنطق بوضوح حين يؤكد أن الإيديولوجيا «خطاب يملأ فراغ الفعل»⁴. وبصيغة تعليمية: هي أشبه بطلاء جديد لبيت أساساته متصدعة؛ قد يخفي الشقوق مؤقتاً، لكنه لا يمنع الانهيار.
التاريخانية: منطق للعمل لا حتمية مغلقة
كثيراً ما اتُّهم العروي بالدفاع عن حتمية تاريخية تنفي الإرادة. غير أن قراءة دقيقة لنصوصه تُظهر عكس ذلك. فالتاريخانية، كما يفهمها، لا تعني أن التاريخ يسير آلياً، بل أن الفعل الإنساني لا يكون منتجاً إلا إذا انطلق من فهم شروطه الموضوعية. لذلك يرفض العروي فكرة «الإبداع من موقع التخلف»، ليس تقليلاً من قدرات المجتمعات المتأخرة، بل لأن الإبداع يفترض امتلاك أدوات العصر.
ولتقريب هذه الفكرة، يمكن استعمال مثال تعليمي: لا يمكن لتلميذ لم يتقن مبادئ الحساب أن يبدع في الرياضيات العليا. الإبداع هنا ليس مسألة رغبة أو نبوغ، بل نتيجة مسار تعلّمي تراكمي. هكذا تفهم دعوة العروي إلى «التقليد الواعي» بوصفه مرحلة تاريخية ضرورية لسد الفجوة، كما فعلت أمم أخرى سبقت في هذا المسار⁵.
امتدادات راهنة للأطروحة: التربية، التعدد، ونهاية أوهام التوحيد
تكتسب الأفكار الواردة في حوارات عبد الله العروي المتأخرة معناها الكامل حين تُقرأ على ضوء ما دوّنه في أوراق وخواطر الصباح. ففي هذه النصوص، يشتغل العروي على مستوى تأملي شبه يومي، يسمح له بتعديل بعض مواقفه دون التخلي عن المنطق التاريخاني المؤسس.
في ما يخص التربية، يقرّ العروي صراحة بأن نموذج «المربي-السياسي» الذي كان يعوّل عليه في مرحلة سابقة أصبح غير قابل للتحقق. ففي خواطر الصباح، يكتب أن الرهان على إصلاح شامل تقوده الدولة من أعلى يفترض وحدة ثقافية ولغوية لم تعد قائمة في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية وتتعدد فيه مصادر التكوين¹. ومن هنا يصبح دفاعه عن التعليم الحر إقراراً بواقع تاريخي جديد، لا تبنّياً إيديولوجياً لليبرالية التربوية.
أما مسألة التعدد اللغوي، التي شدد عليها في الحوار، فهي امتداد مباشر لتحليلاته في أوراق، حيث يبيّن أن فكرة التوحيد اللغوي كانت مرتبطة تاريخياً ببناء الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر، لكنها تفقد معناها في سياق العولمة وتفكك المركز الثقافي الواحد². لذلك يرفض العروي التعامل مع التعدد بوصفه انحرافاً، ويرى فيه معطى بنيوياً يشمل حتى اللغات العالمية الكبرى.
وفي هذا السياق، يقدّم العروي تعريفه السوسيولوجي للتقليد بوصفه رفضاً لكل جديد، لا تمسكاً بالماضي فحسب. هذا التعريف وارد بوضوح في خواطر الصباح، حيث يربط بين التقليد والبحث عن الراحة النفسية، مقابل المغامرة التي يفرضها الفعل التاريخي³. ومن ثم، فإن الصراع الحقيقي لا يكون بين قديم وجديد، بل بين ذهنية منغلقة وأخرى معاصرة.
كما يسمح الرجوع إلى أوراق بفهم موقف العروي من الأدب والفن. فتمييزه بين الإيديولوجيا بوصفها خطاب توحيد، والأدب بوصفه مجالاً للتعدد، نجده مبثوثاً في تأملاته حول الكتابة الروائية والسينما. فالفن، في نظره، يفتح إمكانات للفهم لا تستطيع اللغة المفهومية الصارمة وحدها أن توفرها، دون أن يعني ذلك تعويضه عن التحليل التاريخي⁴.
بهذا المعنى، لا تمثل الحوارات المتأخرة قطيعة مع مشروع العروي، بل تكشف عن مرونته الداخلية وقدرته على مراجعة أشكال التنزيل التاريخي لأفكاره. إن ما يتغير هو السياق، أما المنهج فيظل ثابتاً: فهم الواقع انطلاقاً من شروطه، لا من الأماني التي نُسقطها عليه.
خاتمة
تُظهر هذه القراءة أن عبد الله العروي لا يعالج التخلف بوصفه عطباً أخلاقياً أو خللاً في الهوية، بل باعتباره وضعاً تاريخياً نتج عن فقدان شروط المبادرة داخل زمن الحداثة. ومن خلال الجمع بين التحليل المفهومي الصارم والتأملات اليومية الواردة في أوراق وخواطر الصباح، يتضح أن التاريخانية عنده ليست حتمية مغلقة، بل منطقاً للفعل المشروط بالمعرفة والواقع. فالتعدد اللغوي، وفشل نموذج المربي–السياسي، والدفاع عن التعليم الحر، وإعادة الاعتبار للفن بوصفه مجالاً للتعدد الرمزي، كلها مؤشرات على وعي تاريخي يدرك تحولات الزمن بدل أن يقاومها بوهم التوحيد الشامل.
إن قيمة فكر العروي، في ضوء هذا التحليل، تكمن في قدرته على مساءلة الأوهام المؤسسة للوعي العربي الحديث، دون السقوط في التشاؤم أو التبرير. فهو لا يدعو إلى القطيعة مع الماضي، ولا إلى تمجيده، بل إلى فهم موقعه داخل سيرورة تاريخية أوسع. ومن ثم، فإن استعادة العروي اليوم لا تعني تبني أجوبة جاهزة، بل استعمال التاريخانية أداةً نقدية تسمح بتفكيك أسباب التعثر، وبتحويل الوعي من مجال التبرير الإيديولوجي إلى أفق الفعل الممكن.
المراجع
- عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ط1، باريس: دار ماسبيرو، 1967.
- عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ط2، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992.
- عبد الله العروي، مفهوم العقل، ط2، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996.
- عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987.
- عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996.
- عبد الله العروي، أوراق، ط3، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1995.
- عبد الله العروي، خواطر الصباح، ط1، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2006.
- عبد الله العروي، السنة والإصلاح، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2008.
- عبد الله العروي، ديوان السياسة، ط1، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2009.
- عبد الله العروي، من ديوان السياسة، ط1، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2010.
