من التيه إلى الظلمات: تفكيك الحداثة النفطية في رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف
بقلم:محمد السميري
صدرت رواية « عالم بلا خرائط » عام 1982، في حين نُشرت أجزاء « مدن الملح » تباعاً خلال العقد الثمانيني: « التيه » (1984)، « الأخدود » (1985)، « تقاسيم الليل والنهار » (1989)، ثم اكتملت لاحقاً بـ »المنبت » و »بادية الظلمات ». يُبرز هذا التسلسل الزمني أن « مدن الملح » لا تسبق « عالم بلا خرائط » تاريخياً، بل تأتي بعدها كتجاوز تفسيري. فهي تمثل تفكيكاً بنيوياً-تاريخياً للشروط العميقة التي عبرت عنها الرواية السابقة، من خلال نقل سؤال التيه واللايقين من مستوى الوعي إلى أبعاد الاقتصاد السياسي، والسلطة، والتاريخ، لتصل إلى قراءة نشأة الدولة الريعية كبنية إنتاجية للهزيمة.
تعتمد الرواية على مكان الصحراء كنسق ثقافي متكامل، حيث كان المكان قبل اكتشاف النفط يمتلك إيقاعاً خاصاً وحدوداً أخلاقية واضحة: «كان الناس يعرفون حدودهم، ويعرفون ما يمكن أن تأخذه الصحراء وما يمكن أن تعطيه» [1]. ومع ذلك، أحدث النفط قطيعة جذرية، إذ رسمت الخرائط من الخارج، وبُنيت المدينة دون ذاكرة. إن المدينة النفطية ليست امتداداً للصحراء، بل نفياً لها، وهي فضاء يشبه مدينة عمورية في « عالم بلا خرائط »: مكان يفتقر إلى مركز رمزي، ويُدار كفضاء وظيفي غير تاريخي. وكما يصف الراوي التغيير: «كيف يمكن للأشخاص والأماكن أن يتغيروا إلى الدرجة التي يفقدون صلتهم بما كانوا عليه، وهل يستطيع الإنسان أن يتكيف مع الأشياء الجديدة والأماكن الجديدة دون أن يفقد جزءاً من ذاته؟» [2].
تقدم الرواية نقداً مبكراً للدولة الريعية، حيث تقوم السلطة على توزيع الريع بدلاً من التمثيل أو الضرائب، مما يجعل العنف بنيوياً وليس انحرافاً عرضياً، ويجعل أجهزة الضبط أكثر أهمية من خطاب الإقناع: «لم يعودوا يحتاجون الناس، النفط يكفي» [3]. وهنا تتقاطع الرواية مع نصوص أخرى مثل « شرق المتوسط » في كشف جهاز القمع، لكنها تتجاوزها من خلال تحليل الشروط التي جعلت هذا القمع ممكناً. وفي هذا السياق، يبرز الراوي الاغتراب الإنساني قائلاً: «الذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة، إذ بمقدار ما تتيح له سفراً دائماً نحو الحرية، فإنها تصبح سجنه» [4].
الشخصيات في الرواية ليست أبطالاً تقليديين، بل ذوات مكسورة، مثل متعب الهذال الذي يمثل ذاكرة مقاومة: «كان يعرف أن الرحيل هو الهزيمة الحقيقية» [5]. مقارنة بـعلاء الدين نجيب في « عالم بلا خرائط »، يبدو متعب خارج الخطاب أصلاً؛ فالأول ضحية انهيار الرموز، أما الثاني فهو ضحية اقتلاع المكان. ويعزز ذلك الاقتباس: «هل هناك شيء في كل إنسان يخبو لكن لا يموت، ويظل هذا الشيء يحركه ويدفعه من مكان إلى آخر حتى يعود إلى منابعه» [6].
البنية السردية للرواية مفتوحة، خالية من بطل مركزي أو نهاية خلاصية. يمتد الزمن، وتظهر الشخصيات وتختفي، في محاكاة لبنية سلطة تتجاوز الأفراد، فيما يمثل لغة منيف الجافة خياراً معرفياً يعكس عالماً مجرداً من الشعر والمعنى.
من التيه إلى الظلمات: البنية الدلالية لعناوين مدن الملح
لا تكتمل قراءة « مدن الملح » دون التوقف عند عناوينها كعتبات دلالية فاعلة، لا مجرد تسميات تجزيئية. فالعنوان الكلي نفسه، « مدن الملح »، يقوم على مفارقة تأسيسية: المدينة رمز الاستقرار والتراكم والذاكرة، بينما الملح مادة سريعة الذوبان، غير صالحة للبناء الدائم. بهذا التركيب المتناقض، يعلن عبد الرحمن منيف منذ البداية موقفه النقدي تجاه الحداثة النفطية؛ وهي حداثة تقوم على ثروة طارئة، خالية من الجذور التاريخية، وفاقدة لقابلية الاستمرار.
من هذا العنوان الجامع، تتوالى عناوين الأجزاء كمراحل في مسار دلالي متدرج، لا يصعد نحو التقدم بل ينحدر نحو العتمة. فـ »التيه » (1984) يحيل إلى الضياع الجماعي وفقدان البوصلة، في استدعاء ثقافي-قرآني كثيف، غير أن التيه هنا ليس قدراً ميتافيزيقياً بل نتيجة تاريخية لاكتشاف النفط وبداية القطيعة بين الإنسان ومكانه. إنه لحظة الانفصال الأولى بين الذاكرة والتاريخ، وبين الأرض وأهلها. ويبرز ذلك: «أولئك الذين نجوا، أهلكتهم الذاكرة» [8].
ويأتي « الأخدود » (1985) لينقل السرد من مستوى الضياع إلى مستوى العنف البنيوي. فالدلالة هنا عمودية، تشير إلى فجوة سحيقة بين السلطة والمجتمع، وتستحضر ذاكرة « أصحاب الأخدود »، حيث يتحول الاختلاف إلى جريمة. في هذا المستوى، لم تعد السلطة في طور التشكل، بل دخلت مرحلة تثبيت ذاتها عبر القمع المنهجي، وأصبح العنف جزءاً من منطق الحكم لا استثناءً طارئاً.
أما « تقاسيم الليل والنهار » (1989)، فيُمثل مرحلة أكثر تركيباً، حيث لا تكتفي السلطة بالسيطرة على المكان بل تمتد إلى تنظيم الزمن ذاته. فالحياة تُعاد هندستها وفق إيقاع يومي: ليل الخوف ونهار الطاعة. هنا يبلغ النظام درجة من الاستقرار القمعي تجعل العنف غير مرئي، لأنه مدمج في تفاصيل العيش، لا في لحظات الصدمة وحدها. ويعبر عن ذلك: «الكثير من الأشياء الجميلة، أو الأشياء التي يتمناها الإنسان، تأتي متأخرة» [9].
ويحسم « المنبت » هذا المسار دلالياً، بوصفه عنواناً للاقتلاع الكامل: الإنسان الذي لا ينتمي إلى أرض، ولا ينبت في تربة، وهو النموذج الإنساني الذي أنتجته مدن الملح. فرد بلا ذاكرة ولا جذور، فاقد لأي إمكانية حقيقية للاحتجاج، إذ يفترض الاحتجاج انتماءً سابقاً.
وتبلغ السلسلة ذروتها في « بادية الظلمات »، حيث تعود البادية لا بوصفها أصلاً أو ذاكرة، بل بوصفها فضاءً معتماً خالياً من المعنى. والظلمات، بصيغة الجمع، تشير إلى تعدد مستويات القهر: السياسي، والاقتصادي، والرمزي، والمعرفي. إنها الخلاصة الدلالية للمشروع كله: حداثة أعادت إنتاج الصحراء، لا كفضاء طبيعي بل كعتمة تاريخية.
الخاتمة
تكشف هذه القراءة أن « مدن الملح » ليست مجرد رواية عن النفط أو الخليج، بل مشروعاً سردياً-نقدياً متكاملاً يسعى إلى تفكيك شروط نشوء الدولة العربية الريعية، وفضح علاقتها البنيوية بإنتاج التيه والقمع والاغتراب. فإذا كانت « عالم بلا خرائط » قد عبرت مبكراً عن أزمة الوعي العربي بلغة رمزية-وجودية، فإن « مدن الملح » جاءت لاحقاً لتقدم التشريح البنيوي العميق للشروط التاريخية والاقتصادية التي جعلت ذلك التيه ممكناً ومستمراً، حيث يصبح النفط ليس مصدر ثروة فحسب، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمع بطريقة تجعله هشاً ومعتمداً على الريع، مما يؤدي إلى فقدان الهوية الثقافية والاجتماعية التقليدية. وفي هذا السياق، يبرز منيف كيف أن اكتشاف النفط لم يكن تحولاً نحو التقدم الحقيقي، بل قطيعة مع الذاكرة الجماعية، حيث تتحول الصحراء من فضاء حيوي متكامل إلى مكان مجرد من المعنى، ينتظر الأفول مع انتهاء الثروة الطارئة، كما يلمح إلى أن هذه المدن الشاسعة ببناياتها الشاهقة ستذوب عند أول هطول مطر رمزي للأزمات الاقتصادية أو السياسية.
وبالتالي، لا تروي « مدن الملح » ما كان فحسب، بل تفسر لماذا لا يزال ما كان قائماً حتى الآن، ولماذا تبدو المدن التي شُيدت على الملح مهددة بالذوبان في كل لحظة، مشيرة إلى أن الحداثة النفطية أنتجت مجتمعات تفتقر إلى الجذور التاريخية، مما يجعلها عرضة للانهيار أمام التحديات المستقبلية، كما في تنبؤاتها بفقدان الحرية الاجتماعية وسيطرة السلطة القمعية. يمتد هذا النقد ليشمل الواقع العربي الأوسع، حيث يصبح المكان ليس مجرد خلفية بل وعاءً للحياة يصنع الشخصيات ويحدد مصائرها، محذراً من أن الاعتماد على الريع يؤدي إلى توجس جماعي غير مبرر تجاه التغيير، ويحول البداوة إلى حضارة زائفة تفتقر إلى الاستدامة. في النهاية، تظل « مدن الملح » شاهداً أدبياً على قدرة الرواية العربية على تأويل التاريخ بعمق، محولة الملحمة الشخصية إلى نقد جماعي يدعو إلى إعادة التفكير في مسارات الحداثة العربية.
*الاستشهادات من نص الرواية:*
[1] من « التيه »، عبد الرحمن منيف.
[2] من « التيه »، عبد الرحمن منيف.
[3] من « مدن الملح »، عبد الرحمن منيف.
[4] من « التيه »، عبد الرحمن منيف.
[5] من « التيه »، عبد الرحمن منيف.
[6] من « التيه »، عبد الرحمن منيف.
[7] من « بادية الظلمات »، عبد الرحمن منيف.
[8] من « مدن الملح »، عبد الرحمن منيف.
[9] من « تقاسيم الليل والنهار »، عبد الرحمن منيف.
*المراجع:*
– سفيان البراق. (2021). « حضور التاريخ في الرواية العربية؛ (مدن الملح) نموذجاً ». مركز حرمون للدراسات المعاصرة.
– رامز بكري بلال. (2020). « مدن الملح.. الرواية الملحمية للبادية العربية! ». الجزيرة نت.
– فيصل دراج. (2004). « الرواية وتأويل التاريخ ». المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
– صالح ولعة. (2012). « بناء الزمن الروائي ». دار الشروق.
